المشير الجمسى
عندما اقترب وقت تحرير سيناء 1973 كان المشير محمد عبدالغنى الجمسى وقتها يرأس هيئة عمليات القوات المسلحة، وإلى جانب تخطيط تفاصيل العمليات للحرب، قامت هيئة عمليات القوات المسلحة برئاسته بإعداد دراسة عن أنسب التوقيتات للقيام بالعملية الهجومية، حتى توضع أمام الرئيس أنور السادات والرئيس حافظ الأسد لاختيار التوقيت المناسب للطرفين.
واعتمدت على دراسة الموقف العسكرى للعدو وللقوات المصرية والسورية، وسميت تلك الدراسة بـ"كشكول الجمسى"، وتم اختيار يوم 6 أكتوبر بناء على تلك الدراسة.
والجمسى هو أحد القيادات التى يعترف بقدراتها الفذة الأعداء قبل الأصدقاء، ففى إسرائيل وصفوه بالجنرال النحيف المخيف، وبعض المحللين قالوا إنه إذا كان روميل ثعلب الصحراء فإن الجمسى هو الأمكر والأدهى.
ليس أدل على دهاء الجمسى أكثر من احتفاظه بالخطة العسكرية لحرب أكتوبر فى كراسة عادية من كراريس المدارس مكتوبة بالقلم الرصاص حتى لا يلفت الأنظار.
كان مطلوبا من هذا الضابط العبقرى أن يحدد أفضل توقيت للحرب وأنسب الأيام وحدد الرجل شهر أكتوبر بالذات لأن إسرائيل كانت فيه أقل استعدادا للحرب حيث يشهد ثلاثة أعياد هى يوم كيبور وعيد المظلات وعيد التوراة أما اختيار يوم 6 أكتوبر فلأنه اليوم الوحيد الذى تتوقف فيه الإذاعة والتليفزيون كجزء من تقاليد يوم كيبور أو عيد الغفران وبالتالى فإن على الإسرائيليين، فى حال نشوب الحرب فى هذا اليوم، أن يستخدموا وسائل أخرى غير الإذاعة لاستدعاء الاحتياطى، الأمر الذى يتطلب وقتا أطول يتيح للقوات المصرية تحقيق المفاجأة واقتحام قناة السويس.
عاش رئيس هيئة العمليات ساعات عصيبة حتى تحقق الانتصار، لكن أصعبها تلك التى تلت ما عُرف بثغرة الدفرسوار التى نجحت القوات الصهيونية فى اقتحامها، وأدت إلى خلاف بين الرئيس أنور السادات ورئيس أركانه وقتها الفريق سعد الدين الشاذلى الذى تمت إقالته إثرها، ليتولى الجمسى رئاسة الأركان، فأعد على الفور خطة لمحاصرة وتدمير الثغرة وأسماها "شـامل" إلا أنها لم تنفذ نتيجة صدور وقف إطلاق النار.
اختاره الرئيس أنور السادات قائدًا للمفاوضات مع الإسرائيليين بعد الحرب، ورُقى وقتها إلى رتبة الفريق أول مع توليه منصب وزير الحربية عام 1974 وقائد عام للجبهات العربية الثلاث عام 1975.
وكان من أشرس القادة الذين جلسوا مع الإسرائيليين على مائدة المفاوضات، ولا يمكن أن ننسى بحال خروجه على الجنرال "ياريف" رئيس الوفد الإسرائيلى دون إلقاء التحية أو المصافحة.
وفى تصريحات له عن الثغرة.. لماذا حدثت وكيف حدثت؟، قال الجسمى: "لقد كان واجبا علينا أن نعالج موضوع الثغرة شرحا وتوضيحا لها بطريقة موضوعية عن طريق وسائل الإعلام المصرية أثناء القتال وبعد الحرب مباشرة ولكننا لم نفعل الأمر الذى أدى إلى اهتمام المواطنين بهذه المعركة وكأن الأمر شيئا غير مطلوب الافصاح عنه".
وأضاف: "وبدلا من ذلك أدلى الرئيس السادات بتصريحات عن الثغرة أعطت الانطباع بأن الفريق سعد الدين الشاذلى لم يبذل الجهد الكافى أثناء وجوده فى جبهة القناة خلال فترة الثغرة، فازداد الرأى العام اهتماما بالموضوع، وقد شجع إسرائيل على القيام بتلك المغامرة، المعونات العسكرية التى قدمتها لها أمريكا منذ يوم السادس من أكتوبر بناء على تقييم للموقف العسكرى بواسطة خبراء البنتاجون، وزارة الدفاع الأمريكية، فى نفس اليوم ومساهمة فى التخطيط العسكرى يوم الثامن من أكتوبر، وجسر جوى أمريكى بطائرات نقل عسكرية ينقل لإسرائيل احتياجاتها من الدبابات والطائرات وكافة الأسلحة منذ يوم 14 أكتوبر وحتى نهاية الحرب".

وتابع: "لكل ذلك كان لابد لاسرائيل أن تثبت لأمريكا قدرتها على العمل العسكرى بعد كل هذه المساعدات حتى لا تفقد دورها فى خدمة السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط، وفى البداية فشلت محاولات شارون لإنشاء معبر حتى مساء يوم 15ــ16 أكتوبر نتيجة المقاومة الشديدة من الفرقة 16 مشاة، ثم اشتد القتال صباح يوم 16 واشتعل فى ميدان المعركة الرئيس شرق الدفرسوار فى سيناء وفى معركة المزرعة الصينية شمال شرق الدفرسوار حتى أقيم المعبر يوم 17 بعد إقحام القيادة الاسرائيلية فرقة مدرعة جديدة بقيادة الجنرال آدان لفتح ممر شمال البحيرات المرة خلف قوات فرقة شارون حتى يمكن توصيل معدات المعبر إلى الضفة الشرقية للقناة بعد أن فشل شارون فى تنفيذ هذه المهمة.
واستكمل: "وبعد أن تمكن العدو من إنشاء كوبرى فى منطقة الدفرسوار ازداد تدفق قواته المدرعة غربا وأصبحت له المبادأة فى القتال واتجهت قوات شارون شمالا فى اتجاه الإسماعيلية فى محاولة لدخول المدينة حتى يكون لذلك تأثيره السياسى الكبير وفى نفس الوقت تهديد مؤخرة قوات الجيش الثانى الذى كان يتولى قيادته فى ذلك الوقت اللواء عبدالمنعم خليل".
واستطرد: "وقد واجهت قوات الجيش هذا الهجوم وأمكنها إيقاف تقدم شارون وحرمته من تحقيق هدفه السياسى العسكرى، ولكن خلال يومى 19،20 أكتوبر تقدمت قوات العدو المدرعة غربا وجنوبا فى اتجاه فايد فى ظل تفوق جوى إسرائيلى، ونظرا لهذا التفوق البرى والجوى الذى أصبح للعدو فى غرب القناة كما أن المبادأة أصبحت من جانبه، كان من الضرورى وضع الفرقة الرابعة المدرعة تحت القيادة المباشرة للقيادة العامة حتى يمكن استخدامها، باعتبارها القوة الرئيسية، أما فى قطاع الجيش الثانى أو الثالث حسب تطور الموقف".
وفى حديثه عن السادات والخلاف مع الشاذلى وعلى ضوء هذه التطورات حضر السادات إلى مركز العمليات، وبعد أن استمع إلى تقرير عن الموقف من الفريق أول إسماعيل تقرر إيفاد الفريق الشاذلى إلى قيادة الجيش الثانى للعمل على منع تدهور الموقف وذلك باتخاذ الإجراءات للقضاء على قوة العدو غرب القناة ومحاولة غلق الثغرة فى شرق القناة وهى كلها فى قطاع الجيش الثانى.
وحول الخلاف الذى نشب بين الفريق الشاذلى وبين السادات حول كيفية القضاء على الثغرة؟ قال: "كان الفريق الشاذلى فى قيادة الجيش الثانى بعد ظهر يوم 18 أكتوبر وكنت على اتصال مستمر معه لتبادل المعلومات والآراء، وبعد أن ألم بالموقف تماما كان رأيه هو ضرورة سحب أربعة لواءات مدرعة من الشرق إلى الغرب خلال الـ 24 ساعة التالية للدخول فى معركة ضد قوات العدو وأن ذلك من وجهة نظره لا يؤثر على كفاءة دفاعاتنا فى الشرق، كما كان يرى أن الموقف خطير ويجب طلب حضور رئيس الجمهورية لشرح الموقف أمامه".
وأضاف: "اتصل وزير الحربية أحمد إسماعيل بالسادات فجاء إلى مركز العمليات الساعة العاشرة والنصف مساء يوم 20 أكتوبر، كان الفريق الشاذلى واللواء حسنى مبارك، حينها، واللواء على فهمى وأنا واللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية واللواء سعيد الماحى مدير المدفعية مجتمعين فى غرفة المؤتمرات داخل مركز العمليات".
وتابع: "اجتمع السادات مع الفريق أول أحمد إسماعيل على انفراد لمدة ساعة قبل بدء الاجتماع الموسع، ثم دخل ومعه الوزير أحمد إسماعيل والمهندس عبدالفتاح عبدالله وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية غرفة المؤتمرات، وطلب الرئيس رأى المجتمعين واحدا بعد الآخر، وبعد أن استمع الرئيس لرأى باقى القادة لاحظت أن الفريق الشاذلى لم يتكلم وقرر الرئيس عدم سحب أى قوات من الشرق مع احتواء قوات العدو فى الغرب".
وأوضح أن الشاذلى فسر الموقف الذى اتخذه بعدم إبداء رأيه فى المؤتمر، كما جاء فى مذكراته بقوله: "طلب الرئيس الكلمة من المجتمعين واحدا بعد الآخر وقد قام كل منهم بشرح موقف القوات بأمانة تامة، وبعد أن استمع إليهم جميعا لم يطلب منى الكلمة وعلق قائلا: لن نقوم بسحب أى جندى من الشرق، لم أتكلم ولم أعلق.. غمزنى المهندس عبدالفتاح عبدالله وهمس فى أذنى قل شيئا ولكنى تجاهلت نصيحته، ماذا أتكلم وقد اتخذ الرئيس القرار ولا يريد أن يسمعنى، إننى أريد أن أسحب أربعة ألوية مدرعة من الشرق، وهو يعارض سحب جندى واحد، إنه لم يتخذ هذا القرار عن جهل بل عن معرفة تامة بالموقف، وهذا هو قراره، وما زلت أقول إن القرار من وجهة نظرى، كان صحيحا وسليما.
وحول وصف السادات الفريق سعد الشاذلى عند عودته من الجبهة يوم 20 أكتوبر، بعد الثغرة، بأنه كان منهارا فى كتابه البحث عن الذات.. قال الجمسى إن هذا الكلام ليس صحيحا، فلقد عاصرت الفريق الشاذلى خلال الحرب، وقام بزيارة الجبهة أكثر من مرة.. وكان بين القوات فى سيناء وأقرر أنه عندما عاد من الجبهة يوم 20 أكتوبر لم يكن منهارا كما وصفه الرئيس السادات فى مذكراته.. ولا أقول ذلك دفاعا عن الفريق الشاذلى، ولا مضادا للرئيس السادات ولكنها الحقيقة أقولها للتاريخ. فلقد كان هناك خلاف فى فكر رئيس الأركان وفكر القائد العام على الطريقة التى نواجه بها موقفا عسكريا أمامنا وهذا واجب وحق لكل مسؤول فى جهاز القيادة أن يبدى رأيه واقتراحه فى الموقف.. ولكن القرار فى النهاية الذى يتحتم على الجميع الالتزام به هو قرار القائد العام المسؤول عن إدارة العمليات".

وحول ما قاله محمد حسنين هيكل، عن أنه بكى عند توقيع اتفاقية فض الاشتباك بسبب تخفيض عدد قواتنا فى سيناء، قال: "لم أبك ولكن اغرورقت عيناى بالدموع.. فأثناء مفاوضات فض الاشتباك بين مصر وإسرائيل كان هنرى كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة حينها يعمل بسياسة المكوك وأثناء المفاوضات المصريةــ الأمريكية فى أسوان وكان الوفد المصرى برئاسة المرحوم إسماعيل فهمى وزير الخارجية الأسبق، ودار الحديث بينى وبين كيسنجر عن تخفيض القوات المصرية فى الضفة الشرقية للقناة بعد إيقاف إطلاق النار فرفضت رأى كيسنجر، ولم أوافق على تخفيض عدد قواتنا، ففاجأنى بأنه اتفق مسبقا قبل المؤتمر مع الرئيس السادات على هذا التخفيض فشعرت بالضيق الشديد وأصررت على رفضى.. وبعد انتهاء المؤتمر توجهت إلى السادات لسؤاله عن حقيقة الاتفاق الذى أبرمه مع كيسنجر عن تخفيض القوات المصرية، ففاجأنى بأنه وافق على هذا التخفيض، فأبديت له وجهة نظرى من الناحية العسكرية أن هذا يهدد موقف قواتنا فى الضفة الشرقية إذا ما استؤنف القتال مرة أخرى وطلبت منه استدعاء الفريق أول أحمد إسماعيل وزير الحربية حينها والقائد العام للقوات المسلحة، وكنت أنا رئيس الأركان، للحضور وأخذ رأيه فى هذا الموضوع فرفض السادات وصمم على تنفيذ رأيه مع كيسنجر وهذا ما تم.
"وكنت قد تركت المؤتمر دون استئذان وتوجهت ناحية الحمام فى حالة ضيق شديد عبر عنها الكاتب الكبير حسنين هيكل بأننى بكيت ولكن الحقيقة اننى لم أبك ولكنى كنت حزينا جدا من هذا القرار".
ونجحت القوات المصرية فى منع القوات الإسرائيلية بقيادة إرييل شارون، من دخول الإسماعيلية وحصار الجيش الثانى الميدانى وتطويق قواته.