الشائعات
سلاح الشائعات وخلط الأوراق وطمس الحقائق وتشويه المشهد والتشكيك فى الإنجاز، أداة تستمد قوتها وتأثيرها من المساحة العريضة لذيوعها واتساع معدل انتشارها على شبكة الإنترنت ووصولها فى لحظة واحدة إلى الملايين دون أدنى تكلفة مادية أو مجهود أو حتى إدانة قضائية، وبذلك فهى فى المجتمع آفة مرضية تهدد كيانه، وقد باتت فى عصرنا الحالى عمل منظم يقوم على أسس مدروسة وفق أهداف محددة عبر وسائل تسير بسرعة الصوت والضوء عن طريق شبكة عنكبوتية وما تحتضنه من أدوات ووسائل تكنولوجية حديثة.

ورغم كثرة مواقع التواصل وانتشارها بين الفئات المختلفة، وما حققه التطور السريع لشبكة الإنترنت من تيسيرات وكفاءة فى تبادل المعلومات إلا إنه ساهم فى سرعة انتشار الشائعات، وكذلك بعض المواقع الإلكترونية التى تعتمد فى تسويقها على شائعات ترهق عيون وآذان القارئ من أخبار مختلقة لا تراعى ضميرًا ولا يهمها استقرار المجتمعات وأمنها ووحدتها، مواقع أطاحت بما يتم تدريسه فى كليات الإعلام من نظريات ومبادئ تشدد على مفهوم "المصداقية" وتؤكد أنها سر نجاح الوسيلة الإعلامية.

وما يجرى الآن من محاولات مكثفة لقوى وعناصر داخلية وخارجية ومنذ نجاح ثورة الثلاثين من يونيو قبل خمس سنوات عبر استخدام مواقع التواصل والمواقع الإلكترونية لبث وترويج الأخبار الكاذبة والوقائع المفبركة، يسعى لتقليب المجتمع ونشر اليأس بين الصفوف، مستندًا على الشائعة كأداة رئيسية للجيل الرابع من الحروب وما بعده، مستهدفًا تأجيج المشاعر ونشر الإحباط واليأس والقلق والكبت الجماعى، اعتمادًا على سرعة نشر المعلومة عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة، مما يضمن التأثير السريع والمباشر على الجانب النفسى للفرد والوصول لأعماقه ومعنوياته وتحطيمها، خصوصا إذا كانت تمس وترًا حساسًا فى حياته وحياة من يعول.

وتحولت ظاهرة الشائعات إلى سلاح تستخدمه بعض الجهات وبعض القوى لنشر وترويج ما تريد من أفكار وأيدلوجيات بهدف خلق انطباعات وتصورات تخدم أغراضها، وسعيا لزرع الفتنة وإثارة القلائل والفوضى بين فئات المجتمع ونشر الإحباط والاكتئاب، وأضحت فى عالمنا المعاصر، بديلا عن القتال وأدوات الحرب التقليدية مع التقدم الرهيب فى أدوات التعامل مع النفس البشرية، كما هو الحال مع الاختراق والتخريب الفكرى والتضليل الإعلامى من خلال نماذج عديدة شهدها القرن العشرين، ولهذا فإنها تعتبر من أخطر الأسلحة المدمرة للمجتمعات والأشخاص، فكم قتلت من أبرياء، حطمت من عظماء، وتسببت فى جرائم، وقطعت علاقات وصلات رحم بين أفراد داخل أسر، وكم هزمت من جيوش ودمرت حضارات على مر التاريخ.

والشائعات ظاهرة من الظواهر الخطيرة التى تظهر فى المجتمعات، فلا تكاد تشرق شمس يوم جديد إلا ونسمع بإشاعة فى مكان ما، وهى من أقدم الكذبات فى التاريخ، وشىء ملازم للإنسان على مدى الحياة، ولأنها جزء من الحياة فقد تطورت بتطورها، وتقدمت أساليبها من الشائعة الشفهية التى تتداول بعد سماعها، إلى الشائعة الإلكترونية التى أصبحت أسرع فى الترويج والنقل، إذ تصل إلى جميع أركان الدنيا فى ثوان معدودات، بعد أن ساهمت وسائل التواصل الاجتماعى والتطور التقنى الحديث فى جعل العالم قرية كونية صغيرة.

ولإثارة الشائعات أهداف ومآرب، تختلف وتتنوع تماشيا مع مبتغيات من يثيرها، فمنها ما هو ربحى يؤدى إلى ارتفاع سعر سلعة معينة، ومنها ما يكون خلفيته أهداف سياسية، أما اللعب واللهو فهو أحد أهداف مثيرى الشائعات، والشائعات التى تقوم على هذا المبدأ عادة ما تحوم حول المشاهير، وهناك عوامل وشروط تهيئ ظروف خلق الشائعة وتساهم فى ترويجها، ومن ضمنها انعدام المعلومات وندرة الأخبار، وأهمية الموضوع بالنسبة للأفراد المعنيين، وغموض الأدلة الخاصة بموضوع الشائعة.
وغالبا أيضا ما نجد الشائعة تحتوى على جزء صغير من الأخبار أو الحقائق، ولكن عند ترويجها تحاط بأجزاء خيالية بحيث يصعب فصل الحقيقة عن الخيال، أو يصعب التعرف على الحقيقة من الخيال وبهذا تظهر للوجود شيئا فشيئا.

ما يحظى به المجتمع المصرى حاليا من وعى إعلامى يجعله يفرق بين الحقيقة والوهم من منطلق ما لديه من قناعة بما تحقق على أرض الواقع يجعله قادرًا على التفريق بين الحقيقة والوهم، مدرك بأن إساءة استخدام مناخ الحرية لهدم الوطن بافتعال المعارك والإثارة والتشكيك لابد أن يتوقف لأن مصر فى مرحلة بناء من جديد يتطلب الترابط والتلاحم، خصوصا وأن هذه المرحلة تتطلب تضحيات كبيرة من الصبر والتكاتف إلى أن تعبر تلك المرحلة الصعبة من برنامج الإصلاح القوية التى ستساهم حتما فى انتعاش الاستثمار والاستقرار المالى والنقدى فى مصر.