البث المباشر الراديو 9090
 المعرض الإسرائيلى البارز هرتسوج
القصة أعمق وأبعد بكثير من هزيمة حزبية داخلية لزعيم إسرائيلى صاحب تأثير لافت، ولو على المستوى الشخصى فى مجتمع تل أبيب السياسى.

خروج إسحق هرتسوج من زعامة حزب يقود المعارضة الإسرائيلية، يتجاوز مساحة انهيار مستقبله السياسى محليًا، إذ إن للأمر تداعيات إقليمية معقدة، ترتبط فى مجملها بمصير القضية الفلسطينية، والسلام المجمد مع إسرائيل.

ولم يتمكن هرتسوج، فى لحظة جنونية مفاجئة من مساء أمس الثلاثاء، من الحفاظ على موقعه الرفيع على رأس حزب العمل الذى يمثل تيار يسار الوسط فى إسرائيل، ومن ثمَّ تمت الإطاحة به لصالح منافسين جدد، لتتبدد أحلام السلام بالمنطقة "ولو إلى حين"، حيث كان يُفترض أن يلعب فيه الرجل دورًا محوريًا يتعلق بدعم رئيس وزراء الدولة العبرية، بنيامين نتنياهو، فى وجه جناح اليمين المتشدد، ومن ثمَّ إجباره على السير فى مضمار الاتفاقات المثمرة مع الفلسطينيين.

وبدت هزيمة هرتسوج فى الانتخابات الداخلية لحزبه موجعة، حيث حل ثالثًا فى قائمة المرشحين. الحزب حينما كان تحت رئاسته قد اندمج مع فصيل أصغر برئاسة وزيرة الخارجية السابقة تسيبى ليفنى، لتشكيل الاتحاد الصهيونى الذى يستحوذ على 24 من مقاعد الكنيست البالغ عددها 120 مقعدًا، ليصبح فصيل المعارضة الأبرز فى تل أبيب.

ببساطة، يمثل سقوط هرتسوج، ضربة مفاجئة لمساعٍ غربية، وإقليمية لإتمام اتفاق سلام حقيقى بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وراهنت الولايات المتحدة الأمريكية، ورئيسها دونالد ترامب، فضلًا عن قوى إقليمية من بينها مصر، على رغبة مُعلَنة من جانب هرتسوج لإتمام سلام عادل مع الفلسطينيين. وتدخلت واشنطن وحلفاؤها بالمنطقة لدى نتانياهو، للتخلى عن ائتلافه الحكومى اليمينى المتشدد الرافض للسلام مع الفلسطينيين، وتعويضه بتحالف مع المعسكر الصهيونى بقيادة زعيم المعارضة بالكنيست، هيرتسوج، من أجل إعانته على اتخاذ قرار السلام.

وفي الزيارة الأخيرة لترامب إلى إسرائيل، رصدت الكاميرات مصافحة طويلة له مع هرتسوج، فيما كان يوصيه بالسعى قدمًا لدفع نتانياهو لإتمام السلام المرجو.

وسبق أن دعا الرئيس عبد الفتاح السيسى، خلال ربيع العام الماضى من أسيوط، الأحزاب الإسرائيلية العاقلة للمساعدة فى إتمام سلام تاريخى مع الفلسطينيين، حيث رجَّحت المؤشرات أن رأس الدولة المصرية كان يدعم هرتسوج بدعوته الفريدة الموجهة إلى الداخل السياسى فى تل أبيب لتحمل مسؤولية إنجاح المفاوضات مع الفلسطينيين.

أنباء قوية لم يتم نفيها حتى الآن، تقطع بأن هرتسوج وصل إلى القاهرة سرًا قبل فترة وجيزة جدًا من وصول ترامب فى زيارته الأخيرة للمنطقة، والتى شملت السعودية، وإسرائيل.

مصر سعت باستقبال هرتسوج على هذا النحو المُعتَّم عليه، إلى التثبت نهائيًا من رغبة زعيم المعارضة فى تل أبيب بالتشبث التام بأحلام السلام.. كل الأمور جرت على أكمل وجه وكما يُرام.. هرتسوج تحول إلى داعية سلام فى قلب الكنيست، ولكن كل الخيوط اختلطت والأحلام تبددت الآن.

وكان نتنياهو قد تخلى أكثر من مرة عن وعوده لقوى إقليمية ودولية مؤثرة بإمكانية التحالف مع هرتسوج، متهربًا من إتمام أى اتفاق للسلام بالإصرار على التحالف مع معسكر اليمين المتشدد الرافض لأى حوار مع الفلسطينيين.

وبسقوط هرتسوج، نال نتانياهو فرصته الذهبية بالإصرار على التمسك بالمعسكر الرافض للسلام، حيث ترى القاهرة أن اليمين الإسرائيلى المتشدد والمتدينين اليهود فى تل أبيب لن يسمحوا لنتانياهو بإتمام سلام سلس مع الفلسطينيين، ناهيك بأن الرجل يجيد التهرب والتبرير، والتذرع بالضغوط الداخلية كوسائل تقليدية من جانبه للتنصل من مصافحة تاريخية مرتقبة مع الفلسطينيين.

كان طلب ترامب من نتانياهو، بناءً على توصية مصرية، بضرورة التحالف المستقبلى، مع معسكر المعارضة الصهيونى بزعامة اليسارى إسحق هيرتسوج.. وكانت مصر تحفز بشدة نحو تحالف "ضرورة لتحريك عملية السلام" إن جاز التعبير، بين نتانياهو وهيرتسوج، على أساس أن التعاطى مع فريق الصهيونية واليسار أقل خسائر من التعامل المباشر مع اليمين المتطرف وحده.

وكان نتانياهو قد حاول التهرب من السيناريو المصرى، بالتخلى عن وعد سابق له للقاهرة مطلع العام 2016، بالتحالف مع هرتسوج، حيث استبدل ذلك بالتحالف مع اليمينى المتشدد أفيجدور ليبرمان، مانحًا إياه وزارة الدفاع.

وقبل هزيمة هرتسوج، لم يكن أمام نتانياهو أى مفر جدِّى للهرب فى ظل حماسة ترامب لسلام يقوم على التحالف بين نتانياهو وزعيم المعارضة الإسرائيلية، لضبط الإيقاع داخليًا فى تل أبيب إذا ما تمت الصفقة مع الفلسطينيين.

وفى تلك الحالة كان هناك سيناريوهان أمام نتانياهو.. الأول ألا يكمل ترامب رئاسته على خلفية قضية علاقة حملته الانتخابية، ورجال إدارته بموسكو، أو أن يضطر للدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة حتى لا يضطر للتحالف مع هيرتسوج، ومن ثمَّ يحافظ لليمين المتطرف على فرص تواجده كحجر عثرة فى السلطة، يعوق فرص السلام الحقيقية.

على هذا، دفعت مصر بشد واشنطن ترامب، إلى ممارسة مزيد من الضغط والمساومة حتى بشأن قصة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، من أجل حصار نتانياهو ودفعه إلى طريق هرتسوج، ومن بعده طريق السلام مع الفلسطينيين.

غير أن هزيمة هرتسوج، والإطاحة به من زعامة حزب العمل، ومن ثمَّ زعامة المعارضة الإسرائيلية منحت نتانياهو الحل السحرى لضرب فكرة السلام من أساسها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً