وزير الخارجية الألمانى - زيجمار جابرييل
السعودية سحبت سفيرها فورًا وأعدت مذكرة احتجاج رسمية، لكنها صارت مستفزة من ذلك الاعتراض المعتاد من جانب زيجمار لسياسات ولى العهد، الأمير محمد بن سلمان.

فى المقابل، يواصل زيجمار سياسة التصريح بمواقفه الشخصية، ورغبته الحادة كيسارى عتيد فى التصدى ومجابهة الرأسماليات والبلدان ذات السطوة.
على هذا النحو، تقف حزمة من الأسباب والخلفيات السياسية وراء التصريحات الهجومية من رأس الخارجية الألمانية تجاه الرياض على هامش أزمة الحريرى.
وكان رد الخارجية الألمانية، السبت (18 نوفمبر 2017)، لتبرير ما يمكن وصفه بتجاوز فى تصريحات الوزير جابريل زيجمار، أقرب لدبلوماسية الخروج من المواقف بأقل الخسائر الممكنة، منها للتبرير السياسى المستند على موقف راسخ.

وقال متحدث باسم الخارجية الألمانية، تعليقًا على الغضب السعودى جراء وصف زيجمار لسياسة المملكة بالمغامرة، إن "التحدث عن ذلك بشكل علنى مجاز ومنطقى بين الشركاء الدوليين المرتبطين بعلاقات وثيقة، إننا نبعث برسالتنا إلى مختلف الأطراف المؤثرة فى المنطقة".
الخارجية الألمانية أرادت ضرب عصفورين بحجر واحد، أولًا تطيب خاطر الرياض، إن جاز التعبير، بالتأكيد على أنها شريكة دولية معتبرة بالنسبة لبرلين، فضلًا عن تأثيرها الكبير بالمنطقة.
وثانيًا، فإن المتحدث حاول حفظ ماء وجه زيجمار، الذى باتت مواقفه المعلنة تمثل خروجًا على الأعراف الدبلوماسية التى تفترض الكياسة والحيادية.

فى الأزمة القطرية الخليجية الأخيرة، كان انحياز زيجمار للدوحة فجًا، بل كان العراب الأكبر لتوجه لجنة من الاستخبارات الألمانية إلى الإمارة الصغيرة للاطلاع على كل ما يخص معركتها مع جيرانها فى السعودية والإمارات والبحرين، فضلًا عن القاهرة، عن قرب.
سر انحياز زيجمار للدوحة كان مزدوجًا، إذ بدت رغبته وفريقه كبيرة فى تأمين 25 مليار استثمارات قطرية فى ألمانيا، ناهيك على التأكيد على الانفصال الكبير لحزبه "الديمقراطى الاشتراكى" عن سياسة حليفته فى الائتلاف الحاكم، المستشارة أنجيلا ميركل.

بدا أن زيجمار يلعب بقضية سياسية ذات بعد دولى وإقليمى لضرب ميركل فى الانتخابات التشريعية التى جرت قبل أسابيع قليلة ماضية.
إلا أن سببًا شخصيًا يخص زيجمار تسبب فى ذلك التعاطف المفاجئ من جانب الخارجية الألمانية مع الدوحة، وهو خلفيته اليسارية، التى تعادى بالفطرة الاقتصاديات والكيانات والسياسية الكبرى بغض النظر عن وقائع الأمور وحقيقتها على الأرض.
السبب الشخصى ذاته تكرر على نحو متشابه فى تحرش زيجمار اللفظى بالمملكة فى أزمة تواجد الحريرى بالرياض وقبلها استقالته من قيادة الدفة فى لبنان، ومرة أخرى يبدو المسؤول الألمانى الرفيع قادرًا على انتهاز المواقف لاحتلال صدارة المشهد رغم أنف الموقف الرسمى لبرلين، الذى طالما جاء مغايرًا لمواقفه.

فميركل منشغلة وبشدة بمحاولات تشكيل ائتلاف وزارى جديد تجنبًا لانزلاق برلين فى أزمة حكم عنيفة، ومن ثم وجد زيجمار الذى يستعد لمغادرة الحكومة بمجرد إعلان تشكيلها الجديد المتعثر، المسرح شاغرًا، فقرر ممارسة هوايته فى بث وجهات نظره علنًا ودون حسابات.
غير أن زيجمار وجد ضالته فى نقطة تشجيع لموقفه من الرياض داخل برلين نفسها، تتمثل فى تقرير أمنى واستخباراتى ألمانى، صدر قبل عامين، لا يحبذ تغيرات السلطة "الجديدة" فى المملكة، ولا يبدى حماسة لسياسات ولى العهد الأمير محمد بن سلمان، حسب ما أكده الخبير فى شؤون الشرق الأوسط، شتيفان بوخن لهيئة الإذاعة الألمانية "دويتشه فيله".
التقرير يستهدف "الدور المهدد للاستقرار فى الوطن العربى من قبل السعودية"، وتضمن أن "استراتيجية الحرص الدبلوماسى من جانب أمراء العائلة الحاكمة الكبار تم تعديلها والاستعاضة عنها بسياسة نفاذ متهورة واندفاعية"، على يد الأمير محمد بن سلمان، منذ أن كان وزيرًا للدفاع، تخوض الرياض تحت إمرته حربًا ضخمة باليمن.

كما أشار التقرير إلى أن تجمع كل خيوط السياسية والأمن والاقتصاد فى يد بن سلمان، يمثل خطرًا كبيرًا، وبخاصة أن إجراءات الإصلاح التى ينتهجها من وجهة نظره باهظة الثمن، ويثير غضب باقى أفراد الأسرة الحاكمة فى الرياض أو على الأقل بعض من المؤثرين فيهم فضلًا عن شرائح مجتمعية أخرى.
بيد أن المصالح الاقتصادية السعودية الألمانية المشتركة، تظل ذات الصوت الأعلى فى العلاقة بين البلدين، وبخاصة أن برلين تعتبر الرياض أهم ماليًا واستثماريًا وتجاريًا بالنسبة لها حتى أكثر من بلدان كالسويد وسويسرا.
وتحتل الرياض المركز الثانى من حيث الشراكة الاقتصادية مع برلين بعد أبو ظبى، فيما أنها الشريك الثامن لألمانيا تجاريًا عالميًا.
ستمر زوبعة زيجمار مع الرياض على الأرجح فى القريب العاجل، حتى لو استمر سحب السفير السعودى لفترة، وحتى لو اتخذت برلين إجراء مماثل، فالاقتصاد وكذا الأمن بالنسبة لبرلين هو قلب السياسة وبوصلتها الأساسية.

لكن محاولة برلين منح علاقاتها مع الرياض من جانب، ومع طهران من جانب آخر، مزيدًا من التوازن، وعدم الانحياز لطرف على حساب الآخر، سيغضب السعوديون بلا شك، لا سيما أن القيادة بالمملكة تشكل الآن وبصورة علنية تحالفات إقليمية ودولية لضرب دولة الملالى على الأصعدة كافة.
الرياض تجيش العرب وجامعتهم ضد إيران وأذرعها فى لبنان (حزب الله) واليمن (الحوثيين) وفى غيرهما، ومن ثم لم تعد تتعاطى بهدوء مع كل من يطالبها بالموضوعية فى الملف الإيرانى، وتعتبر من لا يقف فى معسكرها، هو بالضرورة عدوها.