اصنعى لنفسك ماركة
ماذا يعنى الانسجام؟

الانسجام هو علاقة إيجابية، أو رابطة تربط شخصين، يمكنك ملاحظة شخصان يجلسان فى مطعم، أو مقهى يتحدثان، لاحظى كيف يجلسان؟ كيف يتحدثان؟ كيف يحركان أيديهما؟ كيف ينظران؟ كيف يبتسمان أو يقطبان وجهيهما؟ دققى النظر والملاحظة فى ذلك كله، سوف تجدين أن الشخصين المنسجمين، انسجاما عاليا، يتشابهان فى سلوكهما، تشابها كبيرا.

فهما يجلسان الجلسة نفسها، ويحركان رأسيهما وأيديهما بطريقة واحدة، وبسرعة واحدة، كما أن نبرة الكلام واحدة، وشدته واحدة، ونوع الكلمات متجانسة، وإذا دققتى أكثر وأكثر، ستجدين أنهما يتنفسان بمعدل واحد، وتبدو أنماطهما ونميطاتهما متطابقة أو متقاربة، هذه الحالة من التوافق بين شخصين، نسميها الألفة أو الوئام Rapport.

فى عمليات البيع والشراء أو التفاوض أو التعليم أو العلاج، تكون هذه الألفة على رأس المهمات، بل أولى المهمات، التى يجب تحقيقها، وإلا فلن يكون هناك بيع ولا شراء، ولن تكون هناك نتيجة من التفاوض، ولن يكون هناك تعليم ولا علاج إذا لم تكن هناك ألفة بين الطرفين، فإنهما سيتحاوران أو يتخاطبان، وكأن كل واحد منهما فى واد غير الوادى، الذى فيه الآخر. ولكن كيف يتم تأسيس الألفة بين شخصين أو زيادتها أو تطويرها نحو الأفضل؟
مستويات الألفة
للألفة 5 مستويات يمكن تحقيقها كلها أو بعضها وهى:
- مستوى التعبيرات: كطريقة الجلوس وحركات اليدين والعينين واللباس وتعبيرات الوجه والجسم والتنفس.

- المستوى السمعى: كارتفاع الصوت وانخفاضه ونغمته ودرجته وسرعته.
- المستوى اللغوى: نوع الكلمات المستخدمة، وفيما إذا كانت صورية أم سمعية أم حسية أى لحن الخطاب.
- مستوى المعتقدات والقيم: المعتقدات والقيم والمعايير والأذواق.
- مستوى البرامج العالية: تفضيل بعض التصورات والمفاهيم كتفضيل الإجمال أو التفصيل أو القرب والبعد كتفضيل البعد عن المشاكل أو الاقتراب من الحلول.
طرق تحقيق الألفة
التوافق مع التنفس، هو أحد الوسائل المهمة لتحقيق الألفة، فإذا استطعتى أن تضبطى معدل تنفسك مع تنفس جليسك، فإنك تكونين قد حققت الألفة، وقد لا يكون هذا مريحا لك، لأن سرعة التنفس تختلف من شخص إلى آخر.
ولكن "تزامن" التنفس، يعنى تأسيس الألفة، ولهذا السبب تجدين نفسك تأخذين أنفاسا عميقة، عند خروجك من اجتماع مثلا، لأن حالة الألفة، التى أسستيها فى الاجتماع، كانت قد غيرت من معدل تنفسك.
الطريقة الثانية لإيجاد الألفة هى توافق الصوت، وطريقة الكلام، من حيث النغمة والسرعة والبطء والدرجة والنبرة أى الضغط على مقاطع الكلمات والارتفاع والانخفاض هل يمكن أن تتفاهمى مع شخص إذا كان صوته مرتفعا وصوتك منخفضا؟! أو العكس؟ أو كان هو سريع الكلام وكنت بطيئة؟.

الطريقة الثالثة هى توافق الحركات، حركة اليدين والرجلين والرأس كيف تحركين رأسك عندما يكون جوابك نعم؟ للأمام والخلف، وكيف تحركين رأسك عندما يكون جوابك لا؟ من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين، حاولى أن تقولى لا وأنت تحركين رأسك للأمام والخلف ماذا يفهم المقابل منك! كذلك حركة اليدين للأعلى والأسفل لليمين والشمال.

