الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز
وقد كان لتلك المواجهة التى تعاملت معها السعودية "قائدة الخليج"، لتتغير على أساسها قواعد اللعبة الاقتصادية من جديد، لتكون مواكبة لما يحدث فى العالم من تغيرات، بل جعلتها تعتمد، وهى تعلن عن رؤيتها بالأمس على سعر منخفض للغاية للنفط.

وكشف ولى ولى العهد الأمير محمد بن سلمان، أن الإصلاحات الاقتصادية السعودية والتى أعطى لها اسم "رؤية 2030"، وُضعت على اعتبار بلوغ سعر النفط 30 دولارًا للبرميل، وأنها تستطيع التعامل مع أى سعر للنفط، سواء وصل إلى 30 أو 28 أو حتى 70 دولارًا، مشددًا على أن المملكة لا تتوقع هبوط أسعار النفط عن 30 دولارًا للبرميل من جديد، بفضل تحسن الطلب العالمى على الخام.
وأضاف ولى ولى العهد السعودى فى مؤتمر صحفى، أمس، أن محاور الرؤية هى العمق العربي والإسلامي، القوة الاستثمارية، الموقع الجغرافى الاستراتيجى، وأضاف "السعودية تملك قدرات استثمارية ضخمة، سنسعى إلى أن تكون محركًا لاقتصادنا ومورداً إضافيًا لبلادنا، وهذا هو عامل نجاحنا، وأن للمملكة موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وهى أهم بوابة للعالم ومركز ربط للقارات الثلاث، وتحيط بها أكثر المعابر المائية أهمية، وهذا هو عامل نجاح آخر"، منوهاً بهذه العوامل الثلاثة إنها "هى محاور رؤيتنا التى نستشرف آفاقها، ونرسم ملامحها معاً".

المحاور الثلاثة التى ذكرها بن سلمان، تؤكد بما لا يدع أى مجال للشك الفهم المختلف لدولة آل سعود الحالية، فى التعاطى مع الأزمات الاقتصادية الكبرى، والتى تسببت فيها السياسات الأمريكية وبعض المضاربين فى العالم، الذين يخدمون فى الوقت نفسه مصالحهم السياسية، ويضعون حكوماتهم فوق كل شىء، ولو على حساب مواطنى العالم الثالث.
وبغض النظر عن زيارة أوباما إلى السعودية، التى جاءت قبل ساعات من إعلان الرؤية، ومدى دلالة ذلك فى التغير الطارئ والمتوقع على الخريطة الاقتصادية العالمية، توقع محللون اقتصاديون أن تتضمن رؤية المملكة 2030، تغييرات كبيرة وتنوعا فى تكوين الاقتصاد السعودى، بحيث يتجاوز الاعتماد على النفط كمصدر أساسى للدخل.

أهم تلك التوقعات والتحليلات إطلاقا ما جاء فى تقرير لـ"بى بى سى"، حيث أكدت أنه من المقرر فى إطار تلك الرؤية، أن تبيع الدولة حصتها، التى تقل عن 5%، فى شركة آرامكو للنفط، التى تقدر قيمتها بنحو 2.5 تريليون دولار. وأن جزءا من أموال بيع الحصة سوف يُستخدم فى إنشاء صندوق مالى سيادى قيمته 2 تريليون دولار.
المراسل الاقتصادى لـ"بى بى سى"، أندرو ووكر، كتب فقال إن "النفط جعل السعودية واحدة من القوى الاقتصادية الكبرى فى العالم، لكن هذا لم يكن بلا مقابل. فالمشكلة على المدى القصير تتمثل فى تقلب الأسعار، التى وصلت الآن إلى نصف ما كانت عليه منتصف العام 2014"، مضيفا "لن تلجأ السعودية إلى صندوق النقد الدولى لطلب المساعدة المالية، وهو ما فعلته دول أخرى مصدرة للبترول مثل أنجولا. إلا أن الاحتياطات السعودية تتآكل، ويبدو هذا واضحا حيث تعتمد الحكومة على النفط فى تدبير ثلاثة أرباع مواردها المالية".

وأضاف: "أما على المدى الطويل، فإن الجهود الدولية لمقاومة التغير المناخى تخلق حالة من عدم الوضوح حول الطلب على النفط فى المستقبل". وأشار إلى أن النفط لن يفقد مكانته المهيمنة كوقود للنقل خلال السنوات القليلة القادمة، ولكن الموقف لا يبدو واضحا بعد ذلك. لهذا تحتاج السعودية إلى الإقلال من اعتمادها على النفط لتوفير الموارد الحكومية والوظائف والدخل للسعوديين.
وتابع مراسل "بى بى سى": "لقد مكنت العائدات الهائلة للنفط الحكومة السعودية أن تقدم دعما سخيا للخدمات والمرافق. لكن بعض أوجه هذا الدعم أُلغى العام الماضى بسبب تراجع أسعار النفط". ونوه المراسل إلى إعفاء الملك سلمان خلال عطلة نهاية الأسبوع لوزير المياه والكهرباء بعد زيادة أسعارهما، ورفض المواطنين دفع فواتير الاستهلاك.

المئات من المسؤولين ومديرو الشركات السعوديين، عقدوا اجتماعات متعددة، ضمت استشاريين أجانب، فى فبراير الماضى بأحد فنادق الرياض، لبحث مستقبل الاقتصاد السعودى، فى ظل تراجع أسعار النفط، وشملت تلك الاجتماعات الكثير من ورش العمل التى شكلت جزءا من محاولات الحكومة السعودية لإعادة هيكلة الاقتصاد وتوقف الاعتماد على النفط.
وكان الانخفاض الهائل فى أسعار النفط إلى نحو 30 دولارا للبرميل، قد أدى إلى عجز فى ميزانية المملكة يصل إلى نحو 100 مليار دولار. ويشمل التنوع فى الاقتصاد الاستثمار فى قطاع التعدين والانتاج العسكرى. كما تهدف الخطة إلى مشاركة أكبر من القطاع الخاص فى تنمية المنشآت السياحية على بعض الجزر وتوسيع مشاركته فى المدارس.

كما تهدف إلى خلق مناطق حرة بالقرب من المطارات. ومن المقرر أن تدخل السعودية نظاما جديدا لتأشيرات دخول الأجانب إليها يسمح للأجانب من المسلمين والعرب بالعمل فى المملكة فترة طويلة. كما تتضمن الخطة مشاركة أكبر للنساء فى سوق العمل.
تلك الرؤية لاشك أنها ستغير خريطة الاقتصاديات العالمية، خصوصا المعتمدة على النفط، ومن المنتظر أيضا أن تكوّن المشروعات التى أعلنت عنها السعودية سوقا كبيرا ومفتوحا ليس للسعوديين فقط بل لسكان المنطقة ومنهم المصريين أيضا، لاسيما بعد ذكر بن سلمان للجسر البرى الذى أعلن عنه مؤخرا، بأنه سيكون له شأن مهم فى تطبيق مراحل الرؤية.