البث المباشر الراديو 9090
لوحة أولمبيا للفنان أدوارد مانييه أثارت جدلا فى باريس عام 1865
فى مقال له فى الـ"بى بى سى" كتب جيسون فاراجو مقالا عن الدعارة كجزء أساسى من الحياة اليومية فى باريس فى أواخر القرن الـ19 معتبرا أن ذلك هو المفتاح لفهم الفن لما بعد ذلك الوقت.

فالصورة النمطية المتعارف عليها للرسم فى فرنسا فى فترة القرن التاسع عشر وما حولها، لم تكن تخرج عن صور لمجموعة من أزهار عباد الشمس وأكوام التبن والرضع وراقصات الباليه، والتى تبدو جيدة على البطاقات البريدية أو جدار غرفة، لكن حقيقة اللوحة الفرنسية الحديثة فى أواخر القرن الـ19 كانت غير ذلك، فباريس كانت مدينة تتعرض لتحول اجتماعى هائل، وأخذ الفن فى تصوير واقع ذلك العصر أكثر بكثير من صور الطبيعة. إنه يصّور عالما حضريا جديدا بكل تعقيداته.

فى شهر سبتمبر الحالى افتتح متحف دورسيه فى باريس معرضًا عنوانه "الروعة والبؤس: صور الدعارة، 1850-1910" وهو أول معرض كبير للنظر فى الموضوع الرئيسى للوحة الفرنسية الحديثة، والتى كشفت عن "العاهرات" كموضوع رئيسى للفنانين فى باريس، ففى تلك الفترة كانت هناك لوحتان ثوريتان مخبأتان صورتا العاملات فى مجال الجنس، الأولى: "آنسات أفينيون الملتوية" لبيكاسو، والثانية: "كليلة أولمبيا" لمانيه، وهى اللوحات التى أسست للحداثة، فبينما استلهم الرسامون من حياة فتيات الليل، لدرجة أنهم فى بعض الأحيان تصوروا أن المسافة بين منزل فتاة الليل وبيت الدعارة ليست كبيرة، أدلى شارل بودلير، فى أوائل المجلات الحميمة، بمعادلة صريحة: "ما هو الفن؟ الدعارة "!

وكر الرذيلة

نحن الآن نعتقد بأن البغايا من أكثر الفئات المحرومة من النظام الاجتماعى، نتحدث عنهم باشمئزاز، ولكن فى باريس فى أواخر القرن الـ19، كانت الدعارة جزءا أساسيا من الحياة اليومية، وحظيت العاهرات بمعاملة خاصة، وخضعت بيوت المتعة للتنظيم بشكل صارم فى عهد نابليون الثالث وحتى دخول القرن الـ20.

وكان على فتيات الليل تسجيل أنفسهن لدى مراكز الشرطة ودفع الضرائب للعمل بشكل مشروع، وقد حظرت بيوت الدعارة فى فرنسا فقط فى عام 1946، لكن لا يزال بيع الجنس قانونيًا حتى اليوم، على الرغم من أن فرنسا متورطة فى مناقشات غاضبة وتواجه دعوات بتجريم شراء الجنس على غرار القانون فى السويد.

ذكرت الصحف والتقارير القديمة أن مفتشى الشرطة كانوا يخضعون العاهرات فى القرن التاسع عشر لعمليات تفتيش إلزامية وفحوص طبية كل شهر، ويتم احتجاز المخالفات اللواتى كن يفضلن الانتحار عن القبض عليهن وإذلالهن، وهو الموضوع الذى صوره هنرى دى تولوز لوتريك فى لوحاته فى شارع قصر مولان، وتأتى أصعب لوحاته والأكثر إنسانية تلك التى تصور عاهرتين ترتديان قمصانا علوية وجوارب دون تنانير ولا ملابس داخلية، وتبدو عليهن آثار الامتهان والتعب، وتبدوان ضحيتين لبيروقراطية العملاء.

المحظيات

فتيات للمتعة ولكن فى درجات أعلى من السلم الاجتماعى، بعن الجنس أيضا، ولكن بشكل مختلف، لهن بريق خاص فى المحادثة والثقافة والهيبة العامة، يرافقن المشاهير، مثل "لا بافيا" من الإمبراطورية الفرنسية الثانية والتى ولدت فى موسكو (1852-1870)، واعتادت ارتياد شارع الشانزلزيه لالتقاط زبائنها من النبلاء والصفوة، ويتم استضافتها فى قصور منيفة، (عندما توفيت فى عام 1884 حفظ زوجها الأخير جثمانها فى الفورمالين ووضعه فى علية المنزل).

استقبلت المحظيات أيضا الكتّاب والفنانين من جميع الطبقات، مثل أبولونى ساباتتيه - المعروفة لمعجبيها بـ"La Présidente" أو "الرئيسة" والتى حولت منزلها إلى صالون برجوازى، ارتاده ديلاكروا، وجوستاف فلوبير، وشارل بودلير، حيث كانت ساباتيه بمثابة "مُلهمة للتأجير" وبدت ساباتيه فى نموذج رخام مثير للجدل صنعه النحات الأكاديمى أوجست كليسينجر حيث يصورها عارية بينما يعضها الثعبان.

أدت المحظيات خدماتهن للفنانين كعارضات أو "موديل" فى وقت مبكر من عصر النهضة، فإلهة الحب فينوس التى رسمها تتيان فى القرن الخامس عشر هى فى الواقع محظية تدعى أنجيلا ديل مورو، وواحدة من المحظيات الأعلى أجرا فى البندقية فى ستينات القرن السادس عشر.

إدوار مانييه لم تكن تعنيه الانتقادات وقرر أن يرسم مشهدا مألوفا للجميع فى ذلك الوقت فى باريس، وفى اقتباس مباشر من فينوس، يبين لنا مانييه امرأة عارية فى السرير، والنعال تتدلى من قدمها، ووشاح يلتف حول عنقها، وتضع زهرة فى شعرها. ووجهها يعكس حالة من التبلد الشديد، فهو يصور واقع المجتمع لأننا لم نعد فى عالم الآلهة وحوريات المياه.

موديل مانيه التى رسم من خلالها "أولمبيا" أثارت جدلا فى صالون باريس عام 1865 كانت بمثابة الحدث الفنى الأكثر أهمية فى العالم والذى لم يسبق له مثيل. وكتبت الصحف عنه. وكان مانيه تجريديا بعيدا عن الأسطورية التى جعلت صور البغايا مقبولة فى عالم الفنون الجميلة. وواجه نقّاده وهو يقول لهم إنه اعتمد تصويرا جديدا محاولا محاكاة الفضاء الحقيقى.

وتمثل جدل "أولمبيا" مانيه على مستويين: أحدهم رسمى والآخر اجتماعى، فهو يطرح "أولومبيا" كما لو كانت آلهة الحب، لكنها فى الواقع لم تكن سوى عاهرة، وتبدو اللوحة ثلاثية الأبعاد، لكنها فى الحقيقة طلاء ثنائى الأبعاد فقط، عبقرية مانييه الساحقة أنه ربط بين الخدعتين. حيث جعل التسطيح والتجسيم محتملا، وعبر عن انهيار الأعراف والقواعد الاجتماعية التى قلبت باريس الجديدة، والتى رمز لها بالتحول فى حظوظ المومسات.

صورة كاذبة

كتب بودلير عن مانييه، وقال إن الفن فى حد ذاته هو نوع من الدعارة وباريس نفسها كانت بيت دعارة عملاق، مانيه أغوى عين الناظر بواسطة إخفاء الحقيقة من خلال جعل الكلمات على الصفحة أو الطلاء على قماش يبدو وكأن ما يصوره حياة حقيقية، ولم يكن يعنى سوى الحياة البرجوازية فقط لا غير، فبينما ترتدى المحظيات المجوهرات، فإن معظم المومسات شخصيات يائسة فروا من المقاطعات الفرنسية، لا يتمتعن بالأمن ولا المال، وفى كثير من الأحيان هن ضحايا للعنف، لقد كان الفن ضربا من الخيال لم يكن حقيقيا تمامًا.

فى فترة متقدمة من القرن العشرين نظر الفنانون للدعارة بعين غير خيالية، خصوصًا المخرجة البلجيكية الرائدة، جين دايلمان، وهى واحدة من معالم السينما النسوية، وتصور الدعارة كضرورة اقتصادية، وكجزء من نظام أكبر لا تكون فيه المرأة مستقلة تمامًا، وهى الفكرة التى لم يكن سيتقبلها الفنانون الذكور الأكثر تطرفا فى القرن الـ19.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً