البث المباشر الراديو 9090
محمد الظواهرى
يجزم نائب المرشد الأسبق المنشق، الدكتور محمد حبيب، بأنه لم يعد هناك أى خلاف على الأرض بين الإخوان والجماعات الإرهابية المسلحة، وفى مقدمتها "داعش".

ذلك على أساس أن الجميع ممول ومدعوم سياسيًا من قوى إقليمية ودولية لضرب الدولة من جهة، فيما اختلطت الأفكار بين جميع الفصائل وتلطخت بالدم وحديث التكفير واستدعاء نفير الجهاد الأعمى من جهة أخرى..

إصرار إدارة التنظيم الممثلة لجناح فبراير 2014، على انتهاج العمل السرى التصعيدى العنيف ضد الدولة يدعم الفرضية السابقة، فنظرة واحدة على بيانات أى من أذرعها يكشف تلك الحقيقة المؤلمة..

اللجنة الشرعية للإخوان، والتى يتردد أن مفتى الجماعة المحبوس، الدكتور عبد الرحمن البر، هو من وضع لبناتها الأولى، تتبنى خطاب "داعش" ذاته، فتقول نصًا فى شرعنة حمل السلاح ضد السلطة: "الحكم الشرعى فى مسؤولى الدولة الحاليين هو وجوب المقاومة، بكل أشكالها وأنواعها، لأنها فطرة، وحق، وواجب شرعى، وبها تتحقق سنة التدافع التى بدونها تفسد الأرض، وقلنا إن المقاومة بدايتها إحداث للنكايات وإن قلت الإمكانات، ثم بعد ذلك توازن الخوف والرعب، ثم بعد ذلك النزال والحسم، وأصلنا لذلك من الكتاب والسنة والفقه".

عبد الرحمن البر

المفاجأة أن الفكر الداعشى التكفيرى المتعصب المتطرف متأصل فى العقل الإخوانى منذ عقود طويلة، غير أن شعارات التقية وألاعيب السياسة حالت دون الإفصاح عنه، ومن ثم التزام فقه الجهاد المؤجل الذى سكه من قبل سيد قطب..

الباحث الراحل حسام تمام يقول عن التسلف الصارخ المسيطر على فكر الإخوان، والذى لا يؤدى إلا إلى مزيد من الانغلاق والظلامية، إنه مما لاشك فيه فإن عمليات الفرز الداخلى فى الإخوان وظهور المكون السلفى فى الجماعة كان له دور بالغ‮ ‬الأهمية فى الإفصاح عن مكونات وتيارات داخل الجماعة بدأت تفقد قدرتها على التعايش فى الجسم الإخوانى الممتد وإن لم تكن قد وصلت بعد لحالة الصراع (اختلف الوضع الآن بعد 25 يناير و30 يونيو)،‮ ‬وبالتالى تداخل بين التيار القطبى الذى‮ ‬ما زال أسير مقولات العزلة الشعورية وبناء الجيل القرآنى الفريد فى تكوينه وتربيته بإزاء المجتمع الذيى ‬ينظر إليه باعتباره جاهليا أو فيه من الجاهلية،‮ ‬وبين الأفكار التنظيمية التى تولى أهمية بالغة للتماسك التنظيمى وتتحكم فى عمليات الفرز والتصعيد،‮ ‬وكذا بين التوجهات السلفية الصاعدة التى تسير نحو مزيد من المحافظة‮.

حسام تمام

حسب تمام أيضًا فإن الجماعة ستفقد كثيراً‮ ‬من مرونتها ومن قدرتها على ضمان التنوع الداخلى فى البيت الإخوانى باتجاه مزيد من التنميط والمحافظة الذى ستتعاضد فيه المكونات التنظيمية والقطبية والسلفية‮، ما يؤدى فى النهاية للقضاء على مشروعها السياسى وربما الدعوى.

على هذا النحو صار الإخوان الممثلين الأساسيين للسلفية الجهادية فى مصر (زعيمها الأبرز فى أرض الكنانة هو القيادى المسجون محمد الظواهرى، شقيق زعيم القاعدة أيمن الظواهرى)، والتى يشار إليها باعتبارها المعين الرئيسى لأفكار الجماعات الدينية المسلحة، فنظرة واحدة لأدبياتها تكشف أنها أصبحت مرادفًا مرتبطًا بالجماعة التى لا تزال تدعى السلمية على غير الحقيقة.

فوفق الباحث والأكاديمى العروبى المعروف، الدكتور أكرم حجازى، فى كتابه القيم "دراسات فى السلفية الجهادية"، فإن مصطلح السلفية الجهادية برز منذ نهاية الثمانينيات، مع صعود بعض جماعات الإسلام السياسى والتى تتبنى الجهاد منهجاً للتغيير، ويعتبره وجوبياً على كل مسلم، سواء ضد العدو المحتل، أو وضد النظم الحاكمة المبدلة للشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية أو تلك التى تبالغ فى القمع والبغى.

وبالتالى وبعكس التيارات السلفية التى تحرم الخروج على الحاكم، أو إلقاء الناس بأنفسهم فى التهلكة، فإن السلفية الجهادية، تنتهج التحرك الثورى المسلح من أجل التغيير (الشعار ذاته يرفعه إخوان اليوم)، بينما اعتزلت انتهاج مسارات التعليم والتربية والسياسة والديمقراطية الحديثة، باعتبار أن السلطات الحاكمة، كافرة، وعميلة للخارج، ولن ينفع معها إصلاح..

السلفية الجهادية ترفض كذلك، كل المفاهيم الفكرية والثقافية والسياسية قاطبة، وتسعى لإحلال المفاهيم الشرعية محلها. هى ترفض تنزيل الأحكام على الواقع، وتتعامل معها مجردة دونما قياس على الزمن أو الظرف الآنى. كما أنها توسع مفهومها عن الطاغوت، ليشمل إلى جانب غير الموحدين والمشركين والمبتدعين، الأنظمة الوضعية، التى تعمل لصالح النظام العالمى من وجهة نظرها، الأمر الذى أكسب السلفيين الجهاديين انتشاراً وشيوعاً بين جمهور العالم الإسلامى. خاصة أنهم تيار لا يعتبر الأرض والحدود مقدساً، بل هى كلها لله، وبالتالى فللمسلم على المسلم (ولو كان أعجميا) حق النصرة والمؤازرة والجهاد والشهادة من أجله، وكذا التضحية بالنفس والمال أينما كان موقعه، وعليه كان الشيخ الأردنى، عبد الله عزام أحد أمراء الجهاد فى افغانستان، وكان من يعرف بالشيخ خطاب، نظيره فى الشيشان.

عبد الله عزام

(ما سبق كان بحذافيره هو النهج الإخوانى المستخدم لتحريض القوى الإسلامية حول العالم ضد النظام المصرى، ومن ثم حول التنظيم المعركة إلى صراع شرعى لا خلاف سياسى).

وبطبيعة الحال فالدولة فى نظر السلفية الجهادية، لا يشترط لها الأرض أو الشعب، بل شرطها دستور الحكم فقط، الذى هو المرجعية الشرعية والحاكمية الإلهية لا غيرها، معتبرة أن الحركات الإسلامية المناظرة، وقعت فى فخ الإسلام المحكوم بالنظام العالمى العلمانى وباتفاقية "سايكس- بيكو"، التى تجاوزت فى نظر قادة السلفية الجهادية، كونها اتفاقية سياسية قسمت بلاد المسلمين، لتصبح حالة ثقافية عامة مؤثرة.

خطاب خطاب

وبناءً عليه ترفض السلفية الجهادية مفهوم "الإسلام الوطنى" الخاص بكل دولة وشعب، بحسب الحدود والجغرافيا، وترفض أيضاً تحول الجهاد لفعل "مقاومة"، بمعنى آخر هى لا تعترف بشرعية الدولة، ولا حدودها، ولا قدسية ترابها، كما أنها لا تمنح من يقتل فى سبيل نصرة وطنه، لقب شهيد، فلا شهيد إلا من انتصر للدين والحاكمية على طواغيت الوضعية والعلمانية.

على هذا النحو، هل يبدو الإخوان اليوم منفصلين عما سبق؟.. الإجابة.. لا كبيرة.. على ما يبدو أن الظواهرى وأفكاره صاروا يحكمون الجماعة من السجن.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً