اهالي ضحايا مركب الوراق
منصور حكايته مأساة بمعنى الكلمة، فقد 10 من أسرته منهم ابنتيه وأطفال ابنه المتوفى العام الماضى، وينتظر جثمان ابنته مروة لكى تطفو فوق المياه، إلا أن النتائج غير مبشرة.. يشكو من عدم اهتمام المسؤولين.
كذلك العربى، والد الطفل عثمان وأحمد اللذان فقدهما مع 4 آخرين من أسرته، جلس فوق المركب المنكوب لمدة 25 يوما ولم يجد جثة ابنه الثانى سوى من 3 أيام فقط، ويكتفى بالنظر إلى المكان الأخير الذى كان يجلس فيه ابنيه قبل أن يرحلا..
مأساة منصور وعثمان نعرضها عليكم وعلى المسؤولين عسى أن تكون مثار اهتمام.
لا يزال جالسًا على حافة نهر النيل بمكان الحادث الأليم الذى راح ضحيته 38 شخصًا ما بين أطفال ونساء وشباب وفتيات، حادث مركب الوراق الذى اصطدم به صندل فغرق بمن عليه.. مأساة كان لها آثارها الواضحة على أهالى هؤلاء الضحايا الذين منهم من فقد أسرة كاملة، وهناك من فقد أبنائه، وهناك من وصل عدد ضحاياه إلى 11 ضحية.

جميع الغرقى تم انتشالهم بطرق مختلفة، فهناك من طفت جثته على المياه ليلتقطها الصيادون، وهناك من تمكنت شرطة المسطحات وفرق الإنقاذ النهرى من انتشاله، وتبقى ضحية واحدة فقط إلى الآن لم يتم العثور على جثته القابعة أسفل مياه النيل، وهى مروة منصور، ربة منزل، كانت حبلى فى الشهر الخامس ولم يتم العثور على جثتها إلى الآن.

فى مكان الحادث وفى مرسى المراكب الذى خرج منها المركب المنكوب يجلس الحاج منصور، 55 سنة، ينظر إلى النيل، يتخيل المشهد الأليم، يعاتبه، يدور بينهما حوار إنسانى، لا يفهمه ولا يشعر به إلا من فقد ابن أو ابنة غرقا، الآلام تعصف به، تضربه مثل موج النيل، ليبقى فى عالم آخر، لا يشعر به أحد، يرفض الرحيل إلا بعد استخراج جثة ابنته مروة التى كانت تحمل روحًا أخرى بين ضلوعها.. الأب جالس يضع خديه على كفيه، ينتظر مسؤولا يأتى ليطمئنه ويشعره بأن آلام الناس البسطاء محل اهتمام المسؤولين، فابنته التى تبلغ من العمر 25 عاما، ذهبت إلى قدرها، فارقت الحياة وفارقت والدها ليس بمفردها ولكن مع 9 آخرين من أسرة عم منصور ذلك الرجل الذى يمتلك إرادة وقوة غير طبيعية، يومًا بعد الآخر يضرب كفًا بكف، يتساءل ويتعجب هل نحن المصريين البسطاء لا نستحق الاهتمام أم أن روح المصرى ليست محل اهتمام المسؤولين.

تارة يجلس على ضفاف النيل، يستجمع آلامه، يتذكرها، ويرفض أن يغسلها فى النيل لأنه مصدر تلك الأوجاع، فهو من أخذ منه بنتين هما مروة، 25 سنة، وميادة 14 سنة، و4 أحفاد، هم يوسف أيمن منصور، 7 سنوات، ومريم أيمن منصور، 7 سنوات وهما توأم، ومحمد أيمن منصور 4 سنوات، والـ3 فقدوا والدهم العام الماضى على أثر حادث أليم، كما فقد حفيدته حنين هشام إبراهيم، 3 سنوات، ووالدتها مروة المفقودة، كما فقد هيثم وأحمد جمال ومحمود جمال ونسمة، أبناء أخت زوجة منصور، وشيرين جمال زوجة ابن منصور، والناجية الوحيدة من أسرة عم جمال أصيبت بصدمة عصبية وتم نقلها إلى مستشفى الأمراض العقلية حيث إنها كلما تستيقظ من غيبوبتها تعتقد أنها لا تزال تحت المياه فى النيل.

