ترامب ورئيس كوريا الجنوبية
ما قامت به كوريا الشمالية فى الآونة الأخيرة من خلال الهدنة مع جارتها الجنوبية، والتقارب من الولايات المتحدة، ليس سوى خطوة لإنهاء العزلة الإقليمية عنها.
سياسة الاسترضاء التى انتهجتها بيونج يانج تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، تشكل اختبارا للقوى الإقليمية، والتى ستحدد مستقبل العلاقات الدولية، وهل سيصب التقارب فى مصلحة واشنطن أم سيربكها ويجعلها تتخلى عن حليفتها الجنوبية؟
فحينما نبحث عن البدايات، نجد أن كوريا الجنوبية اتبعت سياسة "الشمس المشرقة" بهدف تعزيز التواصل الاقتصادى والسياسى بين الكوريتين لإحلال السلام فى المنطقة.
و"الشمس المشرقة" هى سياسة كوريا الجنوبية الخارجية تجاه كوريا الشمالية منذ 1998، حيث أدت إلى مزيد من التواصل السياسى بين الدولتين وعدد من العلامات التاريخية الهامة فى العلاقات الكورية - الكورية.

لكن هناك مخاوف لدى قيادة سول من تخلى الولايات المتحدة عنها، خاصة بعد رفع الرئيس دونالد ترامب شعار "أمريكا أولًا"، بالإضافة إلى تهديداته وتصريحاته العنصرية التى تتسم بالرعونة والتعالى، وبالتالى فإن الحماية الأمريكية لم تعد مضمونة، مما دفعها إلى محاولات التقارب مع كوريا الشمالية، بحسب الخبراء.
على جانب آخر، هناك تحفظات صينية من التقارب الكورى الشمالى الأمريكى، وهو ما دفعها إلى منع تصدير بعض المشتقات البترولية لبيونج يانج، بالإضافة إلى منع استيراد بعض المنسوجات، وحظر استيراد الحديد والرصاص والمنتجات البحرية.
أضف إلى ذلك، أن إدارة كيم جونج أون لكوريا الشمالية لا تلقى قبولا لدى الصين، نظرا لقتل الأخير للكثير من المسئولين لينفرد بالحكم، عكس والده الذى كان يحرص على الوصول إلى المكاسب الاقتصادية من خلال المفاوضات،.
وسرعان ما وجدت كوريا الشمالية نفسها فى خطر حقيقى نتيجة تزايد وتيرة العقوبات، وتراجع دعم حليفها القوى، فلم يكن أمامها حل آخر سوى إعلان هدنة مع جارتها من ناحية وعدوتها "واشنطن" من ناحية أخرى، حتى وإن كان بشكل مؤقت.

يمكن اعتبار أن هدنة بيونج يانج، ما هى إلا خطوة تكتيكية لتفادى ضغوط دولية تأتى من حلفائها، ولتحقيق مكاسب اقتصادية، وتغيير صورتها فى المجتمع الدولى، خاصة وأنها لا تزال مستمرة فى تطوير برنامجها النووى.
الخطر هنا الذى نشير إليه أنه إذا لم تحقق كوريا الشمالية المكاسب التى ترجوها على الصعيد الاقتصادى، فستلجأ للتصعيد مرة أخرى، وهو ما قد يؤدى إلى تنفيذ تهديدات الولايات المتحدة المستمرة بتوجيه ضربة عسكرية محدودة لكوريا الشمالية، ولن تكون مدمرة، لكنها ستكون بمثابة إنذار أخير للتراجع عن أى نهج تصعيدى.
السؤال هنا.. هل تتخلى الصين عن حليفتها كوريا الشمالية؟
تمتلك الصين وكوريا الشمالية تحالفا قويا، وذلك منذ الحرب الكورية، وتعتمد الأخيرة على الدعم التجارى والدبلوماسى من بكين، رغم أن العلاقة بينهما كانت دائما غير مريحة، بحسب شبكة "سى إن إن".
ووفقا للإذاعة، فإن النظام الكورى الشمالى يرفض لعب دور الأخ الأصغر للصين، وهو ما دفعه إلى فرض نفسه على الساحة العالمية، وعقده قمة مع الرئيس الكورى الجنوبى مون جاى إن، والرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
ففى الوقت الذى لعبت فيه الضغوط الاقتصادية التى وقعتها الصين دورًا محوريًا فى إجبار كيم على الجلوس على طاولة المفاوضات، تزايدت مخاوف بكين من موافقة زعيم بيونج يانج على توقيع صفقة تقربه من أعدائها القدامى.
تونج تشاو الخبير فى السياسة النووية بمركز "تسينجهوا كارنيجى" للسياسة العالمية، قالت: "فى بكين، هناك قلق بالغ فى الدوائر السياسية الصينية، من احتمالية قبول الولايات المتحدة كوريا الشمالية كحليف نووى لها، أو على الأقل كدولة صديقة".
وزادت المخاوف نتيجة العلاقات المتوترة بين الصين والولايات المتحدة، فى الوقت الذى تصطدم فيه إدارة ترامب مع الرئيس الصينى الجرىء شى جينج، بسبب التجارة.
واليوم الصين قلقة للغاية، لدرجة اعتقادها بوجود مؤامرة، وذلك نتيجة القلق والشكوك فى مصداقية كل من الولايات المتحدة وكوريا الشمالية.
الحقيقة هنا أن الصين ترغب دائما فى الحفاظ على علاقة طبيعية ومستقرة مع كوريا الشمالية، كما أنها ليس لديها خلافات معها فى أى قضية ما عدا القضية النووية.
على جانب آخر، أشار دويون كيم زميل منتدى "مستقبل شبه الجزيرة الكورية فى سيول" إلى أن الصين لا تحب أن ترى الصورة الحالية للكوريتين وتتوسط بينهما الولايات المتحدة دون الصين".
التخوف الصينى هنا نابع من انهيار الاقتصاد فى كوريا الشمالية، والذى سيترتب عليه تحميل بكين رعاية اللاجئين الفارين عبر الحدود من ناحية، إضافة إلى أن التقارب الأمريكى مع بيونج يانج سيعيد توحيد الشمال مع الجنوب المتحالف مع الولايات المتحدة.
خلاصة القول إنه فى حال أراد المجتمع الدولى إحلال السلام والابتعاد عن الأهواء الشخصية، يجب تشجيع كوريا الشمالية من خلال رفع بعض العقوبات واستئناف حركة التبادل التجارى، حتى تعود بيونج يانج مجددا إلى الحضن الدولى.