بشار
لم يكن بشار الأسد، منذ صغره، يُعد ليكون رئيسا، فقد نشأ وترعرع بصفته الابن الثانى للرئيس السورى الراحل حافظ الأسد، فى الظل، وبعيدا عن الأضواء، غير أن الصدف قلبت الموازين. فقد انشغل والد بشار بعيدًا عنه، إذ درس الأخير الطب فى بريطانيا، وحصل على شهادة فى طب العيون، ثم عاد ليرأس الجمعية السورية للمعلوماتية.
لكن بعد وفاة شقيقه الأكبر باسل عام 1994، فى حادث سيارة، وكان تم إعداده لخلافة والده فى الرئاسة، تحولت أنظار بشار إلى العلوم العسكرية، ذلك أن موت شقيقه الأكبر، يعنى أنه أصبح الوريث القادم للسلطة.

فى هذا الشأن، كشف مسؤول سابق فى المخابرات السورية، كواليس تولى بشار الحكم، حيث قال إنه بعد وفاة باسل، تم استدعاء بشار من بريطانيا، وبدأت فترة إعداده ليخلف والده فى الحكم، وأضاف المسؤول السابق: "كنا فى المخابرات، وكان باسل دائم الزيارات لنا، ويتفقد أحوال الضباط فى الأفرع، وكنا كضباط مخابرات موافقين على توليه الحكم بعد والده بسبب تميزه ونزعة القيادة التى يمتلكها، وكان الرئيس السابق يعتمد عليه فى الداخل السورى، أما الرئيس حافظ الأسد فكان متوليا الشأن الخارجى".
وتابع المسؤول: "عند وفاة باسل تم إعداد بشار على الرغم من ترشيح شقيقه ماهر فى بادئ الأمر ليخلف والده، لكن العائلة لم توافق على ماهر، وعلى النقيض كان بشار مدعوما من العائلة، وتم تلميعه فى وسائل الإعلام، مثل نوعية الأخبار التى تفيد بكشف فساد فى وزارة ما، وتم التصرف من قبل بشار الأسد، وكانت مرحلة التوريث بدأت بالفعل بين عامى 1996 و1997".
وعندما توفى حافظ، هرع البرلمان السورى للتصويت على تعديل دستور البلاد للسماح لبشار بأن يصبح رئيسا، وبالفعل وفى جلسة واحدة، بل خلال 3 دقائق فقط، تم تعديل الدستور، وخُفضت سن الأهلية للرئيس من 40 إلى 34 عاما، عمر بشار آنذاك.

وخلال الجلسة تحدث نحو 180 عضواً من أعضاء المجلس وبايعوا الرئيس المرشح، إلا أن منذر موصللى، عضو المجلس، انفرد بالاعتراض على التعديل الدستورى الذى تم بموجبه تخفيض عمر الرئيس، معتبرا أن هذا التعديل يتضمن مخالفة دستورية بسبب عدم تضمنه تبريرًا لهذا التعديل، ومضيفاً أن على مجلس الشعب أن يبدأ مع العهد الجديد بداية صادقة.
وتسبب اعتراض النائب موصللى فى توتر الجلسة، ما دفع برئيس المجلس عبد القادر قدورة إلى الاعتراض على موصللى، معتبراً أن هذا أمر شكلى، وأنه مجرد سهو فى الصياغة، مهددا باتخاذ إجراء بحق موصللى فيما لو تابع النقاش فى هذا الموضوع. وموصللى لمن لا يعرفه، هو عضو فى اتحاد كتاب سوريا كما أنه معروف بالبحوث المتصلة بالقضايا الكردية.
بالفعل، وفى غضون أسابيع، أصبح بشار أيضا عضوا فى القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم، وكان هذا شرطا آخر لتولى الرئاسة فى سوريا، ثم تم انتخابه أميناً عاماً للحزب. وبعد عشرة أيام أخرى، وافق البرلمان بالإجماع على ترشيحه رئيساً للبلاد.
فى 10 يوليو عام 2000، فاز بشار بنسبة 97.3% من الأصوات فى استفتاء وطنى على ترشيحه (مقارنة مع 98.9% فاز بها والده فى استفتاء فبراير عام 1999)، وأصبح رئيساً فى 17 يوليو عام 2000.
قبل تولى بشار الرئاسة، كان عبدالحليم خدام، نائب الأسد الأب يتولى شؤون الرئاسة وفقا للدستور، لكنه بعد هذه الأيام أخذ قرارا بالرحيل عن سوريا، وسافر إلى باريس، وتحديدا بالقرب من قوس النصر. كان خدام أكثر العارفين بخبايا الملف السورى، فهو الذى لازم الرئيسين حافظ وبشار الأسد كنائب لهما ووزير لخارجيتهما، بل كان مكلفا باثنين من أكثر ملفات الشرق الأوسط خطورة وغموضا هما "الملف اللبنانى والملف العراقى".
اعترف عبد الحليم خدام، فى أحد اللقاءات الصحفية، بأسرار علاقته بنظام الأب والابن، وحكى تحديدا عن هوس حافظ الأسد بتوريث الحكم لأفراد عائلته، وكيف سعى بشار الأسد إلى مجالسته، حيث بدأ ينتقد نظام والده.
وعن حدود مسؤوليته عن سيناريو تولى بشار الحكم قال خدام: "لم أكن مسؤولا بالمرة، فقد كنت فى مدينتى بانياس، خارج دمشق، وحين عدت فوجئت بخبر وفاة حافظ الأسد، ذهبت إلى بيت الرئيس فوجدت القيادة القطرية للحزب مجتمعة هناك، وكانوا قد اتخذوا قرارا بتعديل الدستور وترشيح بشار للرئاسة"، وعن رد فعله قال: "رغم أنى كنت عضوا فى القيادة فإنه لم يكن لى أن أعترض، لأن ذلك كان قرارا صادرا عن أغلب أعضاء القيادة بالإجماع، وعن اقتناع، وليس عن ضغط، فكانت تغلب على أغلبهم العاطفة، بحكم أننا من دول العالم الثالث".

خدام كان رئيسا للبلاد لنحو 3 أسابيع فقط، يقول: "كان يؤدى واجبه بمقتضى الدستور، لكنه لم يكن يمارس أى صلاحيات". تولى بشار الرئاسة سريعا، واعدا شعبه بحفنة من الإصلاحات، وبحياة ديمقراطية تحكى وتتحاكى عنها الأيام المقبلة، وبحرية غير مسبوقة، لكن ما حدث فى سوريا منذ عام 2000 يحتاج إلى تفصيل أكثر.