قال منصور، والد الضحايا السابقين، "ابنتى، لا تزال موجودة تحت المياه، ولن أفارق مكان الحادث إلا بعودة جثمانها، حتى يستريح قلبى، وهى ليست طفلة صغيرة أو بمفردها ولكن فى بطنها جنين تحمله بين أحشائها، ولا يوجد أحد يهتم، فرق الإنقاذ النهرى اشتغلوا بالفعل لكنهم ليسوا على المستوى المطلوب لقلة الإمكانيات، وكل من جاءوا غطاسين ليس معهم إمكانيات رغم أنهم يغطسون بالليل، وأناشد كل المسؤولين الاهتمام بنا".
وأضاف، "الـ10 الذين فقدتهم فى هذا اليوم بعد أن خرجوا للفسحة فى العيد، فى رحلة مركب الناس البسيطة بخمسة جنيهات، لم يلتقوا جميعهم ولكن تجمعوا بناءً على موعد، لكن قضاء الله نفد وليس لنا أى اعتراض لكن نريد جثمان ابنتى لدفنها".
وأضاف، "15 يوما ننام فى الشارع، وهافضل قاعد مش همشى إلا لما يجيبوا ضناى من النيل".

وتساءل: أين محافظ الجيزة وأين اهتمام المسؤولين بالغلابة والسؤال علينا؟ وطالب من المسؤولين بالاهتمام. هذه السطور نضعها أمام محافظ الجيزة للنظر لهؤلاء البسطاء بعين الرحمة.
والد ملاك النيل انتظر 25 يوما
مأساة أخرى بطلها أحمد عثمان، الشهير بالعربى، يقيم بالخيمة المجاورة لمنصور صاحب المأساة السابقة، فقد هو الآخر 6 من عائلته، طفليه وخالتهما وأولاد اخته، ولم ينج من المأساة سوى زوجته وابنة أختها.. ابنه أحمد الذى غرق وتم استخراج جثته 5 سنوات، بينما عثمان عمره 8 سنوات، خرج منذ أيام قليلة، والده كان يجلس طيلة هذه الأيام على أمل أن تطفو جثته فوق المياه، أو ربما تكون عالقة فى شجرة أو "قالب حجر" تحت الماء، يدعو الله ليل نهار كى يرى جثمان ابنه حتى لو كان عظام حتى يواريه الثرى فى قبره، ويعلم له مكان يزوره فيه كلما يشتاق إليه، فلذة كبده، كل ذنبه أنه دفع فاتورة الإهمال وعدم متابعة المسؤولين.

قال الأب المكلوم أحمد عثمان، وقلبه يعتصر ألما، وعيناه يفيض منها الدمع الممزوج بالحزن، وصدره يضيق به من شدة كتمان الألم والأوجاع التى لا تفارقه منذ هذا الحادث الأليم وافتقاد طفليه: "أحمد وعثمان كانا الفرحة التى أستيقظ عليها، الأمل الذى أعيش لأجله، البسمة التى تشرح صدرى، عيناى اللاتى أرى بهما، حياتى وماضى ومستقبلى، وبعد هذا الكلام لا أعرف ماذا أقول.. افتقدتهما، افتقدت الضحكة الجميلة فى حياتى، روحى التى كانت تداعبنى وقت الشدة، الآن لماذا أعيش أو لمن أعمل؟.. كل شىء ذهب.
وأضاف العربى: فسحة العيد بالنسبة لهم موت، ولا يوجد اهتمام من المحافظ ولا الإنقاذ النهرى والصنادل ومشاركة الصيادين هم السبب فى استخراج الجثث، والإنقاذ لم يلعب أى دور حيوى كانوا يأتون ليس معهم إمكانيات وينتظرون خروج الجثة لسطح المياه وبعدها يستخرجوها.

وتساءل قائلا: حينما جاء المحافظ لم يدخل إلى مكان الحادث ولم يلتق بأهالى الضحايا ولم يتحدث إلينا بكلمة واحدة لكنه خرج من سيارته ليجلس على الكافتيريا القريبة من "مرسى المراكب" وبعدها رحل، وهذا يعنى أن هذه الكارثة التى راح ضحيتها 38 شخصا، لا يهمونه ولا يهتم بشأن المواطنين، ولذلك لا يستحق أن يجلس فى منصبه.
التقط منه طرف الحديث تامر، زوج نورا محمد ووالد الطفل على تامر ومحمد تامر اللذان فقدا فى حادث الوراق المنكوب والذين تم استخراجهما، قائلا: أجلس معه لأننى أشعر به كما أن هناك صلة قرابة بيننا، الإهمال كان السبب، أولادى وزوجتى ذهبوا إلى خالقهم ولا اعتراض على قضاء الله ولكن حتى لا يتكرر الخطأ لا بد أن يتم محاسبة المسؤول، فهذه جريمة ضد الإنسانية.
فى النهاية نضع السطور الماضية أمام المسؤولين بمثابة بلاغ لمحاسبة المسؤول، ومناشدة لاستخراج جثة مروة منصور.