البث المباشر الراديو 9090
بن لادن والظواهرى
ما الذى تبقى من تنظيم القاعدة بعد 7 سنوات من مقتل زعيمه الروحى أسامة بن لادن؟

فى خبر عاجل بثته غالبية وكالات الأنباء، خلال الساعات القليلة الماضية، نقلًا عن الرئاسة الأفغانية، بدا بوضوح أن كابول تريد ترسيخ حقيقة بعينها، ومفادها أن القاعدة تراجعت، وأن الصوت الإرهابى الأعلى فى البلاد والعالم، قد صار لورثتها من الدواعش ومن يسير على دربهم.

قالت الرئاسة الأفغانية نصًا: "الجماعات الإرهابية​ فى البلاد ما تزال تشكل تهديدا كبيرا ل​أفغانستان​، حتى بعد مرور سبعة أعوام على مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن".

داعش فى أفغانستان

قبل أن تستدرك قائلة بحسم إن "​تنظيم القاعدة​ لا يمثل تهديدا خطيرا على أفغانستان، فهناك جماعات مسلحة تمثل تهديدا أكبر للبلاد"، وتابعت: "تلك الجماعات تستهدف الأبرياء ووسائل الإعلام والمساجد بشكل يومي، وتعلن مسؤوليتها عن ذلك"، فى إشارة منها إلى داعش.

صحيح أن الدواعش خسروا الأرض فى سوريا والعراق لكنهم لم يسلموا سلاحهم..

تفجير إرهابى فى أفغانستان

ووفق تقارير أمنية غربية، فإنهم يبحثون عن أرض جديدة للخلافة، وتحديدًا فى أفغانستان، وآسيا الوسطى، وذلك انطلاقًا من ولاية الخرسان التابعة لتنظيم الدولة والقائمة هناك بالفعل، والتى بدأت تسحب النفوذ من طالبان والقاعدة.

ويعتمد الدواعش على وجود قاعدة لهم فى أفغانستان، تتمثل فى نحو 4 آلاف مقاتل محلى.

كما أن التناحر بين روسيا والولايات المتحدة فى البلد الإسلامى الأسيوى تزيد من فرص تمترس الدواعش على الأرض، فالروس وبمعاونة مع الباكستانيين يدعمون القاعدة لضرب مصالح واشنطن، والأخيرة ترد بدعم الدواعش، وهكذا.

ترامب وأفغانستان

كما أن تقديم الدواعش لمرتبات مجزية وثابتة لمقاتليهم يدفع العشرات وربما المئات من أتباع التنظيمات المحلية إلى اللحاق بركبه فى أفغانستان.

الثابت إذن أن الدواعش يكونون دولتهم الجديدة فى أفغانستان، وهم مخترقين مخابراتيًا، أو محصنين برشاوى مالية تجذب المقاتلين.. والأمريكان يدعمون داعش صراحة فى ولاية خرسان - أفغانستان، ليقود التنظيم حربًا بالوكالة عن واشنطن ضد طالبان.. بل أن الروس استخدموه كمنصة جذب لكشف متطرفى الشيشان والبلقان وجمهوريات الاتحاد السوفيتى السابقة.

هجوم على سفارة العراق فى أفغانستان

وكانت معلومات للاستخبارات العسكرية الألمانية، كشفت سر التمويلات السخية التى تحظى بها الجماعات الدينية المسلحة فى عدد من المدن الأفغانية الرئيسية وعلى رأسها العاصمة كابول وقندوز "شمال"، والتى كانت سببا فى تفجير الوضع الأمنى فى البلاد خلال الفترة الأخيرة.

وسقط خلال الفترة الماضية مئات الأشخاص فى سلسلة من الهجمات الإرهابية الشرسة فى مختلف أنحاء البلاد، فيما تقاسم كل من حركة طالبان وتنظيم "داعش" الإرهابى المسؤولية عنها.

إصابات فى انفجار مسجد شيعى بأفغانستان

وأكدت مصادر قبيلة ومحلية الاتهامات الأمريكية لموسكو بتمويل حركة طالبان ردًا على الدعم الكبير الذى تقدمه واشنطن للدواعش فى مناطق وسط آسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة لتطويق روسيا بحزام جهادى امتلك معظم عناصره خبرة القتال والدماء والتفخيخ فى سوريا والعراق على مدار السنوات الثلاثة الماضية.

ولاحظت فرق جمع المعلومات الملحقة بالوحدات العسكرية الألمانية العاملة ضمن مهمة حلف شمال الأطلسى "الناتو" لتدريب وإرشاد القوات المسلحة الأفغانية تناميًا غير مبرر فى نوعيات السيارات الحديثة المستخدمة فى عمليات إرهابية، ناهيك عن غزو أسلحة أمريكية وبلجيكية الصنع باهظة الثمن لمناطق عدة فى قندوز.

حركة طالبان

ووفق معلومات الاستخبارات العسكرية الألمانية، يبدو التنافس على أشده بين موسكو وواشنطن فى ملف دعم الجماعات المسلحة فى أفغانستان، ما يعيد أجواء الحرب الباردة التى اشتعلت بين القوتين العظمتين فى الثمانينيات من القرن الماضى مجددًا.

وتعتقد واشنطن أن روسيا أنفقت على مدار عام كامل أموالًا طائلة لتقوية طالبان، ومن ثم ضرب كافة المصالح والترتيبات الخاصة بإدارة الرئيس دونالد ترامب فى أفغانستان.

موسكو بدورها لم تنقل سلاحًا لطالبان، ولكنها مكنتهم من اقتنائه بصورة غير مباشرة، وذلك عبر منحهم الأموال اللازمة لشرائه.

بن لادن

ومنحت تلك الأموال طالبان ميزة مكنتها من تجنيد قبائل وشراء صمتها وأحيانًا رجالها ليقاتلوا إلى جانب التنظيم المسلح.

فى الأخير، تعترف الرئاسة الأفغانية أن الغلبة للدواعش لا للقاعدة، بيد أنها تربط ذلك برحيل بن لادن نفسه، فما الذى فعله خليفته، المصرى أيمن الظواهرى فى إرثه الدموى؟

الإجابة على السؤال السابق، تستدعى العودة إلى الوراء سنوات قليلة.

فحينما، حلقت طائرات رسل الموت القاعديين فى سماء نيويورك لتضرب برجى التجارة العالميين قبل نحو 17 عامًا، فى أكبر وأخطر عملية إرهابية فى العصر الحديث، كان الزعيم، أسامة بن لادن، متخفيًا فى كهوف باردة بين أفغانستان وباكستان.

الظواهرى

الأسطورة كانت فى أوجها بالنسبة لزعيم القاعدة الراحل.. الأب الروحى للإرهاب الدينى العالمى آنذاك، يقبع فى الصحارى والوديان، ويتنقل بين الكهوف والجبال والمغارات، بينما جنوده يتحدون الإمبراطورية بغضب قادم من السماء.

صور بن لادن فى احتفالات بين أنصاره، ربما كانت التقطت قبل واقعة الموت القادم من السماء بسنوات قليلة، ناهيك عن مشاهد تجواله ممتطيًا حصانًا، أو وهو يصوب كلاشينكوف فى الفراغ، وكذا أحاديثه الصوتية وفيديوهات عدة تحدث فيها بلغة رصينة متحفزة تجاه الغرب والأمريكان، جميعها منحته هالة الألق، وجعلته حلمًا لعشرات الهائمين فى أجواء استعادة الجهاد الإسلامى بحثًا عن إقامة شرع الله على الأرض وتأسيس الطبعة الجديدة من دولة النبوة، بالطبع وفق رؤية متطرفة راديكالية تقدس فقه البادية المعتم.

حتى تفاصيل اصطياده من قبل فرقة كوماندوز أمريكية، فى مسكنه ببلدة صغيرة بباكستان، قبل 7 سنوات، وتحديدًا مطلع مايو من العام 2011، وإعلان الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما نبأ قتله كانتصار كبير للولايات المتحدة، قبل تسريب مشاهد للأخير ومساعدينه وهم يتابعون العملية على الهواء مباشرة، فى بث حى جاء إليهم فى واشنطن، إنما زادت من ترصيع أيقونة بن لادن وسط الجهاديين بمزيد من آيات التفرد والقداسة، ولما لا وقد قضى نحبه بينما يقف ممسكًا بسلاحه لرد المعتدين عليه من جنود العم سام.

أترى هل حافظ سلفه، أيمن الظواهرى، على أسطورة الزعامة تلك؟.. لا يبدو ذلك على الإطلاق.

داعش

بالطبع، شهد العالم تغيرات لا حصر لها فى تلك الفترة، لم تساعده على مواصلة نهج بن لادن فى القيادة المبهرة، لعل أبرزها زلزال الربيع العربى، وما تلاه من تفجر موجات من العنف والصراع الأهلى المسلح، فى العديد من البلدان، وعلى رأسها ليبيا وسوريا واليمن، وما واكب ذلك من صعود غير مسبوق لتنظيمات وخلايا عنف لا أول ولا آخر لها، منها ما هو قاعدى الهوى، ومنها ما هو أكثر تطرفًا، وبخاصة فى مساحات تضخيم وتوسيع آليات التكفير تجاه صنوف البشر من المسلمين وغير المسلمين، وكذا شرعية استهداف المدنيين الأبرياء، وأولويات مواجهة العدو القريب أو البعيد، وأيهما أولى بالتركيز.. تأسيس دولة خلافة تتزايد مساحتها يومًا بعد آخر بقوة السلاح، على غرار ما فعله داعش، أم الأحرى أولًا مجابهة طواغيت العالم ودحرهم والانتصار عليهم ثم إعلان تلك الدولة، حين تصبح الأجواء مهيأة.

جميعها ظروف وتغيرات ربما لم تمنح الظواهرى مساحة للظهور الفاعل، وبخاصة أن المشهد تكدس حول القاعدة بمنافسين كثر، قبل أن تتصاعد الظاهرة الداعشية بانتصارات فاعلة ومتوحشة على الأرض، سحبت البساط بشدة من القاعدة كتنظيم مركزي، ولم يعد له صدًا إلا فى بعض فروعه المهمة فى اليمن وبلاد المغرب والصحراء الإفريقية جنوبها، بيد أن جيوش الذئاب المنفردة، وإن كانت أصلها قاعدى ومؤسسها رجل التنظيم القوى الراحل، أنور العولقي، كانت عامل حسم فى الإجهاز على فاعلية خليفة بن لادن، حيث أن ولاءاتها، ومن ثم ضرباتها الموجهة التى أدمت العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه، انحازت لخلافة أبو بكر البغدادى.

فى عهد الظاهرى انفصلت عشرات التنظيمات التابعة للقاعدة عن التنظيم، وبايعت الدواعش.

الدواعش بدورهم لم يترددوا يومًا فى الهجوم على الظواهرى، بل ووصل الأمر إلى تكفيره من جانب بعضهم، وإن كانت أصوات فى الدولة الإسلامى - داعش - عادت عن ذلك ونفته.

تفجيرات داعش بالعراق

لكن الثابت، أن المتحدث الراحل باسم الدولة الإسلامية، أبو محمد العدنانؤ، قال صراحة إبان اشتعال الصراع بين الدواعش "حين كان اسمهم الدولة الإسلامية فى العراق والشام" وجبهة النصرة فى سوريا، إن "الظواهرى وتنظيمه انحرفا عن منهج بن لادن، وحرفوه، وأساؤوا الظن، وقبلوا بيعة المنشقين، وشقوا صف المجاهدين، وبدأوا بحرب دولة للإسلام، قامت على دماء وجماجم الموحدين، الدولة التى مدحها قادة الجهاد أجمعون، وأيدوها، وأصّلوا لمشروعيتها سنينَ بعد سنين، فى السر والعلن، بل وحتى الذين يحاربونها اليوم؛ بلغ بهم الأمر أن ينظموا بها وبأميرها وجنودها القصائد، ويعترفوا بفضلها".

المثير أن العدنانى صك هجومه على الظواهرى آنذاك فى بيان، وقع عليه إلى جانبه رموز قاعدية كبيرة سابقة، مثل أبو عبيدة اللبنانى، أبو المهند الأردنى، أبو جرير الشمالى، عبد العزيز، شقيق الشيخ أبى محمد المقدسى، وأبو يونس الكردي، وأبو عائشة القرطبى.

بل أن نفر من رمز الدواعش فى سوريا والعراق، اعتبروا الظواهرى مرتدًا لمحاربة رجاله فى النصرة لهم، بل وحاول نفر من الدواعش الثقات أيضًا نسج المبررات الشرعية لتكفير زعيم القاعدة رغم عن قياداته كانت عادت فى ذلك كما أشرنا قبلًا.

قوات التحالف الدولى ضد داعش

لا يجب إغفال، أن شخصية الظواهري، وهو جهادى مصرى سابق كبير، من أسباب عدم تمتعه بالزعامة المطلوبة، إذ أنه أقرب للمنظر الفقهى منه إلى القائد العسكري.. فقرراته وتوجهاته وخططه واستراتيجياته ذات طبيعة غير حاسمة وغير مؤثرة، والأخطر أنها تظهره فى ثوب الضعيف.

فى المحصلة، يبدو الرجل فى أوج خريفه.. كاريزما الأب الروحى الراحل للقاعدة، بن لادن، لم تجد أى امتداد لها مع الظواهرى.. اليوم يعلن الأخير مرة بعد أخرى، وبصور شتى أغلبها غير مباشر، أنه ينسحب تدريجيًا وربما نهائيًا من حلبة الزعامة المطلقة.

حين يصبح طوق النجاة لبقاء الظواهرى فوق كرسى رمزى لقيادة جهاد العالم، كان يعرف يومًا بعرش قاعدة الجهاد بمفهومها العابر للحدود أو العولمى الواسع، هو التمسح فقط فى كل خطى بن لادن القديمة، فلا يعنى ذلك إلا أن رصيد تأثيره قد نضب، وتلك واحدة.

أما الثانية، فترتبط بغياب الأدوات الفاعلة لديه للإيحاء حتى بزعامة ورقية، فحين يقبل على نفسه أن يخرج حمزة، نجل بن لادن الشاب، وفى حضرته شخصيًا، ليدعو القاعديين للتوحد تحت رايته هو لا غيره، فذلك إنما يمثل دليلًا قطعيًا على أن الرجل وقبل غيره لم يعد يرى فى نفسه مصدرًا لإلهام، حتى أن شابًا مندفعًا أو موهومًا بسيرة والده، تجرأ عليه وأعلن استعداده لخلعه من كرسيه العالي، ليرتقيه بدوره.

ومنذ متى صار لزامًا على زعيم القاعدة تقديم رجاءات تحمل كيرًا من المذلة لأى فصيل منضويًا تحت رايته، حتى لا ينفصل عنه؟..

تنظيم القاعدة

الظواهرى فعلها.. ناشد بمهانة غير مسبوقة جبهة النصرة السورية (تحول اسمها إلى جبهة فتح الشام حاليًا)، ألا تترك بيعته أو تعلن انفصالها عن التنظيم الأم، بحثًا عن دور سياسى بعيدًا عن حمل السلاح فى معادلات المشهد السورى التى يتم الإعداد لها حاليًا.

المثير أن النصرة، وزعيمها أبو محمد الجولاني، وبمساندة من جهاديين مصريين كبار، مثل أحمد سلامة مبروك ورفاعى طه (لقيا حتفهما فى استهدافيين من قبل طائرات أمريكية بدون طيار فوق الأراضى السورية)، تجاهلا توسلات الظواهري، ومن ثم تم إعلان انفصال الجبهة التى تصنفها وسائل إعلام ومراكز بحثية واستخبارات غربية، باعتبارها أقوى الجماعات المسلحة فى سوريا، عن تنظيم القاعدة أو أى "كيان خارجى آخر"،. قبل أن تغير اسمها إلى "جبهة فتح الشام".

