صراع ليبيا
فمصر باتت أمام مهمة جديدة مغرقة فى الصعوبة على امتداد 1200 كيلومتر تفصلها عن مستنقع جماهيرية القذافى السابقة.
يزيد من صعوبة وتعقيد الأزمة الليبية وتهديداتها المتصاعدة ضد مصر أنها تتزامن مع العملية الشاملة 2018، التى يقودها الجيش ضد جماعات التطرف والإرهاب والإجرام فى سيناء.
جبهات القتال والاستنفار لفرض الأمن، صارت مفتوحة وعلى مصرعيها فى واجهات متنافرة فى مصر، الأمر الذى يجعل من الحساسية تجاه ما يجرى فى ليبيا ضروريًا.

الأمم المتحدة وعدد من مراكز الأمن والأبحاث ذات الصلات الاستخباراتية والعسكرية الدولية أقرت صراحة أن ليبيا كانت وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، رابع واجهة تجذب الدواعش بعد سوريا والعراق وأفغانستان.
الآن، وبعد الانهيارات الرهيبة للتنظيم الإرهابى بسوريا والعراق، صارت ليبيا أقرب الحلول للمقاتلين الفارين.
ورغم أن التنظيم الداعشي المتطرف لم يعد يسيطر على مدن أو أراض، على طريقة ما جرى فى سرت ومحيطها خلال السنتين الماضيتين، إلا أن خلاياه النائمة أو المستكينة لا تزال حاضرة فى المشهد.
لا تزال مناطق الهلال النفطي فى شمال شرق البلاد هدفًا لنيران مقاتلى داعش رغم تشتتهم، كما أن مُدنًا كبرى مثل بنى غازى، وباعتراف جيش المشير خليفة حفتر نفسه صارت فى مرمى هجمات ذائبهم المنفردة وخلاياهم المتوارية عن الأنظار إلى حين.

لا يجب إغفال تواجد القاعدة بطبعاتها المحلية وتلك القادمة من دول الجوار، فضلًا عن المليشيات الهجين التى تقوم على خليط من المقاتلين السياسيين وعناصر الجماعات التكفيرية الممولة من جماعات الإسلام السياسى، وعلى رأسها الإخوان.
تلك المليشيات شاء من شاء وأبى من أبى تعد مكونًا مؤثرًا فى معادلات السياسة وصراعاتها بين حكوماتها و برلماناتها المتناحرة.
أضف إلى ذلك أن جماعات العنف المسلح الداعشى وغير الداعشى فى منطقة الساحل والصحراء الإفريقية يستخدمون الجنوب الليبى، كممر لتهريب السلاح، أو الاختباء من حكومات دولهم الأصلية، أو كمعسكرات تدريب، أو كجسر عبور ونفاذ لأماكن وبلدان أخرى.
دول جوار، وبخاصة فى الجنوب الإفريقى، حيث السودان وتشاد والنيجر ومالى، يدفعون حركات التمرد لديها لاستيطان الجنوب الليبى.. يحلون مشاكلهم المؤرقة للسلطات الحاكمة هناك، على حساب دولة مكلومة.

تواجد مقاتلين أجانب ومرتزقة أفارقة، وبخاصة فى مدن حدودية ليبية، مثل الكُفرة وسبها، أجج بدوره صراعات قبلية قديمة ومتجددة فى الجنوب الليبى، ما ضاعف من خطر انهيار الوضع الأمنى هناك، ومنح دولًا خارجية تمول المليشيات لأن تنفخ فى دعاوى انفصال الجنوب وإعلانه دولة إفريقية تجمع هجين الأفارقة العرب والملونين الفارين من منطقة الصحراء والساحل.
الجيش الليبى بقيادة حفتر لا يبسط سيطرته على كامل تراب بلاده، كما أنه مقيد بحظر تسليحه من قبل الأمم المتحدة، وصراع القوى الغربية، وعلى رأسها فرنسا وأمريكا وروسيا وإيطاليا، على كعكة النفط والغاز، ما يُضعف مساعيه، ناهيك بعدم قدرته على الحصول على وفاق جماعى من قبل الفرقاء السياسيين المحليين خلفه.
6 ملايين قطعة سلاح خفيف ومتوسط وثقيل، تسربت من مخازن القذافى بعد مقتله، صارت فى يد المليشيات وتجار الحرب، فتم تهريب جزء منها للخارج، وبالأخص لدول الجوار، وعلى رأسها مصر، فيما أن الجزء المتبقى أشعل لهيب المعارك المجنونة بليبيا.
نحو 3 آلاف مقاتل أجنبى نشطوا وينشط جزءً كبيرًا منهم حتى الآن فى ليبيا، وفق الأمم المتحدة.

كل ذلك ألقى، ولا يزال يلقى بظلاله السلبية على مصر، ولا يجب إغفال أن جماعات مسلحة داعشية وقاعدية عبرت الحدود وضربت بعنف فى الصحراء الغربية، بل وفى قلب الصعيد ومدنًا فى الدلتا والشمال.
تنظيم أنصار الإسلام المنضوي تحت اللواء الفكرى لضابط الصاعقة المفصول، هشام عشماوى، قائد جماعة المرابطين المصرية، والقابع فى ليبيا، ضرب بوحشية أكتوبر 2017 ضد قوات الشرطة فى طريق الواحات.
الجيش الليبى يُجزم أن إرهابيين مصريين وغير مصريين فى ليبيا يتحالفون ويمولون جماعات متطرفة داخل المحروسة.
الدولة المصرية أمام مهمة شديدة التعقيد، قوامها الرئيسى ذلك الغضب الأسود القادم من الغرب.