البث المباشر الراديو 9090
بشار الأسد
فى مطلع السنة الثامنة من الأزمة السورية، لم يعد الصراع بين نظام الأسد والمعارضة فقط، بل أصبح بين دول متداخلة استطاعت كل منها انتزاع قطعة من خريطة سوريا، سواء بموافقة النظام هناك، أو بحكم الضرورة التى فرضها العنوان الكبير الحرب على داعش.

"الثورة السورية"، أو هكذا أطلقت عليها المعارضة هناك، والتى انطلقت فى 15 مارس 2011، لم تحقق الغرض منها، ليس على سبيل تغيير نظام الأسد، بل أيضاً على سبيل بناء قوى المعارضة ذاتها، حيث وبعد السنوات الماضية، صرنا إزاء نوع من التراجع الخطير، بالقياس للبدايات الواعدة، فالقوى المفترض أنها ثورية، وهى هنا الكيانات السياسية والعسكرية والمدنية، فشلت بشكل ذريع، فى حمل مشروع الثورة، والاستمرار به.

أسباب ذلك عديدة، أولها، أنها لم تستطع، على رغم تضحيات وتجارب سبعة أعوام، من بناء كيان سياسى يعبر عن السوريين، ويدير كفاحهم من أجل تحقيق أهدافهم، بعيداً من الحسابات والحساسيات الضيقة، الشخصية أو الأيديولوجية أو الفئوية.

أما ثانى الأسباب فهى أن تلك الكيانات السائدة فى المعارضة لم تستطع الحفاظ على المقاصد الأساسية التى انطلقت من أجلها ثورة السوريين، أى الحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية، بل إنها جاملت خطابات الجماعات العسكرية، الدينية والطائفية.

وأخيراً فإن المعارضة سارعت بانتهاج العمل المسلح، وتصعيده إلى مستويات غير محسوبة، وخارج قدراتها على التحمل، ما أضعفَ موقفها، وعزز فكرة اعتمادها على القوى الخارجية، التى وجدت وطنا ممزقا بفعل أبنائه، ولعل هذا أكثر ما أضر بالثورة السورية، إضافة إلى أن المعارضة اعتمدت على أمرين خاطئين، أو بالأحرى مراهنتين غير محسوبتين بدقة بفعل حوادث التاريخ، وهما أن العالم سيتدخل لصالح الثورة، وأن الثورة ستنتصر حتماً، وهى أمور لا علاقة لها بأساسيات، لا العمل الثورى ولا العمل السياسى.

المشهد فى سوريا لمشهد يتصدره الأشرار من كل اتجاه، أمريكان وروس وإيرانيون وأتراك وإسرائيليون ولبنانيون، ووحدهم السوريون يموتون. حقول الغاز اللبنانية يجرى تلزيمها بموجب حسابات الحرب السورية فتفوز بها شركات روسية قريبة من فلاديمير بوتين. ومخاوف أنقرة من طموحات الأكراد فى تركيا يتم تصريفها فى الحرب السورية، فى حين أن تل أبيب تتصدى لطموحات طهران فى نفوذ على حدودها عبر غارات تستهدف دمشق، فى حين تتلاعب أمريكا بكل هؤلاء وتنتظر وقت الانقضاض وهى تعرفه جيدا.

المشهد عبثى بامتياز. فى وقت يظن الجميع أن الثورة سوف تنتصر، يحدث العكس. وفى وقت تؤكد المعطيات أن الأسد سيخرج من المعركة منتصرا، يحدث أمر آخر.

فى هذه الأجواء الضبابية، وأمام الغليان الميدانى فى الغوطة الشرقية، وعفرين ونزوح المدنيين، والتأهب القلق فى منطقة التنف الحدودية، لم تختفِ نغمة تشكيل اللجنة الدستورية فى الأمم المتحدة، بمساعدة روسيا وإيران وتركيا، لعلها تحول الأنظار عن التصعيد الميداني، وتمهد لقمتها فى شهر أبريل المقبل، التى تنتظرها العيون الفرنسية والألمانية والبريطانية بقلق كبير ليس على الشعب السوري، بل على مصالحها فى مرحلة إعمار سوريا، فيما لا تعيرها واشنطن اهتماما، طالما ثبتت أقدامها العسكرية فى شمال سوريا، الغنى بالنفط.

أما الحضور العربى فى الأزمة فيكاد يكون معدوما، باستثناء بعض المجهودات التى تقوم بها مصر. التواجد السياسى العربى فى الأزمة يتم تهميشه أمام طغيان الشيطنة الإقليمية، تحت أنظار القطبية الثنائية التى يضغط طرفاها باستعراض عضلاتهما لإبرام صفقة وجودهما فى سوريا، تاركين للاتحاد الأوروبى أن يقلق ويستنكر ويحتج.

الخيال الواسع والدراية بحركية المصالح الإقليمية والدولية وحب الوطن، هى فقط سبل المخرج من سبع سنوات عجاف مرت بهم سوريا، وهى أمور قد تعين الأشقاء هناك فى مرحلة ما بعد المأساة.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز