تنظيم داعش
وسلط المرصد الضوء فى دراسته على إمكانية قيام عناصر داعش بعمليات إرهابية فى أوروبا، بهدف نقل المعركة من الشرق إلى الغرب، أو الانتقال إلى حرب العصابات والذوبان فى الصحراء، وهو أمر اكتسب التنظيم فيه خبرة خلال الفترة التى قضاها بالعراق.
الاتجاه إلى أوروبا
وأكد المرصد، أن الخيار الثانى الذى قد يلجأ إليه تنظيم "داعش" بحسب خبراء، وهو القيام بعمليات إرهابية فى أوروبا، بهدف نقل المعركة من الشرق إلى الغرب، ويعتمد التنظيم فى تنفيذ هذا الخيار على ما يُعرف بالعائدين من داعش.
والعائدون من داعش، مصطلح شهد تغيُّرًا كبيرًا بعد هزيمة التنظيم فى سوريا والعراق، فقد كان يُطلق فى البداية، قبل هزيمة التنظيم، على بعض المنضمين إلى داعش ممن خُدعوا بدعايته، ثم سرعان ما اكتشفوا، بعد انضمامهم إليه، أن الأوضاع على أرض الواقع تختلف اختلافًا جذريًا عما يروجه التنظيم، لذا قرروا تركه والعودة إلى بلادهم.

واضاف المرصد، أنه وبعد هزيمة التنظيم فى سوريا والعراق، أصبح المصطلح يحمل معنى مغايرًا تمامًا، إذ لا يمكن الجزم بما إذا كان هؤلاء العائدون لا يزالون يحملون الفكر الداعشى أم لا؟ وقد أعربت الكثير من حكومات الدول الغربية عن خوفها الشديد من هؤلاء، وفى هذا السياق ذكرت مجلة "نيوزويك" وموقع "إى يو إوبزرفر"، أن مفوض الاتحاد الأوربى للشؤون الأمنية، جوليان كينج، أعرب عن بالغ قلقه من ظاهرة "العائدون من داعش"، قائلًا: "رغم أننى أتوقع نزوح عدد قليل من مناطق الصراع إلى أوروبا، إلا أن هذا العدد القليل من العناصر المتطرفة سيمثل خطرًا داهمًا يجب التصدى له بكل حزم وحسم".
وتابع: "فى ألمانيا، قدرت السلطات الألمانية عدد من غادروا البلاد خلال السنوات الأخيرة وانضموا إلى تنظيم داعش بما يقارب 940 شخصًا، قُتل منهم حوالى 145 شخصًا، بينما عاد 250 آخرون إلى ألمانيا، ولكن ماذا عن المتبقين؟ هذا ما يشغل السلطات الألمانية فى الفترة الراهن، وأن السلطات الألمانية توقعت فى بادئ الأمر أن تحدث موجة عودة لجميع الألمان المقاتلين فى صفوف داعش، عقب هزيمة التنظيم فى العراق وسوريا، لكن هذا لم يحدث، ولم يعد سوى الـ 250 شخصًا الذين أشرنا إليهم من قبل، وما زال مصير الآخرين مجهولًا باستثناء النسوة الأربع اللاتى أُلقت السلطات العراقية القبض عليهن فى مدينة الموصل، ومن بينهن الفتاة الساكسونية المشهورة "لينداف" والبالغة من العمر 17 عاما؛ لتبقى المعضلة التى تحير السلطات الألمانية: أين ذهب بقية الدواعش الألمان؟
وأشار المرصد، إلى أن مهمة البحث عن الدواعش الألمان ستطول لبعض الوقت، خاصة أنه لا يوجد دليل على مقتل هؤلاء، كما أن تنظيم داعش اعتاد عند مقتل أى من عناصره، أن يُعلن عن هذا، أو يخبر أهله أو أصدقائه فى ألمانيا بذلك، لكن هذا لم يحدث حتى الآن.
دواعش فرنسا
وأضاف المرصد، أن القلق ذاته يسيطر على السلطات الفرنسية، خصوصا أن خطر "العائدون من داعش" يداهم فرنسا أكثر من غيرها، وقد تحدث وزير الخارجية الفرنسى جان - إيف لودريان، عن وجود ما يقارب الـ 500 فرنسى يقاتلون فى صفوف التنظيم بسوريا والعراق، ووصف فى تصريحات لقناة "بى إف إم تى فى" الإخبارية الفرنسية عودتهم إلى فرنسا بالأمر بالغ الصعوبة، دون أن يوضح ما الذى يعنيه بهذا الوصف؛ قائلًا: "سوف يقعون فى الأسر أو يتبعثرون فى أماكن أخرى".

وأكد وزير الداخلية الفرنسى، جان جامبو، أن فرنسا لن تتفاوض مع الإرهابيين الفرنسيين الذين يريدون العودة إلى الأراضى الفرنسية، متخذًا بذلك نفس نهج رئيس وزراء بلجيكا، شارل ميشيل، وأوضح جامبو، أن "هؤلاء الأشخاص عارضوا بعنف أسس مجتمعنا، وإذا كانوا فى الوقت الراهن بدون موارد، فهل يجب علينا التفاوض معهم لإعادتهم إلى مجتمعنا؟ من المؤكد أننا سنحترم قواعد القانون الدولى، ولكن التفاوض معهم من أجل العودة المحتملة إلى البلاد، ليس فى الحسبان".
وأضاف وزير الداخلية الفرنسى: "أن احتمال تعرض الفرنسيين المنضمين لتنظيم داعش، لخطر عقوبة الإعدام فى العراق لا يغير من الأمر شيئًا، فلقد اختاروا أسلوب حياتهم، ولابد أن يتحملوا عواقب اختياراتهم"، ولم يستبعد "جامبو"، إمكانية إرسال لجان قضائية لاستجواب المقاتلين الفرنسيين الذين ألقى القبض عليهم فى العراق، قائلًا: "لقد تمت دراسة وضع النساء والأطفال الذين يريدون العودة، كل حالة على حدة".
وفى السياق ذاته، أشار مصدر فرنسى رسمى إلى أنه من بين ألف و700 فرنسيًا توجهوا إلى سوريا والعراق منذ عام 2013، قتل نحو 400 إلى 450 فرنسيًا، وعاد إلى الأراضى الفرنسية نحو 250 آخرين.
ويذهب بروس هوفمان، الباحث والخبير فى شؤون الإرهاب بجامعة "جورج تاون" الأمريكية، خلال مشاركته فى مؤتمر بواشنطن، إلى أنه "رغم مقتل الكثير من المقاتلين الأجانب فى صفوف داعش، إلا أن الالآف نجوا وتمكنوا من مغادرة سوريا، ومن المؤكد أن بعضهم أصبح اليوم فى منطقة البلقان، حيث يمكثون بعيدًا عن الأضواء للعثور على فرصة للتسلل إلى أوروبا".

وشدد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، أن تعامل كل دولة مع المقاتلين العائدين إليها سيحدد إلى أى مدى يمكن أن يشكل هؤلاء العائدون خطرًا عليها، أو عاملًا إضافيًا يسهم فى تعزيز فهم الدولة المعنية لفكر هذه الجماعات وكيفية محاربته، ومن ثَم فمن المؤكد أنه كلما امتلكت الدولة برامج متقدمة لتأهيل هؤلاء العائدين وتيسير إعادة دمجهم فى مجتمعهم، كلما عظمت الاستفادة منهم، وقل ما يمثلونه من خطورة.
حرب العصابات
وفيما يتعلق بالخيار الثالث الذى قد يلجأ إليه تنظيم "داعش"، وهو: الانتقال إلى حرب العصابات والذوبان فى الصحراء، وهو أمر اكتسب التنظيم فيه خبرة خلال الفترة التى قضاها بالعراق، فإن هذا الخيار سيلجأ إليه فقط "الدواعش" الذين لن يتمكنوا من العودة إلى بلادهم، أو الانضمام إلى التنظيم فى أى دولة أخرى غير العراق وسوريا، ولذلك يبقى هذا الخيار هو أضعف الخيارات من بين خيارى لجوئهم إلى دول يوجد فيها موطئ قدم للتنظيم، أو القيام بعمليات إرهابية فى أوروبا، بهدف نقل المعركة من الشرق إلى الغرب.
ونوه المرصد، على أن إعلان القضاء على داعش ليس نهاية المطاف، ولكنه قد يكون أمرًا مبشرًا بأن تكاتف الجهود الدولية يؤدى إلى تحقيق نتائج ملموسة فى سياق القضاء على التطرف، إلا أن اقتصار هذه الجهود على مناطق دون أخرى، يزيد من أمد المشكلة، حيث يتسنى لعناصر هذه الجماعات المتطرفة التحول من منطقة إلى أخرى، وعندئذ لا يعدو الأمر سوى أننا نقضى عليهم فى جهة لنسمح لهم بأن يطلوا برأسهم من جهة أخرى.
ولفت المرصد، إلى أن تعزيز الجهود الدولية فى مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، وتعاون الدول استخباراتيا وعسكريًا، يساهم فى منع ظهور "داعش جديدة" مرة أخرى، أو على الأقل يحد من هذا الأمر، كما يجب العمل وبقوة على وقف السياسات العالمية الجائرة التى كان لها دور كبير فى صناعة الإرهاب وتغذيته خاصة المواقف الدولية الظالمة تجاه حق الفلسطينيين فى إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وكذلك إيجاد حل لقضايا المضطهدين والمشردين فى جميع أنحاء العالم وفى مقدمتها قضية مسلمى بورما التى انتقد الأزهر الشريف مراراً وتكراراً الصمت المطبق تجاهها، كما يجب مساعدة الدول فى حل أزماتها الاقتصادية، خاصة مشكلة البطالة، التى تُستغل كثيرًا من قبل الجماعات المتطرفة لاستقطاب الشباب.

واقترح المرصد، أن الاهتمام بقضية التعليم ورفع الوعى لدى المواطنين، خصوصًا الوعى الدينى، أمر يأتى على رأس الأولويات المطلوب تكاتف الجهود لتحقيقها، فقد أثبتت الكثير من الدراسات أن الشباب المتدين بحق والواعى جيدًا لتعاليم دينه، أقل عرضة للاستقطاب من الجماعات الإرهابية، مقارنة بنظرائهم غير الواعين بتعاليم الدين ومبادئه السمحة، وباختصار يجب على كل دول العالم، بلا استثناء، أن تسعى لتجفيف منابع العنف والإرهاب بداخلها، وأن تغلق جميع الطرق التى يمكن أن تتسلل منها التنظيمات الإرهابية إلى عقول الشباب.
وأكد أن المهم للغاية تفنيد وتفكيك أيديولوجيات هذه الجماعات، وأفكارها المتشددة، وهو الأمر الذى نحصن به الشباب من الوقوع فى براثنها، بل وحملهم على الوقوف صفًّا واحدًا فى مواجهتها، وقد قطع مرصد الأزهر لمكافحة التطرف شوطًا كبيرًا فى تفنيد مغالطات هذه الجماعات وشبهاتها وأباطيلها، من خلال بيان مناقضتها الواضحة لمقاصد الإسلام ومبادئه العليا.