الاستخبارات الألمانية
ماس تابع أن "المعاناة التى تسبب فيها الجناة لا يمكن التعويض عنها بأى شكل من الأشكال، أما الضحايا فسيظلون خالدين بالذاكرة".
أعلاه كان تعليق وزير الخارجية الألمانى على الحكم على أعنف جماعة يمينية متطرفة فى بلاده خلال العقود الثلاثة الماضية.

وزير الخارجية الألمانى هايكو ماس
وكان وفق وكالة الأنباء الألمانية تم الحكم مؤخرًا على زعيمة خلية "إن إس يو" اليمينية المتطرفة، وتدعى بياته تشيبه، بالسجن مدى الحياة بينما تفاوتت الأحكام على عدد من عناصرها الأساسية أو المساعدة بين سنتين و3 سنوات.
حسب الوكالة استهدفت الخلية قبل 10 سنوات 9 من الأتراك واليونانيين والإيرانيين المهاجريين؛ حيث تم تصفيتهم جميعًا ودون أى مبرِّر، كما وقفت الخلية خلف عدد من التفجيرات وعمليات السطو المسلح فى عدد من الأسواق.
المثير أن الاستخبارات الألمانية الداخلية، فضلًا عن الشرطة الاتحادية، فشلت فى التوصل إلى أى خيط يقودها لسر العمليات التى استهدفت الضحايا، قبل أن تكشف الخلية عن نفسها فى فيديو مصوّر دعائى.

الشرطة الألمانية
وبعدها تم إلقاء القبض على مراهق كان له دور مساعد فى العمليات، حيث كشف عن سيل هائل من المعلومات أدت إلى سقوط كل عناصر العصابة الإرهابية.
وتقول وكالة الأنباء الألمانية إن الخلية تعدّ من أخطر رموز اليمين المتطرف فى ألمانيا وأوروبا خلال العقدين الأخيرين، ولن يتم وفق الوكالة أيضًا الإفراج عن زعيمة الخلية البالغة من العمر 43 بعد 15 عامًا، كما هو معتاد فى أحكام السجن مدى الحياة بألمانيا، نظرًا لجسامة ما قامت به من جرائم.
الأحكام المغلظة على الخلية إنما عكست ذلك الهلع الغربى المتصاعد على نحو غير مسبوق، ليس فقط من الدواعش والقاعديين الإسلاميين، ولكن كذلك من بروز اليسار المتطرف واليمين الشعبوى العنيف والنازية الجديدة الدموية.

المركز الإسلامى فى برلين
هناك أصل غربى جراء توالى موجات المقاتلين المحليين العائدين إلى بلدانهم الأصلية، بعدما انخرطوا فى صفوف داعش والتنظيمات الإرهابية المسلحة بأماكن الصراعات الملتهبة بالشرق الأوسط، خاصة فى سوريا.
المفاجأة، أنه ليس كل العائدين دواعش، أو من ذوى الزبيبة واللحية والجلباب القصير، بل قد يُصدم البعض من أن عددًا منهم من دعاة التحرر الجسدى والجموح العقلى وعلوم ما بعد الميتافيزيقيا.

دواعش
صدق أو لا تصدق، أن من بين العائدين من جبهات القتال فى سوريا شيوعيون وملحدون وأنصار جماعات يسارية، وأخرى فاشية، وثالثة تتصدر النافخين فى الإسلاموفوبيا، أو حتى كانت مدافعة عن البيئة وحقوق المرأة والأقليات.
من بين العائدين من القتال فى حلب وإدلب والغوطة، أو حتى من الموصل وتلعفر، من هم يدخنون السجائر بشراهة، ولا يمانعون فى بعض الجرامات من الكوكايين أو فى الماريجوانا، فى حين يفضل بعضهم الويسكى الاسكتلندى على النبيذ الإيطالى أو السناجريا الإسبانية؟!!
دول غربية ذات ثقل كألمانيا، تعانى صحيح من عودة جهاديين إسلاميين من مواطنيها إليها عقب سنوات من احتراف الدم والقتل والتفجير والتفخيخ وامتهان حرف الأحزمة الناسفة، لكنها وفى الوقت ذاته تشعر بصداع مؤرق جراء العشرات من العائدين من حاملى الفكر الأحمر: اليساريون المتطرفون.

المتطرفون الأجانب فى داعش
المكتب الاتحادى للشرطة الجنائية، حدد قائمة من 38 ناشط وناشطة "حتى منتصف يوليو 2017"، عادوا من سوريا، فيما كانوا يمارسون أنشطة شبه عسكرية متقدمة إلى جانب الميليشيات الكردية "خاصة ميليشيات حماية الشعب الكردية" المحاربة لداعش.
بعضهم تلقى تدريبات عسكرية ميدانية، وآخرون نزلوا إلى ساحات المعارك واشتبكوا مع الدواعش، فيما كانت رصاصاتهم ومقذوفاتهم المصوبة نحو رؤوس عناصر الخلافة المزعومة، تنشد ترانيم المعادة لما يعتبرونه أفيون الشعوب.
ما يضاعف المخاوف الأمنية فى برلين، أن بعضًا من اليساريين المشتبه بهم مصنفين من قبل الهيئات المعلوماتية والاستخباراتية المختصة بأنهم من أصحاب الميول العنيفة.

مجموعة من الأجانب فى داعش
ويتزعم المجموعة الألمانية اليسارية 4 من العائدين، إذ يتعامل معهم الآخرون كقادة ملهمين يمتلكون "ناصية الإيديولوجية"، وهم مؤثرون ونافذون فى الأوساط اليسارية بألمانيا، ومن ثم تخشى السلطات من انعكاس خبرتهم السورية ضد داعش، فى عمليات داخلية مؤلمة.
والتنظيمات اليسارية أو الشيوعية المسلحة ليست بدعة فى الغرب عمومًا ولا فى ألمانيا على وجه التحديد، لعل أشهرها بالنسبة للأخيرة ذلك الذى نشط أوائل السبعينيات من القرن الفائت، واستمرت صدماته الدموية، على مدار نحو 20 عامًا تالية، باسم جماعة الجيش الأحمر(Rote Armee Fraktion).
وفى خارج ألمانيا، هناك العشرات من التنظيمات غير الإسلامية التى رفعت أو لا تزال ترفع السلاح، منها على سبيل الحصر منظمة "إيتا" الإسبانية الساعية للانفصال بإقليم الباسك وتأسيس دولة اشتراكية مستقلة، و"جيش الشعب الجديد"، الذراع المسلح للحزب الشيوعى الفلبينى، و"الجناح العسكرى للحزب الشيوعى الكولومبى - فارك -"، منظمة "جيش الرب المضىء" البيروفية ذات التوجهات الماركسية الصرفة، وغيرها.

داعشيات
بالقطع غالبية تلك التنظيمات تصفها الحكومات بأنها إرهابية، بينما هى فى عيون أربابها ومريديها نوافذ ثورة، فى الأخير وبعيدًا عن التقييم السياسى لها، إنما تعد جميعها كيانات غير إسلامية، وبالأحرى محسوبة على المعسكر الأحمر، رفعت السلاح كأداة فى وجه النظم العسكرية أو اليمنية أو تلك الرأسمالية.
فى المنطقة العربية، هناك تجارب سابقة حاولت محاكات الفصائل اليسارية الغربية المسلحة، منها فى مصر على سبيل الإشارة لا الحصر كل من التنظيم الناصرى المسلح، وكذا تنظيم ثورة مصر.

ألمانيا
التنظيمان تم ضربهما من قبل الأمن فى ثمانينات القرن الماضى، لكن لاعتبارات تتعلق بالتزامات الدولة الخارجية، إذ أنهما وعلى خلاف الجماعات الدينية المسلحة التى كانت ترفع السلاح فى وجه السلطة والحكومة، كانا يستهدفان مواجهة التطبيع السياسى والاقتصادى الرسمى مع تل أبيب، الذى دخل حيز التنفيذ الفعلى فى أعقاب معاهد كامب ديفيد فى العام 1979، وذلك عبر احتشاد مجموعة من الشباب القومجى الناصرى واليسارى فى خلايا صغيرة تنتهج "العنف الثورى" فى سعيها إلى ضرب السياحة والمؤسسات والمصالح والشخصيات الإسرائيلية المتواجدة على ضفاف النيل.
فى لبنان وسوريا وفلسطين، اندمج عشرات الخلايا والتنظيمات اليسارية الاشتراكية والماركسية تحت لواء الجماعات المسلحة، بيد أن هدفها جميعًا كان مقاومة الاحتلال الصهيونى.
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهى حزب يسارى بنكهة ماركسية، أبرز مثال فى هذا الإطار، فنضالها المسلح انصب على عمليات خطف طائرات واغتيالات ونسف مطارات بهدف مقاومة الاحتلال الإسرائيلى.

بشار الأسد
حاليًا، عدد من اليساريين والقوميين العرب، يساندون بشار الأسد سياسيًا، ولا يترددون فى حشد وفود تضم فنانين ومثقفين ونجوم مجتمع لزيارته بدمشق بشكل دورى، ومن بين هؤلاء رموز فى الحزب الناصرى المصرى، بزعم مواجهة قوى الاستعمار الجديد، ودحض كيانات التطرف الدينى.
نعم، لم يتحول هؤلاء إلى أعضاء فى خلايا مسلحة أو شبه مسلحة، لكنهم يعتبرون مبادرات الدعم للأسد ورجاله، ومن ثم التغاضى عن ديكتاتوريته وجرائمه غير الإنسانية، جزءًا من "مقاومتهم الثورية" ضد ما يعتبرونه مؤامرة المصالح بين الرأسمالية وقوى التطرف الدينى.

الحرب على داعش
فى المحصلة، فإن التنظيمات اليسارية المسلحة عربية الطبعة، هى أقرب لكيانات مقاومة ضد عدو يكاد يكون مشتركًا، هو تل أبيب، بيد أن الأمر فى الغرب مغاير إلى حد كبير، إذ أن الهدف فى الأغلب هو تغيير وجه الحكم القائم أو على الأقل الإطاحة بسياساته الجائرة اجتماعيًا.
وفى الحالة اليسارية المسلحة الجديدة، كما هو الحال مع الألمان غير الإسلاميين العائدين من سوريا حيث قاتلوا ضد داعش، فإنهم يوجهون سلاحهم وكهدف رئيسى ضد الجاليات الإسلامية، والتيارات السلفية والجهادية المقيمة أو الوافدة أو حتى ضد المسلمين المهاجرين.
عملية دهس بعض المصليين فى بريطانيا، قام بها شخص مسيحى موتور، استشاط غضبًا من تواجد الفلسطينيين فى المملكة المتحدة، فيما ارتكب جريمته تحت تأثير الخمور، غير أن هدفه تبدل فجأة من محاولة قتل نشطاء الأراضى المحتلة إلى سرقة الحياة من الوافدين إلى بيت الله للصلاة.
حادث دهس فى ألمانيا
الخطورة الكبرى بالنسبة للغرب هم هؤلاء المحسوبون على تنظيمات أو أحزاب أو منتديات يسارية "دواعش اليسار"، أو حتى غير المنتمين إلى أى كيان، وبخاصة إذا ما كانوا طواقين إلى التغيير بالدم، فتراهم يستهدفون المسلمين عقابًا على جرائم داعش غير الإنسانية، وفى الوقت ذاته يلاحقون الحكومات بالمظاهرات والصدامات مع الأمن، اعتراضًا على ما يعتبرونه تواطؤً منها مع الرأسماليين والعولميين، كما هو الحال فى صدامات هامبورج الأخيرة على هامش قمة العشرين، وأيضًا مع اليمين المتشدد المستورد من الشرق الأوسط.
إن صعود اليسار أو اليمين المتطرف النازى فى الغرب بالتوازى مع عودة الدواعش أو أعداء الدواعش من سوريا والعراق، إنما ضاعف المخاوف فى ألمانيا وأوروبا، ومن ثم جاء الحكم الكبير عل خلية استهداف المهاجرين لعل الجميع يرتدع.