جيبوتى
لا تزال الأخطار تطل برأسها من كل جانب.. هذه المرة تهدد المدخل البحرى الجنوبى لمصر، وتحديدًا عند باب المندب جنوبى البحر الأحمر، فيما أن كلمة السر فى ذلك تكمن فى ذلك الصراع الاقتصادى العسكرى على دولة عربية صغيرة هى "جيبوتى".

ما الذى تمثله جيبوتى من مخاطر على مصر؟..
الإجابة على ذلك السؤال تستدعى أولًا تشريح الوضع السياسى والاقتصادى للدولة الصغيرة كى تتضع الصورة جلية ويتم بيان الربط بينها وبين المحروسة دون رتوش، فمع شروع الدول عبر منطقة القرن الإفريقى فى تنفيذ برامج طموحة لجذب الاستثمارات الأجنبية، تبدو جيبوتى خيارًا مستقرًا ثابتًا وسط منطقة مضطربة.
فما هى كل المخاطر؟
تقرير جديد من شركة Allan & Associates الاستشارية المعنية بالمخاطر السياسية والأمنية، حصلت "اليوم الجديد" على نسخة منه، يقدم الإجابة الشافية فى هذا الصدد.
عندما اجتمع مسؤولو بنك التنمية الأفريقى فى بوسان بكوريا الجنوبية، (21 مايو الماضي)، برزت بشدة تفاصيل فرص الاستثمار الأجنبى الجديدة فى إفريقيا.

لقد أثبتت جيبوتي، التى تسعى إلى أن تصبح مركز الشحن العابر بمنطقة القرن الأفريقي، جاذبيتها وجدارتها أمام المستثمرين فى السنوات الأخيرة. ففضلاً عن موقعها المتاخم لبعض الممرات البحرية الأكثر ازدحامًا فى العالم، مع إمكانية الوصول إلى المحيط الهندى والبحر الأحمر، فمن دواعى فخر هذه الدولة أنها تنعم بعقود من السلام والاستقرار السياسى، على عكس جيرانها بما فى ذلك، الصومال المقسم، وإريتريا الغامضة، واليمن الذى تمزقه الحروب.
يقول أوليفييه ميلاند، كبير المحللين والمتخصص فى شؤون منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، الذى أعد التقرير "تتميّز جيبوتى ببيئة جذابة للمستثمرين فى منطقة القرن الإفريقي، لكن ينبغى توخى الحذر فى كيفية دخولها ومزاولة الأعمال بها".

لكن ومع ذلك، تدل المؤشرات على وجود مخاطر استثمارية كبيرة فى جيبوتى بحسب تقييم "Allan & Associates"..
وتشمل هذه المخاطر ما يلى..
- تزايد المخاوف من الفساد مع تراجع البلاد فى المؤشرات الدولية للشفافية والحوكمة.
- إمكانية أن تشهد المنافسة الإقليمية على العقود محاولة النُخب القومية الحصول على إيجارات من المستثمرين الأجانب.
- ضعف مؤشرات الاقتصاد الكلى، حيث بلغ الدين العام 87% من الناتج المحلى الإجمالى فى عام 2018.
- الاعتماد المفرط على إثيوبيا المجاورة حيث تمر 95% من الصادرات الإثيوبية عبر ميناء جيبوتى – والصين، إذ تُعدّ أكبر مصدر للاستثمار الأجنبى.
- قابلية التعرض للاتجاه الحمائى العالمى الذى يقوده رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب بسبب الاعتماد على حركة الموانئ.
- تهديد الخلافات بين دول الخليج لاستقرار الاستثمارات.
- المخاوف من إعادة التفاوض على العقود بموجب قانون جديد وعملية توطين.

يقول ميلاند: "إن تغيير الديناميكيات الجيوسياسية فى المنطقة، وسط السياسات الحمائية فى الولايات المتحدة، ووجود الخلافات بين دول الخليج، أمور تطرح تحديات إضافية أمام المستثمرين".
وفى السياق ذاته نشرت شركة EXX Africa التى تملك الموقع الإلكترونى https://www.

وحسب التقرير وللوهلة الأولى، تبدو جيبوتى وجهة استثمارية جذابة فى منطقة القرن الإفريقى المضطربة. ويدعم الاستقرار السياسى الظاهر للبلاد وجود قواعد عسكرية أجنبية متعددة وانخفاض التعرض للتهديدات الأمنية الإقليمية بشكل نسبى.

يقول التقرير: إن موقع جيبوتى الاستراتيجى بالقرب من أكثر ممرات الشحن ازدحامًا فى العالم، والذى يُمكِّنها من التحكم فى الوصول إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي، لا يزال مصدر جذب للاستثمارات من المستثمرين الأفارقة والغربيين والآسيويين والخليجيين، ولا سيما فى قطاعات الأعمال البحرية، والبناء، والطيران، والوقود، والدفاع.
مع ذلك، فقد أثار الإلغاء رفيع المستوى لامتياز محطة ميناء فى وقت سابق من هذا العام تساؤلات حول موقف جيبوتى من الاستثمار الأجنبى.

ومن ناحية أخرى، تتزايد النزعة القومية لدى الحكومة بشكل كبير، ويبدو أنها تشجع تدخلات الدولة فى الاقتصاد.
فى الوقت نفسه، تميل جيبوتى إلى شركاء التنمية المفضلين، ويمكن القول أنها تنتهك الترتيبات التعاقدية القائمة، ومن المرجح أن تؤدى مثل هذه التدخلات إلى ردع الاستثمار الأجنبى فى قطاع الخدمات، فى حين أن الموارد الطبيعية لجيبوتى لا تكاد تذكر.
علاوة على ذلك، فى حين فاز الرئيس الحالى بولاية رابعة فى منصبه فى انتصار انتخابى ساحق منذ عامين فقط، فإن المعارضة التى أُعيد تنشيطها تُقاطع الآن الانتخابات المحلية وتصر بصراحة على الإصلاح السياسى، وقد تبنت قوات الأمن نهجًا قاسيًا لفرض النظام على أنصار المعارضة ونشطاء حقوق الإنسان.
وعبر قمع حرية التعبير والحقوق السياسية، زادت الحكومة من حدة الولاءات العرقية المتصدعة وزاد ذلك من احتمال وقوع التمرد المسلح، كما أن عدم وضوح الرؤية بشأن خلافة الرئيس يُشعل أيضًا التنافس الداخلى ويعيق توقعات السياسة على المدى الأطول.

وبالنظر إلى أن اقتصاد القطاع العام المنتفخ فى جيبوتى يعتمد على شريان حياة مالى أوجدته القوى الإقليمية، وبالنظر إلى إخفاقه فى التنويع من قطاع خدمات الموانئ، فإن إمكانات الاستثمار فى البلد محدودة فى الواقع.
علاوة على ذلك، تشير التدخلات القومية فى الاقتصاد وضعف الاستقرار السياسى إلى أن إمكانات الاستثمار فى جيبوتى محض مبالغات ولا يمكن تحملها.

على هذا النحو، ومع تراجع الميزات الاستثمارية فى جيبوتى على وقع تراجع السياسة الاقتصادية الناضجة فيها، فضلًا عن الاضطرابات السياسية التى تلوح فى الأفق داخلها، باتت قوى إقليمة ودولية وعلى طريقة صراع الأفيال تطمع فيها علانية، كمركز نفوذ عسكرى عند باب المندب، وهو ما يمثل مخاطر استراتجية جامة على مصر، إذا ما تمكنت دول من السيطرة على الممر المائى المهم الذى يتحكم فى الملاحة القادمة أو الذاهبة إلى قناة السويس، فضلًا عن العمق العسكرى البحرى للمحروسة فى تلك البقعة الملتهبة من العالم.
السؤال الآن، هل تصبح جيبوتى ساحة حرب أمريكية "إسرائيلية بالتبعية" صينية مفتوحة وغامضة فى آن واحد فى القرن الإفريقى؟ سؤال بات هو الشغل الشاغل للجميع الآن، وذلك فى أعقاب حادثة غريبة وقع قبل أسابيع قليلة ولم ينتبه لها كثيرون.

ترامب
وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية، البنتاجون، أن صينيين وجهوا أشعة ليزر لعدد لا نهائى صوب طيارين أميركيين يقلعون من قاعدة اميركية فى جيبوتى، وقدمت واشنطن شكوى رسمية لبكين للتحقيق فى الأمر.
فيما تشير التقارير إلى أن الحادثة تعد الأولى فى حرب محتملة بين البلدين ولو على نحو غير مباشر. ولدى أمريكا قاعدة عسكرية فى جيبوتى، فيما افتتحت الصين واحدة العام الماضى.

بيد أن انتقال بكين إلى تلك البقعة الحيوية من العالم فى مواجهة مضيق باب المندب، إنما يثير قلق عدد من العواصم العالمية، وعلى رأسها نيودلهى على وجه التحديد، من أن تصبح جيبوتى جزءا آخر من "سلسلة اللؤلؤ" الصينية التى تضم تحالفات عسكرية وعتادا يطوق الهند وأيضا بنجلادش وميانمار وسريلانكا.
كانت بكين شرعت فى العام الماضى فى إقامة قاعدة لوجستية فى جيبوتى التى تحتل موقعا استراتيجيا لإعادة تزويد السفن البحرية المشاركة فى مهام حفظ السلام والمهام الإنسانية بالوقود قبالة سواحل اليمن والصومال على نحو خاص.

الرئيسان الأمريكى والصينى
وتصر الصين على وصف قاعدتها العسكرية الخارجية الأولى بأنها منشأة لوجستية، بحسب تقرير شهير مشترك لوكالة "رويترز" ووكالة الأنباء الألمانية، ترجمه كاتب تلك السطور، فيما تبررها جيبوتى بأنها تأتى لمواجهة القرصنة، حيث تقع على أحد أرصفة ميناء جيبوتى الجديد الذى يجرى بناؤه.
غير أن قوى أسيوية ودولية كبيرة كالهند والولايات المتحدة الأمريكية تراقب الأمر عن كثب وبكثير من القلق، وبخاصة أن الموقع الحيوى للبلد العربى الإفريقى العربى الصغير، إنما يضاعف حتمًا من أهداف أى تواجد عسكرى لأى دولة فيه.

الرئيس الجيبوتى
ووفق تقرير رويترز والوكالة الألمانية، يظل الموقع الاستراتيجى لجيبوتى فى مواجهة مضيق باب المندب، هو سبب جذبها أنظار الطامحين فى تواجد مؤثر بتلك المنطقة، فإلى جانب أهمية المضيق من الناحية العسكرية، فإن له أهمية اقتصادية كبرى أيضًا، فهو أحد أهم نقاط العبور البحرى التى تستخدمها حاملات النفط فى العالم، حيث يمر به ما يقرب من 4.7 مليون برميل من النفط يوميا، ويبلغ عرضه 28.9 كيلومتر فقط عند أضيق نقطة منه، والتى تمتد من رأس سيان فى جيبوتى إلى رأس منهالى فى اليمن.
علاوة على ذلك، يُـشكّل مضيق باب المندب الفاصل بين اليمن وشبه الجزيرة العربية من جهة، وبين سواحل إفريقيا الشرقية من جهة أخرى، نقطة عبور البضائع من وإلى آسيا عبر المحيط الهندى وخليج عدن ودول البحر المتوسط والبحر الأحمر وخليج العقبة بمن فيها مصر والسعودية والأردن.

وسبقت الصين فى تأسيس قواعد عسكرية بجيبوتى دول عدة، حيث، منها فرنسا التى أنشأت قاعدة ليمونيير بالقرب من مطار جيبوتى الدولى، وهى مستخدمة أيضًا من قبل الولايات المتحدة، وسبق أن استخدمتها باريس فى ضرباتها بمالى، ناهيك بكونها مركزًا لانطلاق الطائرات بدون طيار التابعة لسلاح الجو فى الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ عمليات اغتيال ضد المتشددين وتنظيم القاعدة وأحيانًا القراصنة فى الصومال واليمن.
وكانت اليابان أسست فى العام 2011 قاعدة عسكرية فى جيبوتى على الجانب الشمالى من مطار العاصمة، بهدف معلن هو "محاربة القراصنة الصوماليين، حيث تضم القاعدة مطاراً وميناءً، وتُنشر فيها طائرات من طراز "P-3C"، ودخلت المملكة العربية السعودية على الخط، وأعلنت فى مارس العام الماضى، عزمها تأسيس قاعدة لها بجيبوتى لضبط الوضع فى منطقة باب المندب والسواحل المواجهة لليمن فى ظل اللعب الإيرانى غير النظيف هناك.
هكذا تداعت الظروف جنوب البحر الأحمر، وصار لزامًا على مصر التحرك مباشرة نحو جيبوتى لتحافظ على نفوذها التاريخى فى تلك البقعة الغائمة.