أزمة المياه
ففى ظل ارتفاع وتيرة النمو السكانى، وازدياد الاحتباس الحرارى، ومخاطر نسبة الهدر العالية فى المياه، تعانى الكثير من دول العالم، وغالبها دول عربية، من أزمة خطيرة.
ورغم أنها لا تحظى بالانتباه المنشود، إلا أنها تبقى أكثر الأزمات خطرًا على حياتنا، ففى عام 2013 كانت وفاة 17 ألف شخص فى العالم جراء نقص المياه أو الأمراض الناجمة عن نقص المياه الصالحة للشرب.
ولأن ندرة المياه تؤثر على أكثر من 40% من سكان العالم، مع توقعات بارتفاع النسبة، فهناك تقديرات تؤكد أن 783 مليون شخص لا يحصلون على مياه نظيفة، إضافة إلى 1.7 مليار شخص يعيشون حاليا فى أحواض الأنهار حيث يتجاوز استخدام المياه إعادة التعبئة.
ويمكن اعتبار تغيّر المناخ أو مشكلة الاحتباس الحرارى، سبباً رئيسياً فى تفاقم أزمة المياه، اذ إن ارتفاع درجات الحرارة يعنى أن معدل التبخر آخذ فى الارتفاع، ما يهدد بالجفاف.
اليونسكو ترصد جودة المياه فى سبعة أنهار
كانت أزمات المياه وتوجهات الأبحاث العلمية دافعًا لليونسكو لتدشين بوابة ترصد جودة المياه فى كافة مناطق العالم، آملاً فى إعادة تنظيم استخدام الإنسان لمورد المياه من أجل استدامة المورد الذى يعتبر أصل الحياة، وتتسع البوابة العالمية زمنيًا لسبعة أحواض نهرية، وموارد مياه سطحية فى جميع أنحاء العالم.
وتعمل اليونسكو على رصد المؤشرات الخمسة منذ يناير 2016، لرصد وتتبع تغيرات التعكّر، وأعمدة الرواسب من نشاطات الحفر والملئ، هذا ويعدّ الكلوروفيل من الأصباغ الموجودة فى خلايا العوالق النباتية، فى حين أنّ مؤشر تكاثر الطحالب الضارة يظهر المناطق المحتمل تأثرها بهذه الطحالب الضارة الناتجة عن البكتيريا الزرقاء التى تحتوى على صبغة الـ"phycocyanin".
وتعمل رصدها فى: بحيرة سيفان فى جبال القوقاز "أرمينيا وأذربيجان"، وسد إيتايبو وحوض بارانا المائى "الأرجنتين، البرازيل، الباراغواى"، وبحيرة مكلنبورغ "ألمانيا"، ونهر النيل وسد أسوان "مصر، السودان"، ودلتا ميكونغ "فيتنام"، وبحيرات فلوريدا "الولايات المتحدة الأمريكية"، وحوض نهر زمبيزى "زامبيا، زيمبابوى".

المياه الملوثة تقتل 1.5 مليار طفل سنويًا
رصدت منظمة "يونيسيف" العالمية 10 أرقام حول قصة المياه على كوكب الأرض، فهناك 91 % من سكان العالم الآن يستخدمون مصادر مياه شرب محسنة، وحصل 2.6 مليار شخص على مصادر محسنة للمياه الصالحة للشرب منذ عام 1990؛ إضافة إلى 96 % من سكان الحضر فى العالم مصادر محسنة للمياه الصالحة للشرب.

كما أن 84 % من السكان فى المناطق الريفية يستخدمون مصادرًا محسنة للمياه الصالحة للشرب، بينما ما يزال 8 أشخاص من بين 10 أشخاص يعيشون فى المناطق الريفية بدون مصادر محسنة لمياه الشرب.
وفى الوقت الذى وصل فيه 42% من سكان البلدان الأقل نموا إلى مصادر محسنة لمياه الشرب منذ عام 1990، إلا أن حوالى 663 مليون شخص مازالوا يفتقرون إلى مصادر مياه شرب محسنة فى عام 2015.
والكارثة أن الإسهال الناتج عن المياه الملوثة يقتل 1.5 مليون طفل سنويا، معظمهم من الأطفال دون سن الخامسة الذين يعيشون فى البلدان النامية، كما أن هناك شخص واحد من بين 3 أشخاص لا يستخدمون مرافق الصرف الصحى المحسنة، وأتيح خدمات الصرف الصحى لحوال 2.6 مليار شخص فقط حول العالم.

العالم يبكى فردوس المياه المفقود
لم تعد كارثة المياه قاصرة على إفريقيا وحدها، باعتبارها الأبرز منذ عقود فى الأزمة، وإنما تخطت الكارثة إلى بلدات أوروبا القابعة بين الثلوج..
أمريكا والصين وأوروبا فى خطر
البلدان فى طريقهما للمعاناة من أزمة مائية، كما تُصنف إيران وتركيا واليونان وتشيلى وإسبانيا، من بين الدول الـ33 التى تعانى من أزمة مائية حقيقية.
وإذا كان جزءاً كبيراً من الكرة الأرضية مغطى بالمياه بحق، فإن 2.5% فقط، هى النسبة التى يمكن اعتبارها صالحة للاستخدام البشرى، حتى هذه النسبة الضئيلة غير متوفرة بالكامل، لأن نصفها فقط فى مواقع مناسبة تمكن الإنسان من استغلالها.
نَقْص المياه يُخفى أشهر معالم "البندقية" بإيطاليا
للسنة الثالثة على التوالى، تسبَّب انخفاض مياه الأمطار والمدّ والجزر للعام الثالث على التوالى فى اختفاء المياه من المدينة العائمة، باعتبارها أشهر المعالم التى تميزت بها شوارع مدينة البندقية الإيطالية، والتى كانت سببًا ومصدرًا لشهرتها على الخريطة السياحية العالمية.
وتحوَّلت الممرات المائية بشوارع البندقية إلى ممرات طينية لا تسمح بمرور زوارق الجندول التى تشتهر بها المدينة الإيطالية العريقة، وظلت "ملكة البحر الأدرياتيكي" تنظر إلى القوارب المغطاة التى رست على القيعان المُوحِلة. تقلص تعداد سكان المدينة من 175 ألف نسمة إلى 55 ألف نسمة منذ عام 1951.
أزمة مياه كيب تاون تضرب السياحة
أثَّرت أزمة الجفاف المزمنة المحتمل أن تجعل مدن كيب تاون جنوب إفريقيا بلا ماء على عدد السياح، مسلطة الضوء بذلك على خفوت اقتصادى، بحسب مسؤولين بجنوب إفريقيا.
ففى الوقت الذى يتوقع فيه الخبراء أن ينفد الماء فى كيب تاون منتصف أبريل القادم، تم توجيه السكان للحد من استخدام الماء إلى 50 لترًا للفرد يوميًّا، فى حين أن متوسط الماء المستخدم فى الاستحمام يصل إلى 80 لترًا.
وطلبت الفنادق من النزلاء تقليل مدة الاستحمام إلى دقيقتين أو أقل، واتجهت بعض المطاعم إلى استخدام الأكواب البلاستيكية والورقية، ورغم شغف الزوار بكيب تاون، فإن ثمة مخاوفَ من ابتعاد السياح عنها بسبب القيود فى استخدام المياه.

مأساة لاجئو الأفغان وقرى إيران
فى القرى القريبة من مخيم سروستان للاجئين، الذى يستوعب حوالى 10,000 أفغانى ويقع على بعد ساعة بالسيارة تقريباً عن شيراز فى محافظة فارس بإيران، تبقى كارثة نقص المياه تهدد اللاجئين وسكان القرى الإيرانية على حد سواء.
ويعتمد سكان المنطقة كلها على بئر عمقها 300 متر، أنشأته مفوضية اللاجئين، لتوفير جزء احتياجات المياه لسروستان، وأربعة قرى مجاورة، بما فيها قرية كوبرا.
العرب فى مرمى الخطر المائى
ورغم تصدر دول القارة الإفريقية قائمة الدول الفقيرة بالمياه؛ إلا أن المنطقة العربية تواجه سلسلة تحديات تجعلها أيضا أكثر الدول فى مرمى الخطر.
وحذر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، من خطورة الشح المائى فى المنطقة، فى كلمته أمام الدورة الثامنة لمجلس وزراء المياه العرب التى انعقدت فى 26 أكتوبر بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية.
وتؤكد التقارير أن المياه سببًا رئيسيًا للعديد من الأزمات فى العالم العربى، فعلى الأراضى العربية توجد إسرائيل بمطامعها فى المياه العربية، وأزمتها المستمرة مع لبنان وسرقتها للمياه الفلسطينية، بالإضافة إلى الحرب المائية المستمرة بين تركيا وكل من سوريا والعراق، وكلها عوامل جعلت من العالم العربى فى مرمى ماطر الجفاف المائى، وهو ما ساهمت الحرب السورية واليمنية والعراقية والليبية أيضاً فى إبرازه على السطح بعد طول مواراة.
كما تؤكد دراسة للمعهد العالمى للموارد World Resources Institute، أن 33 دولة فى العالم ستعانى بحلول العام 2040 من نقص حاد فى المياه وجفاف كبير، منها 16 دولة عربية.

دول خليجية تتصدر شح المياه عالميًا
هذه الدول الثلاث هى الثلاث الأولى المهددة بالجفاف، بالإضافة إلى سان مارينو وسنغافورة، إذ تعانى هذه الدول الخليجية بمناخها الصحراوى والارتفاع الكبير فى الحرارة، من استهلاك غير محكم، وهدر كبير فى المياه، رغم اعتمادها على الأمطار كمصدر وحيد ورئيسى للمياه.
الإمارات والسعودية وعمان
تعانى السعودية والإمارات وعمان من أزمة مياه حقيقية، وتأتى الإمارات المرتبة السادسة عالمياً، بينما السعودية المرتبة التاسعة، وتتربع عمان على المرتبة العاشرة، من بين دول العالم المتوقع أن تعانى من الجفاف خلال السنوات المقبلة.
أظهرت دراسة صادرة فى العام 2012 لوزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية، أن 86% من السعوديين لا يعلمون أن هناك شحاً فى مصادر المياه فى المملكة، و82% من السكان لا يطبقون أى إجراءات لتوفير المياه. وأظهرت الدراسة أن 99% لا يعرفون أن كلفة تحلية المياه مرتفعة جداً.
فلسطين.. الاحتلال لم يترك شيئًا
فلسطين تقبع بين الدول العشر الأوائل، التى تعانى شحًا فى المياه، وأشارت هيئة الإذاعة البريطانية BBC، إلى أن الاحتلال الإسرائيلى يستخدم 80% من مياه الخزان الجوفى الجبلى فى الضفة الغربية، ويترك منها 20% فقط للفلسطينيين. كما يتم منح المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية المياه، بنسبة أكثر بثلاث مرات.
وعلى الرغم من أن إسرائيل أيضاً تواجه ندرة فى المياه، وتحتل المرتبة الثامنة عالمياً فى مشكلة الشح، إلا أن المشكلة الفلسطينية أضخم بأضعاف، بسبب حرمان عدد كبير من الفلسطينيين من الحد الأدنى لكمية المياه المطلوبة للبقاء على قيد الحياة.
لبنان.. بلد المياه تعانى التصحر
رغم أنه بلد المياه، إلا أنه يعانى فقرًا مائيًا كبيرًا، وفى مصاف الدول الصحراوية الخليحية تحتلّ المرتبة 11 من بين الدول التى يتهددها الجفاف، ولا تقتصر أزمة المياه اللبنانية على الاستهلاك المرتفع والهدر الكبير، ومشكلة التصحر المتفاقمة فى السنوات الأخيرة، بل تتعداها إلى استمرار إسرائيل لسنوات طويلة فى سرقة المياه اللبنانية، بالإضافة إلى مشكلة التلوث الكبير التى ازدادت خلال السنتين الأخيرتين، مع أزمة النفايات التى لم تحلّ حتى اليوم، واستقبال قرابة المليون لاجئ سوريًا.
الأردن.. أزمة اللاجئين والمياه
مع تضاعف أزمتها فى السنوات الأخيرة مع تدفق اللاجئين السوريين والعراقيين، باتت فى المرتبة الـ 14 من بين الدول الأكثر فقرًا فى الماء، وتفقد الأردن كل عام كمية مياه يمكن أن تلبى الاحتياجات الأساسية لـ2.6 مليونى شخص، أى أكثر من ثلث سكانها الحاليين.
ليبيا.. سوء الإدارة والحرب
رغم وفرة احتياطى النفط، يرتفع الطلب على المياه فى لبييا، وتفتقر البلد إلى مواردها الطبيعية، فى ظل سوء إدارة تفاقم بشكل كبير مع الحرب الدائرة هناك. وتزداد أزمة المياه فى ليبيا التى تحتلّ المرتبة 15 من بين بلدان العالم المهددة بالجفاف وشح المياه بحلول العام 2040.
لا عجب.. الصحراء تشكل 90% من مساحة ليبيا، والحرب تقضى على الأخضر واليابس فيها، وتهدر مواردها على نحو كبير.
اليمن.. فقر الماء يُنهك 25 مليون نسمة
فى تقرير لرويترز، قالت إن أسعار المياه ارتفعت بشكل هائل فى اليمن منذ بداية الحرب، لتبدأ معاناة أكثر من 25 مليون نسمة يعيشون فى بقعة جغرافية، تعتبر من الأفقر والأكثر جفافاً فى العالم، مع نقص حاد فى المياه، لتحتل هذه الدولة المرتبة 16 عالمياً، بين الدول المهددة بالجفاف حتى قبل حلول 2040.
سوريا والعراق.. حرب الجثث والماء
هنا يبقى العدوان التركى على دول العرب، والطمع الغاشم فى موارد العرب، فقد حرم مشروع الغاب التركى العراق وسوريا من الاستفادة من مياه نهر الفرات. ومع تفاقم أزمة البلدين المائية مع تركيا، تعتبر الحرب بعد الهدر والتلوث، من المشكلات الأساسية التى جعلت العراق تحتل المرتبة 21، وسوريا المرتبة 25 من بين الدول المهددة بالجفاف، خلال السنوات العشرين المقبلة.
ليس هذا فقط؛ بل تعانى اليوم العديد من المحافظات السورية والعراقية، من انقطاع شبه دائم للمياه، فى ظل نقص كبير سيستمر فى التفاقم مع استمرار الحرب.
جفاف نهر دجلة والسطو الإيرانى
عملت إيران على تغيير مجرى مياه الأنهر المغذية لنهر دجلة إلى أنهر وخزانات جديدة داخل أراضيها؛ ضمن خطة لقطع المياه المتدفقة إلى الأراضى العراقية، إضافة إلى قطع المياه عن نهرى الوند المار عبر مدينة خانقين (فى محافظة ديالى، شمال شرقى بغداد) والزاب الصغير فى مدينة السليمانية (شمال).
وأثر قطع المياه بشكل كبير على الزراعة فى مناطق السليمانية وكركوك وديالى، وتأثر بذلك المئات من حقول الأسماك ومعامل الحصى والرمل المنتشرة فى المناطق المحاذية للنهر.

دول المغرب العربى تعانى
دول المغرب العربى الثلاث لم تكن أفضل حالاً، فهى تحتلّ المغرب المرتبة 19 والجزائر المرتبة 30 وتونس المرتبة 33، من بين الدول التى ستعانى من نقص حاد فى ثروتها المائية خلال العقود المقبلة.
فقر المياه وجفاف الأنهر والأبار لم تعد قضية البلدان العربية فقط، أو حتى على البلدان النامية أو الفقيرة، وإنما باتت الكارثة المحققة التى تنتظر الإنسانية، مع غياب الوعى الجمعى لبنى البشر فى حماية مستقبلهم ومصدر حياتهم الأول.
