الشرطة الأمريكية
ولا يواجه الغرب اليوم فقط خطر العائدين من مناطق الصراع فى الشرق الأوسط ممن خبروا أو اعتنقوا فقه داعش الدموى. العشرات من الدول الأجنبية تعانى كذلك من موجهة إرهابية عكسية محتملة، تتمثل فى عناصر يسارية وملحدة، كانت توجهت هى الأخرى إلى سوريا والعراق وليبيا من أجل مجابهة تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابى، قبل أن يعودا إلى بلدانهم الأم لمواصلة كفاحهم ضد ما يعتبرونها الخطر الإسلامى على القيم الغربية والعلمانية.
أضف إلى ذلك صعود اليمين الشعبوى والمتطرف فى أوروبا وأمريكا، وتولى قادة كبار بأجندات عنصرية فجة زمام الحكم فى عدد من البلدان، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية تحت قيادة الملياردير العجوز، دونالد ترامب، علاوة على موجات متلاحقة على فترات من النازيين الجدد التقليديين، ممن ينشطون من آن إلى آخر ، وبالأخص ضد اللاجئين والملونين والأجناس غير البيضاء أو الشرقية.

ولطالما دعم الغرب ماديًا واستخباراتيًا ولوجيستيًا جماعات التطرف الإسلامى فى الشرقين الأوسط والأدنى، تحت ذريعة حماية مصالحها وضرب الدول المعادية وإبعاد احتمالات الإرهاب بعيدًا عن أراضيها، ما أشعل حروبًا وفجر صراعات، غير أن الظاهرة الداعشية كلفت الغرب ثمنًا باهظًا، بعدما تحول الأمر لموضة عالمية جذبت مواطنين غربيين، اتخذ بعضهم على عاتقهم نقل المعركة إلى بلده الأم، ما أذاق أوروبا وأمريكا مرارة الإرهاب الذى طالما أدمى دول العالم الثالث. ضاعف من الكارثة، أن الغرب طالما أنّ تحت سياط ضربات الموتورين بغرام النازية والفاشية من أبناء جلدته، ببساطة غدت أوروبا وأمريكا فى مرمى إرهاب مزدوج أو كما أشرنا سلفًا متعدد الجبهات.
الحقيقة المرة إذًا، أنه ليس كل العائدين دواعش، أو من ذوى الزبيبة واللحية والجلباب القصير، بل قد يُصدم البعض من أن عددًا منهم من دعاة التحرر الجسدى والجموح العقلى وعلوم ما بعد الميتافيزيقيا. صدق أو لا تصدق، من بين العائدين من جبهات القتال فى سوريا شيوعيون وملحدون وأنصار جماعات يسارية، وأخرى فاشية، وثالثة تتصدر النافخين فى الإسلاموفوبيا، أو حتى كانت مدافعة عن البيئة وحقوق المرأة والأقليات.
دول غربية ذات ثقل كألمانيا، تعانى صحيح من عودة جهاديين إسلاميين من مواطنيها إليها عقب سنوات من احتراف الدم والقتل والتفجير والتفخيخ وامتهان حرف الأحزمة الناسفة، لكنها وفى الوقت ذاته تشعر بصداع مؤرق جراء العشرات من العائدين من حاملى الفكر الأحمر: اليساريون المتطرفون.

المكتب الاتحادى للشرطة الجنائية، حدد قائمة من 38 ناشط وناشطة (حتى منتصف يوليو 2017)، عادوا للتو من سوريا، فيما كانوا يمارسون أنشطة شبه عسكرية متقدمة إلى جانب الميليشيات الكردية (وبخاصة ميليشيات حماية الشعب الكردية) المحاربة لداعش.
بعضهم تلقى تدريبات عسكرية ميدانية، وآخرون نزلوا إلى ساحات المعارك واشتبكوا مع الدواعش، فيما كانت رصاصاتهم ومقذوفاتهم المصوبة نحو رؤوس عناصر الخلافة المزعومة، تنشد ترانيم المعادة لما يعتبرونه أفيون الشعوب. ما يضاعف المخاوف الأمنية فى برلين، أن بعضًا من اليساريين المشتبه بهم مصنفين من قبل الهيئات المعلوماتية والاستخباراتية المختصة بأنهم من أصحاب الميول العنيفة.
ويتزعم المجموعة الألمانية اليسارية 4 من العائدين، إذ يتعامل معهم الآخرون كقادة ملهمين يمتلكون "ناصية الإيديولوجية". وهم مؤثرون ونافذون فى الأوساط اليسارية بألمانيا، ومن ثم تخشى السلطات من انعكاس خبرتهم السورية ضد داعش، فى عمليات داخلية مؤلمة.
فى الحالة اليسارية المسلحة الجديدة، كما هو الحال مع الألمان غير الإسلاميين العائدين من سوريا حيث قاتلوا ضد داعش، فإنهم يوجهون سلاحهم وكهدف رئيسى ضد الجاليات الإسلامية، والتيارات السلفية والجهادية المقيمة أو الوافدة أو حتى ضد المسلمين المهاجرين.

عملية دهس بعض المصليين فى بريطانيا، قام بها شخص مسيحى موتور، استشاط غضبًا من تواجد الفلسطينيين فى المملكة المتحدة، فيما ارتكب جريمته تحت تأثير الخمور، غير أن هدفه تبدل فجأة من محاولة قتل نشطاء الأراضى المحتلة إلى سرقة الحياة من الوافدين إلى بيت الله للصلاة.
الخطورة الكبرى بالنسبة للغرب هم هؤلاء.. المحسوبون على تنظيمات أو أحزاب أو منتديات يسارية (دواعش اليسار)، أو حتى غير المنتمين إلى أى كيان، وبخاصة إذا ما كانوا تواقين إلى التغيير بالدم، فتراهم يستهدفون المسلمين عقابًا على جرائم داعش غير الإنسانية، وفى الوقت ذاته يلاحقون الحكومات بالمظاهرات والصدامات مع الأمن اعتراضًا على ما يعتبرونه تواطؤً منها مع الرأسماليين والعولميين كما هو الحال فى صدامات هامبورج الأخيرة على هامش قمة العشرين، وأيضًا مع اليمين المتشدد المستورد من الشرق الأوسط.
خطر النازيين الجدد يزيد من القصة صعوبة، فمثلًا، تناقلت وكالات الأنباء وعلى رأسها رويترز، منذ أمس أنباء مقلقة عن تهديدات لمجموعات نازيين جدد ويمين متطرف لتنظيم تظاهرات بأنحاء الولايات المتحدة. خطورة التهديدات، أنها تأتى فى وقت حساس تشتعل فيه المصادمات بين مجموعات يمنية وأخرى تضم عناصر من المناهضين للعنصرية بولاية فرجينيا، الأمر الذى أسقط قتيلة وعدد من الجرحى، وفى ظل صدمة عالمية من رد فعل ترامب المتخاذل تجاه المتطرفين اليمينيين.
موقع إلكترونى تابع للنازيين الجدد قال فى بشارة مثيرة للمخاوف، إن البلاد (أمريكا) ستشهد "المزيد من الأحداث فى القريب العاجل"، وإن التظاهرات "ستتواصل دون توقف وفى كل أنحاء البلاد"، وبالتزامن مع ذلك، تقدمت مجموعة أخرى بطلب إلى سلطات ولاية فرجينيا لتنظيم تظاهرة فى الأول من سبتمبر المقبل، فى محيط تمثال للجنرال "روبرت إدوارد لى" بمدينة "شارلوتسفيل"، الذى شهد أحداث الدامية.وحسب رويترز، وقعت الأحداث عندما خرجت تظاهرتان فى المنطقة، الأولى لليمين المتطرف والعنصريين البيض احتجاجا على مساعى السلطات لإزالة التمثال، وأخرى مناهضة للعنصرية، وانتهت الأخيرة بتعرض المحتشدين لعملية دهس أسفرت عن مقتل سيدة وإصابة 19 آخرين.

وشوهد منفذ عملية الدهس ويدعى "جيمس أليكس فيلدز"، فى لقطة مصورة وهو يحمل درع إحدى جماعات البيضاء البيض العنصريين، تدعى "فانجارد أمريكا"، إلا أن الأخيرة نفت انتماءه إليها. ومنذ نهاية الأسبوع الماضى، يحتج اليمينيون والعنصريون على مساعى السلطات لإزالة تمثال الجنرال "لى" فى فيرجينيا، الذى يعد أحد رموز الحرب الأهلية الأمريكية، ومن أبرز أنصار العنصرية وتأييد العبودية.
أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية على موعد مع ردة فكرية وعنصرية فادحة، لكنها ستكون دموية، متعددة الأوجه، والمفاجأة أن التطرف والإرهاب الإسلامى لن يكون فى الصدارة فى هذا الشأن، إذ سيتركها لصالح صعود جماعات وتيارات العنف اليسارى والعلمانى واليمينى، على أن يعمل الجميع ضمن "تحالف ضمنى" لحرق الغرب.