هيئة الرقابة الإدارية
فى هذا الملف يرصد "مبتدا" سقوط رؤوس الفساد، وجهود رجال هيئة الرقابة الإدارية فى إسقاط الفاسدين، الذين باعوا ضمائرهم مقابل حفنة من مال، وكان همهم الوحيد هو الثراء وكيفية تأمين مستقبلهم ومستقبل أسرهم دون النظر لمصدر هذه الأموال، حلال أم حرام، لم يفكروا فى مصيرهم ومصير أبنائهم حال القبض عليهم، فى هذا الملف، نعرض آخر نماذج لمسؤولين باعوا ضمرائهم واستغلوا مناصبهم ووظائفهم لتحقيق الربح المادى، غير عابئين بالخسارة التى تلحق بهم وتطاردهم فى المستقبل.
فى ضرباتها القوية ضد الفاسدين وأصحاب النفوس الضعيفة ممن يحتلون مراكز ومناصب بالجهاز الإدارى للدولة، تمكنت هيئة الرقابة الإدارية بقيادة الوزير محمد عرفان، من القبض على رئيس حى الدقى داخل مكتبه بتهمة تقاضى رشوة 250 ألف جنيه ووحدة سكنية فى منطقة المهندسين تقدر قيمتها بمليونى جنيه، كما ضبط برفقته صاحبى شركة مقاولات وأحد الوسطاء يعمل فى مجال المحاماة، وبعرض جميع المتهمين على النيابة العامة قررت حبسهم على ذمة التحقيقات.
وكانت تحريات رجال هيئة الرقابة الإدارية قد أكدت طلب وتقاضى رئيس حى الدقى رشوة نقدية مقابل استغلال وظيفته والتغاضى عن مخالفات بناء لأحد العقارات بشارع البطل أحمد عبد العزيز بالمهندسين.

وكشفت الهيئة عن تفاصيل الواقعة، إذ تبين تقاضى رئيس حى الدقى 250 ألف جنيه نقدًا، بالإضافة إلى وحدة سكنية بالعقار نفسه الذى به مخالفات بشارع البطل أحمد عبد العزيز بالمهندسين قيمتها مليونى جنيه رشوة من مالكى العقار، وذلك بوساطة أحد المحامين، إذ يقدر سعر المتر بالعقار بـ 14 ألف جنيه، وذلك مقابل استغلال المتهم وظيفته والتغاضى عن اتخاذ الإجراءات القانونية حيال المخالفات البنائية للعقار التى تستوجب إزالتها والتى تحقق أرباحًا دون وجه حق لهؤلاء المقاولين بما يزيد على 10 ملايين جنيه.
وصرح مصدر مسؤول بحى الدقى رفض ذكر اسمه، أن رئيس الحى الذى تم القبض عليه بتهمة تلقيه رشوة، كان رئيسًا لحى بولاق الدكرور، وتم نقله من مقر عمله السابق بسبب الجزاءات.
وأوضح المصدر أن رئيس حى الدقى منذ توليه مهام منصبه قام بنقل عدد من الموظفين بجهاز التفتيش والمتابعة الميدانية لرصد المخالفات والمشهود لهم بحسن السمعة، من أماكنهم لأماكن أخرى، مضيفًا أن رئيس الحى قام بعمل حركة تنقلات وعين أشخاص غير مسؤولة ولا تمتلك أى خبرات فى مراكز مهمة بالحى، لتخليص مصالحه غير القانونية.
وتابع قائلاً: "قام بنقل سكرتير الحى حسن السمعة من منصبه، كما أنه كان ينوى شراء الشقة التى حصل عليها على سبيل الرشوة"، مشيرًا إلى أن جهاز الرقابة الإدارية كان يرصد مكالمات وحركات رئيس الحى بداية من شهر رمضان، وأوضح أن الشقة التى يمتلكها فى 14 شارع البطل أحمد عبد العزيز، هى نتيجة تخليص مصالح غير قانونية.
محافظ المنوفية.. المرتشى:
لم ولن ننسى محافظ المنوفية، الدكتور هشام عبدالباسط، واثنين من رجال الأعمال، حينما تمكن رجال هيئة الرقابة الإدارية من ضبطهم فى مقر استراحة المحافظ بشبين الكوم، بعد ثبوت تورطهم فى قضايا فساد، وحصوله على رشوة 2 مليون جنيه مقابل تخصيص قطعة أرض لأحد رجلى الأعمال ويدعى "رضا.ح" فى مدينة السادات.

ورصد رجال الرقابة الإدارية المتهمين وسجلوا المكالمات الهاتفية بين المحافظ والمتهمين الآخرين، وبعد جمع الأدلة وتوثيقها ألقوا القبض عليهم، كما تمكنت الهيئة آنذاك، من الكشف عن العديد من وقائع الفساد المتورط فيها محافظ المنوفية، وتم مواجهته بها، وتبين أن رجال الرقابة يتتبعون المحافظ منذ أكثر من أربعة شهور، وتم تسجيل مكالمات صوتية تخص وقائع القضية التى ألقى القبض عليه متهمًا فيها.
وذكر مصدر وقتها، أن الزوجة الثانية للمحافظ والتى تعمل بهيئة الرقابة الإدارية، لعبت دورًا كبيرًا فى الإيقاع به، بعد أن تزوج من ثالثة بقرابة الخمسة أشهر، وأدلت بمعلومات تفيد تورط زوجها المحافظ فى قضايا فساد، وأخبرت رجال الرقابة الإدارية بتحركاته وخطوط سيره، وظلت على هذا الوضع طيلة الأربعة أشهر الماضية، حتى تم القبض عليه.
وتبين أن رجلى الأعمال تقدموا بطلب تقنين إحدى الأراضى بصحراء مدينة السادات منذ 4 أشهر إلى لجنة تقنين محافظة المنوفية، إلا أن الطلب تم رفضه لعدم استيفائها الشروط، وعمد الثنائى إلى مساومة المحافظ على مدار شهر ونصف وتمكنت الرقابة الإدارية من رصد مكالماتهم، وبعد ذلك وتسجيل لقاءات بالصوت والصورة بينهم، تم الحصول على إذن من نيابة أمن الدولة العليا بالقبض عليهم، وتم ضبطهم باستراحة المحافظة بمدينة السادات، واصطحب رجال الرقابة المتهم إلى منزله بأكتوبر لتفتيشه، وبعدها احتجزته بمقر الحجز فى الهيئة لحين عرضه على نيابة أمن الدولة العليا.
من هو محافظ المنوفية المتهم ؟
الدكتور هشام عبد الباسط يونس ولد فى منطقة الإبراهيمية بمحافظة الإسكندرية، فى أول أكتوبر 1971، حيث يبلغ من العمر 44 عامًا، وحصل على ليسانس حقوق وآداب ودكتوراه فى القانون الإدارى، وشغل منصب رئيس مركز ومدينة السادات منذ 30 يوليو 2007 على مدار 8 سنوات، بعدما شغل منصب عضو بالإدارة العامة للرقابة والمتابعة منذ 1990 وحتى 2006، ثم تولى منصب نائب رئيس مجلس مدينة بركة السبع، كما حصل عبد الباسط على 6 دورات لتنمية مهارات رؤساء المدن فى مجالات الشئون القانونية، والحاسب الآلى وأملاك الدولة والتخطيط وشؤون العاملين والشؤون الهندسية بمعهد تدريب الإدارة العامة بسقارة.
سقوط موظف بالحي ومهندس تلقيا رشوة:
كلاهما خرج على المعاش، وقت الفراغ كاد أن يقتلهما، اتفقا على اللقاء بأحد المقاهى بمدينة نصر، تبادلا أطراف الحديث عن حياتهما السابقة، وأنهما لم يدخرا أموالًا من وظيفتهما السابقة.

طلب "كساب"، الموظف بحى السلام أول سابقًا، مبلغًا بسيط من "جوزيف.ك.س"، 54 سنة، مهندس سابق بحى مدينة نصر، لكن المهندس نظر إليه بحيرة ودهشة، وأبلغه أنه لا يمتلك هذا المبلغ، ويمر بأزمة مالية هذه الفترة، حالة من الصمت تفرض نفسها عليهما، وبعد أن تبادلا أطراف الحديث، تأخر بهما الوقت، وطلب جوزيف من كساب الرحيل والعودة لمنزله، وبالفعل عاد كل منهما لمنزله.
جلس كساب فى حجرته، يضع رأسه على راحة يده، ينظر عبر النافذة، شارد الذهن، يفكر فى كيفية تدبير المبلغ المطلوب والذى يحتاجه لسداد بعض الديون، انتفض من مكانه، خرج من حجرته، جلس أمام التليفزيون، لكنه شارد الذهن، أسرته تجلس بجواره، يتبادلون الحديث لكنه فى عالم آخر، هنا وقعت عيناه على مشهد فى التليفزيون وسمع كلمة النصب والرشوة، عاد كساب الموظف بحى السلام سابقًا لحجرته، راودته فكرة شيطانية، أمسك بتليفونه المحمول، اتصل بزميله المهندس جوزيف، طلب منه أن يلتقى به فى نفس المقهى الذى اعتادا الجلوس فيه بمدينة نصر، وهنا جاء النوم إلى الموظف بعد أن كان هاربًا من عينيه.

فى الوقت المحدد التقى جوزيف وكساب، وهنا اقترب كساب من جوزيف، بصوت منخفض، همس فى أذن المهندس السابق، قائلًا له: "راودتنى فكرة جهنمية بآلاف الجنيهات، وسوف تحل مشكلتنا مع المال والفقر"، برقت عين المهندس وأسند ظهره إلى الوراء، وسأل بصوت عالٍ: "إزاى يا كساب؟"، ليرد الموظف السابق قائلًا: "سنستغل خبرتنا فى العمل بالأحياء، ونوهم المواطنين بقدرتنا على تقنين أوضاعهم وتمليكهم الأراضى المقام عليها منازلهم والمملوكة للدولة، وخاصة أن هناك منطقة بأكملها فى مدينة السلام تقع فى مشاكل مع الحى ويريدون إزالة عقاراتهم وأخذ الأرض منهم".
ارتبك المهندس، ورفض الفكرة فى البداية ، وقال لصديقه: "آخرتها السجن هذه اللعبة"، ضحك كساب بصوت عالٍ، وظل يلف شباكه حول ضحيته، ويقنعه إلى أن استسلم المهندس لفكرة صديقه الموظف على المعاش، وقررا التنفيذ، ولأنهما يعرفان بعض الأشخاص فى المنطقة، عرضا عليهم التوسط لحل مشاكلهم قبل أن يأخذ الحى منهم أراضيهم ويزيل عقاراتهم، وبالفعل بدأ المهندس والموظف عقد جلسات مع بعض قاطنى منطقة "أورجيلة والرشاح" بمدينة السلام، وانتحلا صفة موظفين بالحى، وأقنعوهم أنهما قادرين على تقنين أوضاعهم وتمليكهم الأراضى المقام عليها منازلهم والمملوكة للدولة، والصادر لها قرارات إزالة وتعويض قاطنيها بمساكن أخرى بمشروع "أهالينا"، وبالفعل تعددت جلساتهم من قاطنى تلك المنطقة، وفى كل جلسة كانوا يتعرفون على مواطنين جدد بحيث تكبر دائرة ضحاياهم، حتى بلغ عدد ضحاياهم 40 شخصًا، من بينهم شخصين كانا هما حلقة الوصل مع الأهالى، وهم عواد رشيد، 70 سنة، عامل، وفارس محمد، 23 سنة، عامل، ومقيم بالسلام، واتفق المهندس والموظف مع الضحايا بعد إقناعهم بقدرتهما على نقلهم إلى مشروع "أهالينا" بعد تسوية أوضاعهم، ولكن مقابل الحصول على 2500 جنيه من كل شخص، لم يبد الضحايا أى اعتراض، المبلغ بسيط بدلًا من أن يخسروا كل شىء، كما أن النصابين خططا جيدًا وحسبا أن كل ضحية لو دفعت هذا المبلغ سيجمعان مبلغًا كبيرًا فى النهاية وبعدها يهربان وكأنهما "فص ملح وذاب".

بالفعل نجح المتهمان فى جمع مبالغ مالية من ضحاياهم، وهربا، وحاول بعض الضحايا الاتصال بهم لكن التليفون مغلق، الوقت يمر، ولكن أثناء ذلك وردت معلومات بقيام هذين الشخصين بالنصب على بعض الضحايا والاستيلاء على أموالهم، بزعم أنهما موظفان بالحى ولديهما القدرة على تقنين أوضاعهم وتمليكهم الأراضى المقام عليها منازلهم والمملوكة للدولة، وعلى الفور قام العقيد شريف فيصل رئيس مباحث المرافق، بتكثيف التحريات وإخطار اللواء محمد منصور مدير الإدارة العامة لمباحث القاهرة، وتم إعداد الأكمنة وبالتحرى ألقى القبض على المتهمين، وبالتحرى تبين أن ضحاياهما 40 شخصًا، وتحصلا منهم على 2500 جنيه، واعترفا بجرائمهما، وبسؤال المجنى عليهم اتهموهما بالنصب بأسلوب انتحال صفة موظفين بالحى، وتم تحرير المحضر اللازم، وقررت النيابة حبسهما 4 أيام على ذمة التحقيق.
نصب الأسمرات:
واقعة أخرى لموظف بحى منشاة ناصر، أوهم المترددين على الحى، بقدرته على تخصيص وحدات سكنية لهم بحى "الأسمرات"، مقابل مبلغ مالى يدفعونه لصالحه، واستجاب له عدد من المواطنين، ولكن وصلت معلومات إلى العقيد شريف فيصل، رئيس المباحث، مفادها قيام، "أحمد.ج.م"، 32 سنة، موظف بحى منشأة ناصر، بإيهام المترددين على الحى بتخصيص وحدات سكنيه لهم مقابل مبلغ مالى.

بإجراء التحريات، بإشراف اللواء محمد منصور، مدير الإدارة العامة لمباحث القاهرة، تبين صحة ما ورد من معلومات، كما أشارت التحريات إلى قيام سالف الذكر بالحصول على مبلغ 20 ألف جنيه من "مجدى.ج.ع"، 28 سنة، صاحب ساحة لانتظار السيارات ومقيم بمنشأة ناصر.
باستدعاء الأخير أيد ما سبق، عقب تقنين الإجراءات وبإعداد الأكمنة اللازمة بأماكن تردده أسفرت إحداها عن ضبطه وبمواجهته بالتحريات وما ورد من معلومات أيدها واعترف بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، وتحرر عن ذلك المحضر اللازم، وتولت النيابة العامة التحقيق.
روشتة حمدى عرفة للقضاء على فساد المحليات:
قال الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، أن الفساد فى المحليات ليس من المستحيل السيطرة عليه، ولكن وجود قوانين قديمة فتحت الباب على مصرعيه لضعاف النفوس لنشر الفساد مما يصعب المهمة، لافتًا إلى ضرورة تحسين رواتب العاملين فى المحليات، إذ إن غالبيتهم يتقاضون رواتب هزيلة، مضيفًا أنه لابد من سن قوانين جديدة للقضاء عليه ووضع ضوابط وقواعد للتفتيش على إدارات المحليات المختلفة ومنح جهات التفتيش الضبطية القضائية للحد منه.
+
وأضاف أن المحليات تعانى من مشكلات عدة تستطيع أن تقول إن بها فسادًا خارجًا عن السيطرة لا يمكن أن تغفله، ويكفى أن تعرف أن عدد العقارات المخالفة نحو 2 مليون و184 ألف عقار، بخلاف كم التعدى على الترع والمصارف، الذى بلغ نحو 190 ألف حالة، كل ذلك يدعو للحزن على ما آل إليه وضع المحليات فى مصر.
ونوه إلى أنه يجب الاستعانة بالمتخصصين وتحديد رواتب مجزية للموظفين، ويجب تطبيق الحد الأدنى للرواتب على العاملين فى المحليات حتى يتمكنوا من العمل دون أن ينتظروا شيئًا من أحد، ولإغلاق الباب أمام أصحاب النفوس المريضة لتلقى الرشاوى بحجة قلة الرواتب.
واستطرد أن الدفع الإلكترونى سيكون حلًا، ولابد من تعيين الرجل المناسب فى المكان المناسب وتعديل القوانين، بالإضافة إلى أن تعدد الجهات وتضاربها يفتح بابًا للفساد، لافتةً إلى ضرورة تغليظ العقوبات، مشيرًا إلى أن أقصى عقوبة فى الفساد الإدارى خصم شهر، على الرغم من أن الفساد الإدارى أصعب من الفساد المالى.
واختتم عرفة كلامه مؤكدًا أن الفساد فى المحليات تتحمله الوزارات كلها، وزارة الإسكان والبيئة وكل الوزارات، ولا يستثنى منهم سوى الدفاع، موضحًا أن فصل السلطات يعد حلًا جيدًا، فهناك 3185 قانون ولائحة وقرار يخصوا الإدارة المحلية بمصر، تضارب هذه القرارات يجعل من الصعب معرفة من المسؤول، كما يجب تدريب العاملين، وتشديد الرقابة الداخلية، إذ أن هناك 33 جهة رقابية يشرفون على المحليات لكنهم لا يتحركون إلا بناءً على بلاغ، ولكن نحتاج لتفعيل الرقابة الداخلية وتفعيل الضبطية القضائية.