جامعة الأزهر
وكشفت مصادر داخل جامعة الأزهر، أن إدارة الجامعة كلفت رؤساء الأقسام على مستوى كل الكليات النظرية، للوصول إلى جميع المقررات الدراسية، والعمل على إعداد مقرر دراسى واحد شامل لكل الأطروحات.
وأضافت المصادر التى فضلت عدم ذكر أسمائها، أنه بالفعل تقدم قطاع عريض من أساتذة جامعة الأزهر بمؤلفاتهم إلى رؤساء الأقسام، لمناقشة المحتوى والوصول من خلال تلك المؤلفات إلى مؤلف واحد لكل مادة، تتم مراجعته من كبار أساتذة المادة بالأزهر الشريف، ثم تقوم الجامعة بطباعة الكتاب كمقرر دراسى للعام المقبل، بمعنى أن الذى يدرس فى جامعة الأزهر بالقاهرة يدرس فى غيرها من الفروع سواء الوجه البحرى والقبلى وتوزيعه على الطلاب بالمجان، ومنح مكافأة مالية لأعضاء هيئة التدريس المكلفين بوضع المقرر الدراسى لكل مادة.
وأشارت المصادر إلى أنه جار العمل على طباعة بعض المقررات الدراسية كمادة الفقه والأحوال الشخصية للمسلمين، مؤكدين أن الجامعة لجأت إلى تفعيل التجربة بناء على توجيهات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، رئيس جامعة الأزهر، كمحاولة للسيطرة على كل الأفكار التى تطرح بالمناهج للحد من انتشار الأفكار المتطرفة، خصوصا أن الجامعة شهدت بعض الأطروحات المتشددة فى بعض مناهج الأزهر.

غير أن قرار الجامعة بتطبيق الكتاب الموحد فجر أزمة جديدة لدى قطاع عريض من أعضاء هيئة التدريس بالأزهر الرافضين للقرار، وخلق حالة من الانقسام ما بين مؤيد ومعارض.
وأوضح الكاتب والمفكر صلاح فضل، أن تجربة الكتاب الموحد التى بصدد تفعيلها داخل كليات جامعة الأزهر خلال العام الدراسى المقبل، تجعل الدراسة بالجامعة أشبه بالمدارس، قائلاً: "لا يليق ونحن نسعى إلى تطوير الخطاب الدينى أن نسلك مساعى تجعل من الجامعات كالمدارس".

وأضاف صلاح فضل، فى تصريحات خاصة لـ"مبتدا"، أن الجامعة ليس أسلوبها الكتاب الموحد، الدراسة الجامعية تقوم على البحث والمراجع، بهدف الوصول إلى نتائج جديدة تفيد البشرية وتنهض بالأمم وتعالج المشكلات الاجتماعية، فالدراسة الجامعية لا تعتمد على التلقين، مؤكدًا أن الكتاب الموحد تجميد للفكر وليس تطويراً للخطاب الدينى لأنه يعزز من ثقافة الحفظ والتلقين.
وتابع: "يتعين على الجامعات بشكل عام أن تنمى من روح البحث والتدقيق والمعرفة وليس التلقين والحفظ، والأسلوب العلمى والتطوير الحقيقى للخطاب الدينى لا يبلور فى كتاب موحد يعتمد على حفظ المحتوى، بل بأساليب عديدة بعيدة حتى آلان عن مساعى صناع القرار بالجامعات".
وقالت الدكتورة فتحية الحنفى، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر: "لكل قسم علمى مفردات منهج، وهى تخص كل مادة، ويجب على جميع الأعضاء المنتسبين لكل قسم الالتزام بها طبقًا للائحة الجامعة، ولكن الاختلاف بين عضو وآخر فى طريقة شرح المادة العلمية وكيفية توصيلها للطلبة مع ربطها بالواقع المعاصر، مما يترتب عليه إعمال العقل والتفكير والارتقاء بالبحث العلمى وهذا ميزة الأستاذ الجامعى التى تتفق مع ما ينادى به المجلس الأعلى للجامعات من فكرة الارتقاء بالبحث العلمى والتجديد، أما بالنسبة لفكرة الكتاب الموحد كنموذج فأمر مرفوض رفضاً قاطعاً".

وأوضحت الحنفى لـ"مبتدا"، أن فكرة توحيد الكتاب يتعارض مع قانون الجامعات رقم 49 لسنة 72، الذى نص فى المادة "55" منه على: "أن القسم العلمى هو المهيمن على المحتوى العلمى ومفردات المقرر، وكل ما يتعلق بالمنهج الدراسى ولا يجوز لمجلس الكلية ولا الجامعة أن تعتدى عليه وإلا كان خارجًا عن نطاق القانون".
وتابعت: "فكرة الكتاب الموحد فيه مخالفة للائحة التنفيذية لهذا القانون والتى أشارت إلى أن الاستقلال الفكرى حق أصيل لعضو هيئة التدريس، فى ضوء الضوابط التى يضعها القسم العلمى، كما أنه يخالف القانون رقم 103 لسنة 1961 ولائحته التنفيذية".

وأشارت الحنفى إلى أنه من المعلوم أن العلم قائم على البحث والتنقيب فى الفكر ومقارنة الآراء ببعضها، وليس فرض فكر معين على عضو هيئة التدريس، وهذا ما تقوم عليه الجامعات إذ توفر لعضو هيئة التدريس الاستقلال البحثى بموضوعية تحت رقابة القسم العلمى، وإلا أهدرت المبادئ الدستورية الواردة بباب الحقوق والحريات لدستور 2014، والتى أشارت إلى استقلال الجامعات والبحث العلمى، مؤكدة أن فكرة الكتاب الموحد تحول الكلية إلى مدرسة ما على العضو إلا قراءة ما فى الكتاب دون زيادة أو نقص لأن الطالب إما أن يلتزم بالكتاب أو بشرح العضو وهذا فى حد ذاته قتل للبحث والإبداع وكيفية تناول المعلومة.
فى المقابل، أكد الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية والفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن فكرة الكتاب الموحد لها الكثير من البواعث الإيجابية، خصوصا فيما يتعلق بعمل مؤلفات مبسطة موثقة قوية العرض تستهدف معالجة بعض الأمور فى التراث التى قد يفهم منها أشياء تؤدى إلى العنف.

وأوضح كريمة فى تصريحات خاصة لـ"مبتدا" إلى أن تجربة الكتاب الموحد ستخدم قضية تجديد الفكر والخطاب الدينى وذلك من خلال الوقوف على كل ما يطرح فى المقرر الدراسى، وإنما فى الماضى كانت هناك بعض الأفكار المتشددة فى بعض المؤلفات، أما بموجب الكتاب الموحد ستعهد الجامعة لكبار الأساتذة بوضع المقرر الدراسى، وبالتالى ليس كل دكتور يضع مؤلفاً دراسياً، وهذا بمثابة أمر يخلق حالة من تكافؤ الفرص للطلاب من خلال أن الجميع يدرس مقرراً دراسياً يحمل خبرات الأساتذة الكبار، وبالتالى سنتمكن من محاصرة الأفكار المتطرفة.
وتابع: "تجربة الكتاب الموحد تتفق مع أهداف ضمان الجودة من شمولية الكتاب للتوصيفات الدراسية واستيعاب نقاط المقررات الدراسية، فالبعض يتحفظ ويهاجم التجربة لأنه لن ينال حظه من التأليف، فسبق للشيخ طنطاوى رحمة الله عليه أن طبق تلك التجربة فى المعاهد الأزهرية"، نافياً أن تكون تلك التجربة تجميداً للفكر أو تكميماً للأفواه بل محاولة قوية لتطوير الفكر بضبط المقررات الدراسية التى تشكل وجدان وسلوك الطالب.

ووجه كريمة رسالة إلى أساتذة الأزهر الذين لن يقوموا بالمشاركة فى تأليف المقررات الدراسية المقبلة قائلاً: "التأليف لا يقتصر على الكتب الدراسية بل على الأساتذة أن تكثف من أبحاث الترقية"، وردًا على اعتراض البعض بأنه يصعب عليه تدريس مقرر دراسى ليس من تأليفه، علق كريمة قائلاً: "ليس شرطاً على محاضر المقرر أن يشرح تأليفه، فأنا أخوض تجربة، بالتدريس فى إحدى كليات التربية بعمان، بدون كتب ومقررات دراسية مطبوعة، وذلك من خلال مصادر التعلم من المكتبة مباشرة، فمعظم الجامعات تشهد ذهاب الطالب إلى مكتبة الكلية سواء الورقية أو الإلكترونية ليجمع مادته العلمية".