الطريقة الرابعة لإيجاد الألفة هى توافق تعبيرات الجسم طريقة الجلوس، وضع اليد على الخد، وضع اليدين على بعضهما كما فى الصلاة، وضع أحد الأصابع على الشفة أو على الجبهة أو الصدغ، لاحظى ماذا يفعل المقابل، وافعلى مثله أى كونى مرآة له فى تنفسه وفى كلامه وفى حركاته وفى تعبيرات جسمه، هذا الأسلوب فى إيجاد الألفة يسمى أسلوب المرآة Mirroring، لأن سلوكك الفسيولوجى يكون مرآة لسلوك جليسك.

هناك أسلوب آخر يمكنك اتباعه، يدعى أسلوب المرآة المتقاطعة Cross-Over-Mirroring وينفع هذا الأسلوب إذا كان معدل تنفسك مثلا يختلف كثيرا عن معدل تنفس الجليس، فيكون صعبا ضبط تنفسك مع تنفسه أو أن الجليس معتاد على حك أنفه بإصبعه بين فترة وأخرى أثناء كلامه، ليس من الضرورى أن تفعلى مثله، ولكن يمكنك القيام بفعل شيء آخر، كأن تضربى بإصبعك ضربات خفيفة على المنضدة أو بقدمك على الأرض كلما حك أنفه، فتصبح ضربات إصبعك أو قدمك كأنها "صدى" لحك أنفه، بهذه الطريقة يمكنك تأسيس الألفة مع أى شخص دون صعوبة.
ويتطلب إيجاد الألفة وتعميقها إلى أمرين اثنين:
الأمر الأول: أن تكونى قوية الملاحظة، مرهفة الحواس، لترصدى خصائص الجليس – تنفسه، طريقة كلامه، حركة رأسه ويديه، وتعبيرات جسمه.
الأمر الثانى: أن تكون لديك الخبرة والمهارة لتكييف تنفسك، وطريقة كلامك، وحركاتك لتكونى مرآة لصاحبك.
ويمكنك تعميق الألفة وزيادتها إذا عرفت النمط الغالب للجليس، والنميطات الحرجة له عن طريق الاستنباط والتدريج، فعندما يكون النمط الغالب لجليسك هو النمط الصورى، يمكنك أن تقولى له مثلا: أترى خلل الرماد، وميض برق ويوشك أن يكون لها ضرام.
إما إذا كان النمط الغالب له هو النمط السمعى فتقولى: لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادى، وستجدين أن استجابته تكون عالية، فتتوثق روابط الألفة بينكما.
البرامج العالية: Meta Programms

إضافة إلى الأنماط الغالبة والنميطات الحركية، ولحن الخطاب، الذى يتميز به إنسان عن آخر، فإن هناك مميزات أخرى تدعى البرامج العالية، تحدد طريقة تفكير الإنسان وسلوكه، وإذا ما عرفنا هذه البرامج أو الاستراتيجيات لشخص ما، فإنه يكون من السهل التعامل معه، والتأثير فيه يوجد عدد كبير يزيد على الـ100 من هذه البرامج العالية، منها:
- اللذة أم الألم.
- الضرورة أم الإمكان.
- فى الزمن أم خلال الزمن.
- الاقتراب أم الابتعاد.
- الإجمال أم التفصيل.
الاقتراب والابتعاد:
البعض يحب الاقتراب من الأشياء، بينما البعض الآخر يحب الابتعاد عنها، فالبعض يحب أن يبتعد عن المشاكل، والبعض الآخر يحب الاقتراب من الحلول، فهما طبيعتان مختلفتان، يقول عمرو بن العاص: إنه "لم يقع فى مشكلة إلا وجد منها مخرجا، فهو يقترب من المخارج"، ويقول معاوية: إنه "لم يضع نفسه فى مشكلة أبدا، فهو يبتعد عنها"، ويكون من المفيد التعرف على "سياسة الاقتراب والابتعاد" للآخرين، لمخاطبتهم بما يناسب سياستهم.
الإجمال والتفصيل:
ننظر فى حياتنا إلى الأشياء من حولنا بإجمال أو تفصيل، فعندما نتكلم عن السيارة، يمكننا أن نجمل، فيكون كلامنا عن وسائل النقل والسفر أو نفصّل، فيكون كلامنا عن أنواع السيارات ومميزاتها، فالإجمال هو الارتفاع إلى مستوى أعم وأشمل، والتفصيل هو النزول إلى مستوى أخص، وتفصيل أدق.
تختلف نظرة الإنسان إلى الأمور من ناحية الإجمال والتفصيل من إنسان إلى آخر، لذلك يجب ألا نفترض بأن المستمع يدرك ما ندركه، عندما تذكر كلمة السيارة، إذ إنه قد يصعد فى تفكيره إلى الأعلى، ليفكر فى وسائل النقل، ويقارن بينها مثلا، بينما ينزل مستمع آخر إلى قطع الغيار لسيارة بعينها.
كذلك ينفعنا مفهوم الإجمال والتفصيل فى ربط الأشياء بعضها ببعض، بطريقة منطقية، والوصول إلى أسلوب أفضل فى التعامل مع الآخرين، فعندما يبدأ شخص بالتحدث إليك عن الصحف، يمكنك أن تصعدى نحو الإجمال، لتعرفى أى موضوع يقصده المتحدث، هل هو السياسة أم الإعلام أم الطباعة والنشر؟ وعندما تعرفين أنه يتحدث عن الطباعة والنشر، تتجهين إلى الأسفل نحو التفصيل، فتتحدثين عن المطابع والورق والتوزيع.
المجاراة والقيادة:
يمكنك القيام بملاحظة الألفة لدى الآخرين، كذلك إجراء بعض التجارب، لترى التأثير الكبير الذى تستطيعين أن تحققيه عن طريق إيجاد الألفة، وتعميقها، فهذه الألفة تعتبر جسرا بينك وبين الآخرين، وتفتح الطريق بينكما للتأثر أو التأثير.
وربما يغير الجليس بعضا من عناصر الألفة الـ4 فتقومى أنت بتغيير مقابل من جانبك، لإدامة حالة الألفة، وما قد فعلت فى هذه الحالة، هو عملية مجاراة Pacing، وفى أثناء مجاراتك يمكنك أن تأخذى المبادرة، فتقومى أنت بتغيير مقصود فى سلوكك، وستجدين أن المقابل يجاريك بدوره أو يتبعك بكلمة أخرى، فإنك تقودين الجليس، وهذه هى عملية القيادة Leading.

وغالبا ما تقترن العمليتان فنقول: إن هناك عملية مجاراة وقيادة Pacing and Leading وبهذه الطريقة يمكنك أن تقنعى الشخص بما تريدين أو أن تحصلى منه على ما تريدين، كأن تتم صفقة بيع أو توقيع اتفاقية أو إقناعه بأفكارك، هل جربت المجاراة والقيادة مع الأطفال الصغار، لإقناعهم بالقيام بأمر أو الانتهاء عنه؟

فى حياتنا اليومية، نمارس المجاراة مع الآخرين، وندعوها فى بعض الأحيان "المجاملة"، وما المجاملة إلا مجاراة للجليس فى معتقداته أو قيمه أو معاييره، لمد الجسور معه، وكثيرا ما نلجأ إلى هذا الأسلوب، إذا كنا مع شخص لم نكن نعرفه من قبل.
الوصف الثلاثى:
تخيلى نفسك وأنتِ تتحدثين مع شخص ثانٍ قد يكون صديقتك أو رئيسك فى العمل أو أى شخص آخر، يمكنك وصف هذا المشهد من خلال 3 مواقع تدركيها بها:

- من وجهة نظرك أنت، أى أنك ترين بعينك ما يجرى، ما هو إحساسك فى هذه الحالة؟
- من وجهة نظر الشخص المقابل، فأنت تتخيلين المشهد من خلال رؤيتك له بعينى جليسك، انظرى إلى نفسك وأنت تتحدثين وتنفعلين، ما هو شعورك تجاه نفسك الآن؟ هل هو الشعور نفسه فى الموقع الأول؟ ربما وجدتى من سلوكك ما لا يعجبك، وإذا كنت فى جدال أو خصومة مع الشخص المقابل، فستجدين أن هناك ما تودين لو أنك لم تقوليه أو لم تفعليه.
- من وجهة نظر شخص ثالث، كمراقب خارجى، ينظر إلى ما يجرى بينك وبين صاحبك وهنا أيضا سيكون إحساسك مختلفا، فأنت هنا كمراقب لما يجرى بين الاثنين.
إن تخيل هذه المواقع الثلاثة يفيدنا كثيرا فى تحقيق التوازن بين وجهة نظرنا، ووجهات نظر الآخرين، ويساعدنا على الوصول إلى موضوعية أكبر، وتقييم أدق لسلوكنا، ونحن نصنع لأنفسنا ماركة!!