المفارقة، أن إعلان انفصال النصرة شهد الظهور العلنى الأول لأبو محمد الجولانى، فى إشارة إلى تنصيب نفسه كزعيم ربما يكون موازيًا لزعيمه السابق، أيمن الظواهرى.

جبهة النصرة

وحتى تجديده البيعة من قبل الظواهرى لطالبان الأفغانية، وزعيمها الجديد هيبة الله أخندزاده، عبر فوق صفعات مهانة عدة كانت وجهتها الأخيرة تحت زعامة قائدها السابق الملا أختر منصور للقاعدة وزعيمها العاجز فى الفترة الماضية، ناهيك بـ"حشر اسم بن لادن" فى الحكاية لعله يكون جواز مرور لرضا الحركة المسلحة.

الظواهرى قال فى تسجيل بيعته لهيبة الله أخندزاده نصًا "استمرارًا على طريق الجهاد وسعيًا فى جمع كلمة المجاهدين واقتداءً بقادتنا الشهداء.. فإنى بوصفى أميرًا لجماعة قاعدة الجهاد أتقدم إليكم ببيعتنا لكم مجددًا نهج الشيخ أسامة بن لادن فى دعوة الأمة المسلمة لتأييد الإمارة الإسلامية وبيعته".

أى إمارة يتحدث عنها الظواهرى قد تحمل ثقلًا لدى طالبان التى رفضت كل مطالبه الملحة لنقل عملياتها المسلحة بالتعاون مع القاعدة إلى خارج أفغانستان، متشبثة بأنها حركة قومية من البشتون، ولن تغادر حدود بلادها الأم..

المنظرون الكبار فى القاعدة، وبخاصة الشرعيين منهم، يناشدون الأفرع الشريكة أو تلك المندمجة مع التنظيم، للانفصال طالما أن تأثيراتها المحلية تتأثر بارتباط لم يعد ضروريًا مع جماعة كانت يومًا نافذة الفزع الأولى فى العالم، قبل أن يحل الدواعش محلها بجرأة غير معهودة، وبتأسيس خلافة لم يجرؤ حتى بن لادن نفسه لا على الجهر بها، وإنما حتى على التفكير فيها، باعتبارها موضوعًا مؤجلًا.

عشرات الدعاوى حثت النصرة - فتح الشام على وجه التحديد على التقوقع فى الداخل المحلى السورى بالتبرؤ من بيعة القاعدة كما أشرنا، بيد أن التكييف السياسى والشرعى لتلك الخطوة ينهل من تجربة الأعداء.. "الدواعش" إذ أنهم يمثلون الانشقاق الأكبر والأكثر نجاعة فى تاريخ تنظيم بن لادن، وهو الامر الذى حدث فى عهد الظواهرى أيضًا.

زعيم جبهة النصرة

استحضار الظواهرى لرفاقه المصريين القدماء، كمحمد شوقى الإسلامبولى وعبد العزيز الجمل وسيف العدل ورفاعى طه - قبل مقتله -، لتوحيد راية الجهاد السورى مجددًا تحت مظلة القاعدة، هو أيضًا من دلائل الفشل المريع.

هؤلاء لديهم بالقطع تأثيرات نفسية كبيرة على القواعد باعتبارهم شيوخًا تاريخيين، لكن بصمتهم تظل روحية، أكثر منها حركية.. جبل اليوم يطلب لنفسه الزعامة دون تحرج.. نجل بن لادن قال وكتفه بكتف الظواهري: أدعوكم لتثبيتى قائدًا فى وجه الدواعش الخوارج.

الظواهرى المأزوم ينفض الجميع من حوله رويدًا رويدًا، إلا من حالمين قلائل كالمصرى المنشق عن أنصار بيت المقدس، هشام عشماوى، الذى يبدو أن تمسكه بالقاعدة هو فى حد ذاته أداة تعبير من جانبه لرفض الدعشنة.. بمجرد أن تحول أنصار بيت المقدس ببيعة مطلقة لأبو بكر البغدادي، إلى دواعش سيناء، غادر عشماوى التنظيم بغير رجعة، قبل أن يصب جام جهده فى مواجهة رجال الدولة الإسلامية، والساحة الليبية ليست ببعيد ومدنها شاهده على ذلك.

وتبدو السياسة العالمية التى تديرها واشنطن وحلفاؤها فى أوروبا، مصرة على حصر الإرهاب العالمى فى الظاهرة الداعشية المفزعة، وذلك لتحقيق مكاسب محلية أو عابرة للحدود تعتمد فى الأساس على الاستفادة من جنونية ظاهرة الذئاب المنفردة، وجنود الخلافة الشرسين فى أرض سوريا والعراق.

بوتين وترامب

أضف إلى ذلك، أن صراع الزعامة الدولى بين روسيا وأمريكا، يريد التنظيم الأكثر حيوية: داعش، لاستخدامه كمدخل لتصفية الحسابات وتعديد المكاسب، وبخاصة فى منطقة الشرق الأوسط الملتهبة، ما يعود تلقائيًا بسحب بساط الاهتمام من الظواهرى، ناهيك بضرب مصالحه وزعامته الروحية المنهارة أصلًا، ولو بصورة غير مباشرة.

فمثلًا، البعض يرى أن واشنطن تجهض التسويقات التركية لجبهة النصرة فى ثوبها الجديد: جبهة فتح الشام، التى أكدت محليتها واستعدادها للاتساق مع المستقبل السورى السياسى بعد نهاية الحرب.

يبدو أن أنقرة كانت تريد تجهيز بدائل ولائية يمكن استخدامها فى سوريا بدلًا من الأكراد الذين تراهن عليهم واشنطن رغمًا عن أردوغان وسياساته.

ربما كذلك أراد الأمريكان إجهاض عملية إعادة القيادات المصرية الجهادية إلى الواجهة لما فى ذلك من خطورة، نظرًا لما يتمتع به هؤلاء من تأثير روحى كبير على مختلف الفصائل المسلحة الجديدة، ومن علاقات تاريخية مع زعيم القاعدة الحالى.

الظواهرى والبغدادى

فسلامة مبروك قتل، بعد فترة وجيزة من ظهوره كتفًا بكتف الجولاني، فيما كانت تصاعد تلميحات عدة أن رفاعى طه كان قد ارتقى فى الفترة السابقة على اغتياله كرسى القيادة فى أحرار الشام، خلفًا لقائده السابق حسان عبود، الملقب بأبى عبد الله الحموى، أو مهند المصرى، الذى قتل وسط جمع من أقرب معاونيه فى سبتمبر من العام 2014.

وفق تلك الشواهد فإن ذلك يعنى أن حركة الجهاد الإقليمى كانت فى طريقها مجددا إلى القيادة المصرية بعد سنوات من تراجع رموز الأخيرة عن الصعود إلى أعلى سلم تنظيمى فى تلك الكيانات، فيما كان مبروك وطه، كلمة السر فى ذلك، قبل أن يتم وضع كلمة النهاية لهما فى قصفين أمريكيين، ومن ثم تم تغييب أسماء ربما كانت قادرة على منح الظواهرى بعضًا من الزخم، ولو كانت لا تعمل تحت إمرته، فعلى أقل تقدير، ربما كانت منحته التوقير المفقود، ولو بشكل رمزى لكونه خليفة بن لادن ورفيق الأمس على الأرضى المصرية.

عمومًا، وبمختصر الكلام، فإن زعيم الظواهرى غارقًا فى ورطته الشخصية.. ورطة العجز عن التأثير والإلهام.. واحتمالية أن يفقد موقعه حتى على رأس القاعدة صارت كسيناريو يلوح فى الأفق.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً