البث المباشر الراديو 9090
السيسى يسلم ابنة يوسف صديق قلادة النيل
رد الرئيس عبد الفتاح السيسى اعتبار البكباشى يوسف صديق، عضو مجلس قيادة الثورة الملقب بمنقذ ثورة 23 يوليو، بمنح أسرته قلادة النيل، بعد أن تعرض للظلم خلال عقود ماضية، بإخفاء دوره المهم فى تلك الحقبة.

بهده الكلمات قدمت لبنى يوسف صديق، ابنة الراحل العقيد أركان حرب الراحل، الشكر للرئيس، وأضافت أن القوات المسلحة، ردت الاعتبار لوالدها، حين كرمته بمنحه قلادة النيل.

كان الرئيس عبدالفتاح السيسى صدق على منح قلادة النيل لاسم العقيد أركان حرب يوسف منصور صديق، أحد رموز ثورة 23 يوليو، وعضو مجلس قيادة الثورة، تزامنًا مع الاحتفال بذكرى ثورة 23 يوليو 1952، التى حررت مصر من التدخل الأجنبى.

تجسد الدور الريادى لقائد كتيبة مدافع الماكينات فى ذلك الوقت، عندما حدد الزعيم جمال عبد الناصر ساعة الصفر فى تمام الثانية عشر مساءً، وتم تغييرها ليصبح الواحدة منتصف الليل، دون التمكن من إبلاغه بموعد التحرك الجديد، ليتوجه بعدها صديق لمقر القيادة العامة للجيش المصرى ويعتقل قائد الجيش المصرى، بعد أن أصر على إتمام التحرك رغم طلب ناصر رجوع الكتيبة للوحدة مرة أخرى والتحرك فى الواحدة، وسيطر البكباشى على مقر الجيش ونجحت الثورة، ليصبح بعدها "يوسف صديق" هو المنقذ الوحيد لثورة 23 يوليو المجيدة.

وحين صدح صوت الرئيس الراحل أنور السادات عبر الأثير مع الخيوط الأولى من صباح الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، معلنًا ما عرف فى كتب التاريخ بالبيان الأول للثورة، لم يكن أحدًا يتخيل أن حركة أولئك الضباط الأحرار، التى غيرت وجه الحياة فى مصر، قد لعبت فيها الصدفة الدور الأكبر، وأن خطأ ضابط شجاع، هو البكباشى يوسف صديق، فى تحديد ساعة الصفر على وجه الدقة، كان كفيلًا بالإطاحة بفاروق الأول، ملك مصر والسودان، وببطانته.

وعن ذلك الخطأ "الجميل" يقول يوسف صديق فى مذكراته: "هكذا رأيت أن الله سبحانه وتعالى قد تولى تصحيح تدبير الأحرار وتدبيرى، وكان تدبيره وحده هو الذى يتم، وأننا لم نكن سوى أدوات تتحرك لتنفيذ هذا التدبير، والأمر كله إذا تدبرناه مليًا لن نختلف على أن كل نجاح صادفناه فى تلك الليلة إنما جاء نتيجة خطأ وقعنا فيه فى تدبيرنا، فخروج ساعة قبل الموعد كان خطأ لا شك فى ذلك، فإن الخطة العسكرية توضع متماسكة متكاملة، فتحرك قوة قبل موعدها بساعة كاملة قد يربك العمل، ويعرضه لأخطاء جسيمة مثله فى ذلك مثل التأخير، وربما كان فرق دقائق قليلة مؤثرة، فما بالك بساعة كاملة".

وتابع: "كان الخطأ الثانى، وهو نزول الجنود بحماس من اللوارى التى تحملهم عند نقطة إصدار الأوامر، بما فيهم الفصيلة 1، التى كنت قد دبرت وصولها باللورى من خلف مبنى القيادة، لتجنب الاشتباك مع حرسها، هذا النزول بدون أوامر كان خطأ، لأن كل شىء فى الجندية بالأوامر، ولما كانت طبيعة الأمر تقول إن الخطأ يوصل إلى الفشل، غير أن حوادث الليلة بينت بوضوح أن الخطأ لم يوصلنا إلى النجاح فحسب، بل كان الحل الوحيد الذى بنى عليه النجاح".

أما عن تلك ليلة الثورة التاريخية، فيقول يوسف صديق، الجندى المجهول والمنسى عمدًا أو جهلًا من ذاكرة التاريخ: "فى صباح يوم 22 يوليو كنت جالسًا فى مكتبى بمعسكر هايكستب، أفكر فى الطريقة التى أجمع بها ضباطى فى المساء، للعودة إلى المعسكر للمبيت حتى القيام بالعمل، وبديهى أن سرية العمل كانت تقتضى حصر المعرفة فى الضباط المعنيين فقط حتى آخر لحظة ممكنة، ضمانًا للأمن وعدم تسرب المعلومات، فلم يكن بين ضباط الكتيبة من يعرف أننا سنقوم بالعمل الكبير المرتقب فى هذه الليلة غيرى أنا واليوزباشى عبد المجيد شديد، الذى كان يلينى فى قيادة القوة".

وواصل: "وقبل أن أتحرك بثوان، أسرع إلىّ عبد القادر مهنا ليقول لى فى أذنى إن اللواء مكى فى طريقه إلينا، وعلى وشك الوصول، واللواء عبد الرحمن مكى هو قائد الفرقة المعسكرة فى هايكستب، ونحن جميعًا تحت قيادته، وهو قائد الفرقة فى جيش الملك، لا فى التنظيم، كانت مفاجأة كبيرة وخطيرة، ولما سألته تفسيرًا لذلك أجاب بأن القائد اتصل تليفونيًا وطلب عربته على وجه السرعة، وأن عسكرى التليفون أوصل التعليمات إلى السائق مباشرة، وأنه هو، عبدالقادر، لم يعلم بذلك غير الآن، وأن ذلك كان منذ حوالى نصف ساعة، وكان اللواء يسكن فى مصر الجديدة، أى أنه فعلًا على وشك الوصول".

وأضاف: "لم يكن هناك بد من سرعة التحرك حتى لا نلتقى به داخل المعسكر، حيث تكون له الكلمة العليا والأمر النافذ علينا وعلى باقى القوة، فقلت لعبد القادر إننى سأتصرف، لم يكن أمامى بعد أن فعلت كل ما فعلت وأصبحت فى حالة تلبس وأركبت الجند بسلاحهم وذخيرتهم، وكشفت لهم عن العمل الخطير، لم يكن أمامى غير أن أتحرك وبسرعة، وفى طريقنا إلى بوابة المعسكر، أصدرت تعليماتى إلى سائق العربة أنه فى حالة التقائنا بعربة اللواء فى طريقنا، فعليه أن يوجه إليها النور الكبير، ويتصدى لها، وإيقافها بأى طريقة، وأمرت الضابطين المرافقين لى والسائق معهم، أنه فى حالة وقوف عربة اللواء، ينزلون جميعًا من العربة شاهرين أسلحتهم فى وجه القائد، ولا يفتح أحد النيران إلا بأوامر منى، وهكذا لم أكد اجتاز عربة الأسير التى تتبعنى، حتى رأيت أمام اللورى الأول الذى يحمل رجالى جمهرة، وسمعت غوغاء، فلما أسرعت إلى مكانهما وجدت بعض ضباطى وجنودى يحيطون برجلين يرتديان ثيابًا مدنية، قمصان بيضاء وبنطلونات، وتجرى بينهم مشادة كلامية، فلما اقتربت الوجوه فى الظلام رأيت عجبًا، فلقد كان الرجلان جمال "عبد الناصر"، و"عبد الحكيم عامر".

ويضيف: "لم يكد الخاطر يمر ببالى منذ لحظة، ولم أكد أتمنى أن أرى جمال منذ ثوان، حتى قال الله القادر على كل شىء: هذا هو جمال بين يديك أسير جندك ورجالك، انتابنى إحساس عميق بأننى فى رعاية الله، ورأيت أن النصر قد أصبح محققًا بفضل الله، خلصت الرجلين من قبضة رجالى، وانتحيت بجمال وصاحبه جانبًا، حتى لا يكون حديثنا فى دائرة سمع الأسيرين الكبيرين، وألقى جمال بالضوء الذى كنت أرتقبه وأتمناه، علمت من جمال أن أمر الحركة انكشف للملك، الذى كان يصطاف فى الإسكندرية وأنه قد تم الاتصال بالقيادة فى القاهرة، وأن هذه القيادة مجتمعة فى مقرها لاتخاذ إجراء مضاد، فشكرته على هذه المعلومات الجديدة، وأخبرته بأننى كنت قررت احتلال القيادة، وبأننى سأقوم بذلك فورًا، وكان قد حضر مع زميله فى عربته الخاصة، عربة جمال، وأسرعت إلى عربتى فى مقدمة القوة، وذهبا هما ليستقلا عربتهما وسبقانى إلى أرض المعركة".

بمجرد وصول يوسف صديق إلى مقر القيادة العامة للجيش فى منطقة كوبرى القبة ليلة 23 يوليو 1952، وفيما كان يصدر أوامره للفصائل، لاحظ أن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، كانا يقفان عند النقطة أ.

ولما وصل مع الفصيلة 2 إلى قرب باب القيادة لمهاجمتها، سمع طلقات من الفصيلة 1، فظن أنها اشتبكت مع الحرس مخالفة الأوامر، وكانت قد وصلت إلى النقطة ب، أى تجاوزت باب القيادة.

وفوجئ بحرس القيادة يطلق النيران، فاشتبك معه بالفصيلة 2، ولم تدم المعركة أكثر من دقيقتين أو ثلاث على أكثر تقدير، نفدت بعدها ذخيرة الحرس، كما كان يتوقع، وأصبحت القيادة فى يد يوسف صديق.

ولم يشتبك الضباط المجتمعون فى القيادة معه، وكانوا فى الطابق العلوى، وأسفر الاشتباك عن قتيلين من رجاله، ومثلهما من الحرس، وأكمل تفتيش الدور الأرضى من القيادة، وتأكد من خلوه من أى قوات، ووضع حراسة على الأماكن الحساسة فيه، وهم بالصعود إلى الدور العلوى، حيث مكان الاجتماع.

كانت القوة الباقية من الفصيلة الوحيدة التى يقودها لاحتلال القيادة بعد توزيع الحراسات المطلوبة أصبحت صغيرة، أقل من 10 جنود، لكنه لم يكن يتوقع مقاومة كبيرة من ضباط الاجتماع، وفى هذه اللحظة التى أحس فيها بقلة قوته، فوجئ بالصاغ حسن أحمد الدسوقى على رأس قوة من نحو 20 جنديًا، وقدم نفسه له قائلا: "البكباشى زكريا محيى الدين قد أرسلنى لتعزيزك".

وعلى سلم الطابق العلوى، اعترضه جاويش "شاويش"، وحاول منعه من الصعود، فأفهمه بأنه لا جدوى من مقاومته، فأصر على ألا يمر صديق إلا على جثته.

كان الوقت مهما والأعصاب متوترة، ووجد صديق نفسه مضطرا لأن يطلق عليه طلقة فى رجله حتى يفسح الطريق، قبل أن يصعد إلى الطابق العلوى، يرافقه حسن أحمد الدسوقى وجنوده، فلما وصل إلى باب القائد، وجده موصدا، وحاول فتحه فشعر بمقاومة، وإذا بجنود حسن يطلقون النار على الباب دون أوامر، وتبين أن المقاومة كانت بسبب كرسى وضع خلف الباب، وكانت الحجرة مظلمة لكن بعد إطلاق النار على الباب وفتحه، أضاء الغرفة ليجد أربعة مناديل بيضاء تطل من وراء برافان، وهى علامة استسلام.

على أثر ذلك، خرج الضباط من وراء البرافان، وكان على رأسهم الفريق حسين فريد، قائد الجيش، ومعه الأميرالاى حمدى هيبة، وضابط آخر من هيئة الأحكام العسكرية برتبة عقيد، وهكذا دانت لصديق القيادة، ونجحت حركة الضباط الأحرار فى ضربة واحدة من ضابط كان يعانى من التهاب رئوى حاد، فيما كان يهاجم مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، وينهى على أى مقاومة محتملة تواجه الثوار.

ويوسف صديق من مواليد الثالث من يناير عام 1910 ‏فى ‏قرية‏ ‏زاوية‏ ‏المصلوب‏ ‏التابعة‏ ‏لمركز‏ ‏الواسطى‏ بمحافظة بنى سويف، كان والده اليوزباشى منصور يوسف صديق ضابطا بالجيش المصرى، اشترك فى حرب استرداد السودان، وأمضى مدة خدمته العسكرية كلها هناك، وتوفى فى ريعان شبابه عام 1911، بينما كان يوسف لا يزال رضيعا.

أما جده يوسف صديق الأزهرى، فكان أيضًا ضابطًا بالجيش المصرى فى السودان، وكان حاكمًا لإقليم كردفان عند قيام الثورة المهدية، وقتل على يد الثوار هو وسائر أفراد أسرته، ولم ينج منهم غير ولده منصور وأخ أصغر له هو أحمد، اللذين تمكنا من الهرب إلى مصر، وهما فى سن الصبا.

نال يوسف شهادة البكالوريا، الثانوية العامة، من مدرسة بنى سويف الثانوية، والتحق بالكلية الحربية سنة 1930، وتخرج سنة 1933 ملازما ثانيا بالجيش المصرى بالسلوم ثم مرسى مطروح، إلى أن عين مدرسا فى الكلية الحربية، حيث تخصص فى مادة التاريخ العسكرى.

بعد أن انتهت مدة خدمته فى السلوم وعودته إلى القاهرة، وجد يوسف صديق أن هناك تيارات كثيرة تسعى إلى تحرير البلاد من الاستعمار والأحزاب، وعلى رأسها الوفد والإخوان ومصر الفتاة والشيوعيون، فقرر المبادرة بالانتماء إلى أحد هذه التنظيمات، رغم تعارض ذلك مع عمله فى "جيش جلالة الملك".

وكان بديهيا أن يبدأ من تيار حزب الوفد، لكنه بعد سعد زغلول بدأ يفقد شعبيته مع مرور الزمن، ما جعل يوسف يعيد التفكير فى مجال جديد، ويقول يوسف صديق: "بطبيعتى الريفية المتمسكة بالدين، رأيت أن أتصل بالإخوان، وكان المسؤول عن تجنيد الضباط للإخوان ضابط بوليس سابقا اسمه "لبيب"، وكانت لى معه اتصالات أسبوعية منظمة، غير أنها لم تطل أكثر من أشهر، رأيت بعدها أن الإخوان لم يكونوا منظمين تنظيما عصريا مقبولاً".

ورغم اقتناعه بأن الشيوعيين كانوا أقرب الاتجاهات الثائرة على الأوضاع إلى قلبه، فإن صديق تركهم فى سنة 1951، لأنهم انقسموا على أنفسهم، حتى بلغ عدد منظماتهم عند قيام الثورة نحو عشر منظمات، فتركهم لأنه تلاقى مع حركة "الضباط الأحرار"، الذين يمكن تحقيق الخلاص على أيديهم سريعا، وكان دائما يعتقد فى ذلك، وبشر به فى مواقف مختلفة له فى الجيش.

وكان يعتقد دائمًا أن الجيش هو الملاذ الوحيد، الذى يستطيع حل المشكلة، حتى أنه فكر ذات يوم وهو بمنقباد فى أسيوط، أن يقوم وحده بالثورة، وهو واثق من أن الكثيرين من الضباط سيقفون فى صفه، لكن حالة العربات التى كانت تحت يده لم تكن صالحة لنقل قوته إلى القاهرة، فلما أرسل له الضباط الأحرار يدعونه إلى الانضمام إليهم فى أكتوبر 1951، قبل دعوتهم بلا تردد.

وعن تفاصيل انضمامه للضباط الأحرار، يقول يوسف صديق: "فى أحد أيام شهر أكتوبر1951، كنت قد وصلت إلى رتبة البكباشى، أعمل قائد ثانى كتيبة مدافع الماكينة الأولى مشاة فى القنطرة شرق، زارنى وحيد رمضان، وهو ضابط كشفت حرب فلسطين عن شجاعته وصلابته ووطنيته".

وتابع: "وافقت على الانضمام إلى الحركة، فقال لى أنه مكلف بإبلاغى فى حالة الموافقة على أن تسند إلى قيادة كتيبتى "ك 1 مدافع ماكينة"، وأطلعنى على أسماء الضباط الأحرار بالكتيبة، وباشرت قيادتى الجديدة فى اليوم نفسه، وعقدت اجتماعا مع الضباط الأحرار، ناقشنا فيه أسلوب العمل، وسألت وحيد عن قيادة الضباط الأحرار، فأبلغنى أن أقابل البكباشى جمال عبد الناصر، عند ذهابى إلى القاهرة، وكان جمال يعمل مدرسًا فى كلية أركان الحرب، ولم أكن أعرفه قبل ذلك، حتى أننى عندما ذهبت إلى القاهرة، وتوجهت إلى كلية "أركان الحرب"، وكنت أتحاشى أن أسأل عن أى ضابط برتبة البكباشى، مخافة أن يكون هو".

ويكمل صديق: "قابلت جمال، وكان طبيعيا أن أسأله فى هذا اللقاء الأول عن الضباط الذين يعملون فى قيادة الحركة، لأن انضمامى إليها يحملنى مسؤولية، وإننى كنت أقدم منه فى الرتبة، وكان جمال يؤجل ويسوّف ويقول لى: ستعرفهم فى الوقت المناسب، وفى هذا اللقاء قال لى جمال، إن احترام الرتبة العسكرية سيكون له اعتباره بعد نجاح الثورة، وذلك يعنى أن يتولى أقدم الضباط رتبة رئاسة العمل، ولما ألححت عليه بضرورة معرفتى على الأقل للضباط الأقدم منى، لمجرد الاطمئنان إليهم، أخبرنى بأن أقدم ضابط هو اللواء محمد نجيب، فاسترحت لهذا الاسم، الذى كنت أكن له كثيرا من الاحترام والحب، لما يتميز به من سمعة طيبة بين ضباط الجيش، علاوة على أنه كانت تجمعنى به صلة الجوار فى السكن، إذ كنا نسكن فى بيتين متقاربين فى منطقة حلمية الزيتون".

ويضيف: "كنا فى هذه الأيام نحصل على إجازة لمدة أربعة أيام، كل مدة معلومة، أذكر أنها كانت كل 45 يوما، وفى الوقت الذى نقضيه فى القاهرة كنا نزور فيه عائلاتنا، ونقضى بعض مصالحنا، وكانت فرصة اللقاء مع الضباط الأحرار قليلة ومحدودة، لكن جيرتى للواء محمد نجيب فى السكن كانت تتيح لى فرصة زيارته فى كل مرة أنزل فيها إلى القاهرة، وبطبيعة الحال أخبرته بانضمامى لصفوف الضباط الأحرار، غير أننى لاحظت أنه كلما سألته عن أى شىء بخصوص العمل صغيرا كان أم كبيرا فإنه كان يحيلنى إلى جمال".

وواصل: "أتاحت لى قيادتى لمنطقة العريش التعرف إلى ضباط أحرار آخرين فى رفح وغزة، وكان أهمهم عبد الحكيم عامر، وصلاح سالم، وأنور السادات، وكان عبد المنعم عبد الرؤوف يحضر الاجتماعات الأسبوعية بانتظام، غير أنه كان بمجرد وصوله إلى منزلى، يطلب سجادة الصلاة، ويستغرق طوال الوقت فى صلاته، ولا يشترك فى المناقشات، حتى أن ابنتى نعمت التى كانت فى حوالى الرابعة من عمرها كانت فور أن تراه تذهب من نفسها لإحضار السجادة قبل أن يسألها".

وتابع: "وكان سلوك عبد المنعم عبد الرؤوف هذا دافعًا لأن أسأله عن سر انصرافه عن الاجتماعات، وكنا على انفراد فصارحنى بأنه يرى أن جمال عبد الناصر والمجموعة التى تحيط به من الضباط الأحرار، وأهمهم عبد الحكيم عامر وصلاح سالم، إنما يعملون لحسابهم الخاص، ولا يعملون لصالح الوطن، وأنه غير مستريح لما يجرى من أعمال، فوافقته فى أنى بدأت أشعر بأن جمال يعمل لحسابه الخاص، إلا أنى خالفته فى أنه لم يكن يعمل لصالح الوطن، لأن العمل الذى يمهد له، وهو الخلاص من الملك والملكية الفاسدة، هو عمل لصالح الوطن، وذلك يحتم علينا الاستمرار فى إخلاصنا للعمل، لاسيما أنه كان المتفق عليه أن الجيش سيقوم بضربته ويعود لثكناته، فلا بأس فى أن يترك الأمر لجمال يديره كما يحب، ولقد كان وجود جمال فى القاهرة يجعله أقدر على القيادة منا".

اقتناع صديق بضرورة أن يعود الجيش إلى ثكناته بمجرد انتهاء مهمته، واستقرار الأوضاع بعد خلع الملك، كان الشرارة التى أنهت علاقته الودية بالضباط الأحرار بعد أقل من سنتين من قيام ثورتهم، فعقب‏ ‏نجاح‏ ‏حركة‏ ‏الضباط‏ ‏الأحرار‏ ‏دعا‏ ‏يوسف‏ ‏صديق‏ ‏إلى عودة‏ ‏الحياة‏ ‏النيابية‏، ‏وخاض‏ ‏مناقشات‏ ‏عنيفة‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏الديموقراطية‏ ‏داخل‏ ‏مجلس‏ ‏قيادة‏ ‏الثورة‏.‏

وعن‏ ‏تلك‏ ‏الخلافات‏ كتب صديق ‏فى‏ ‏مذكراته‏: "‏كان‏ ‏طبيعيًا ‏أن‏ ‏أكون‏ ‏عضوًا‏ ‏فى‏ ‏مجلس‏ ‏قيادة‏ ‏الثورة،‏ ‏وبقيت‏ ‏كذلك‏ ‏حتى‏ ‏أعلنت‏ ‏الثورة‏ ‏أنها‏ ‏ستجرى‏ ‏الانتخابات‏ ‏فى‏ ‏فبراير‏ 1953، ‏غير‏ ‏أن‏ ‏مجلس‏ ‏الثورة‏ ‏بدأ‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏يتجاهل‏ ‏هذه‏ ‏الأهداف،‏ ‏فحاولت‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏مرة‏ ‏أن‏ ‏أترك‏ ‏المجلس‏ ‏وأعود‏ ‏للجيش‏ ‏فلم‏ ‏يُسمح‏ ‏لى‏ ‏بذلك، ‏حتى‏ ‏ثار‏ ‏فريق‏ ‏من‏ ‏الضباط‏ ‏الأحرار‏ "بالمدفعية" ‏على‏ ‏مجلس‏ ‏قيادة‏ ‏الثورة‏ ‏يتزعمه‏ ‏اليوزباشى‏ محسن‏ ‏عبد‏ ‏الخالق، ‏وقام‏ ‏المجلس‏ ‏باعتقال‏ ‏هؤلاء‏ ‏الثائرين‏ ‏ومحاكمتهم،‏ ‏فاتصلت‏ ‏بالبكباشى‏ ‏جمال‏ ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏وأخبرته‏ ‏أننى‏ ‏لا يمكن‏ ‏أن‏ ‏أبقى‏ ‏عضوًا‏ ‏فى‏ ‏مجلس‏ ‏الثورة،‏ ‏وطلبت‏ ‏منه‏ ‏أن‏ ‏يعتبرنى‏ ‏مستقيلًا، ‏فاستدعانى‏ ‏للقاهرة‏، ‏ونصحنى‏ ‏بالسفر‏ ‏للعلاج‏ ‏فى‏ ‏سويسرا‏ ‏فى ‏مارس‏ 1953".‏

فى سويسرا شعر صديق أنه فى منفى، وليس فى مكان للاستشفاء، فعاد سرًا إلى القاهرة، وعندما‏ ‏وقعت‏ ‏أزمة‏ ‏فبراير‏ ‏ومارس‏ ‏عام‏ 1954، ‏طالب‏ ‏يوسف‏ ‏صديق‏ ‏فى‏ ‏رسالته‏ ‏لمحمد‏ ‏نجيب‏، والتى نشرتها جريدة المصرى بتاريخ 24 مارس من نفس العام بدعوة‏ ‏البرلمان‏ ‏المنحل‏ ‏ليمارس‏ ‏حقوقه‏ ‏الشرعية‏، ‏وتأليف‏ ‏وزارة‏ ‏إئتلافية‏ من ‏قبل‏ ‏التيارات‏ ‏السياسية‏ ‏المختلفة‏ ‏من‏ ‏الوفد‏ ‏والإخوان‏‏ ‏والاشتراكيين‏ ‏والشيوعيين،‏ ‏وعلى‏ ‏أثر‏ ذلك أودع‏ ‏فى‏ ‏السجن‏ ‏الحربى‏ ‏فى‏ ‏أبريل‏ 1954، ‏ثم‏ أُفرج‏ ‏عنه‏ ‏فى‏ ‏مايو‏ 1955، ‏وحددت‏ ‏إقامته‏ ‏بقريته‏ ‏بقية‏ ‏عمره إلى أن توفى فى ‏31 ‏مارس‏ 1975، ليتم التعتيم على سيرة ودور وبطولة ضابط أعياه حب الوطن، وتخلى عنه رفقاء الطريق.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز