أنجيلا ميركل
قبل يومين تقريبًا، أعلنت السلطات الأمنية الألمانية إسقاط جاسوس "محلى"، كان يعمل لصالح الأردن على أراضيها، فيما كان يركز نشاطه على جمع المعلومات والمراقبة والتتبع، المتعلقة بعددٍ من المساجد والجمعيات الإسلامية فى ولاية ساكسن إنهالت "ساكسونيا السفلى".

على مدار أكثر من 24 شهرًا دَرج شاب ألمانى، 33 عامًا، على اختراق تلك المساجد والجمعيات، والتى تُصنف من قِبل الأمن واستخبارات الألمانية كملتقى لمتشددين محليين ومهاجرين، ومحطة "ترانزيت" لتسفير مقاتلين إلى سوريا والعراق للانضواء تحت لواء تنظيم داعش الإرهابى.
عدة ملاحظات تتعلق بالقصة جديرة بالوقوف أمامها.. أولًا أن الجاسوس ألمانى، ثانيًا أن البلد الذى يعمل لصالحه عربى، لا يبدو أنه يثير المشاكل، لكن للضرورة أحكام، إذ أن تأسيس خلافة "داعش" على حدود الأردن مع كلٍ سوريا والعراق، وتنامى الخطر من أن ينتقل مقاتلو التنظيم الموتور، بالأخص من الأجانب إلى المملكة الهاشمية، سواء أثناء أيام الدولة الإسلامية المزعومة، أو بعد انهيارها، إنما ضاعف من ضرورة تحرك عمان استباقيًا لرصد كل جهادى مُحتمل أن يحاول خرق أراضيها.

التحرك الأمنى الأردنى فى هذا الشأن، ولو بتجنيد عملاء يبدو منطقيًا أو مبررًا، ولو أغضب أحد أكبر حلفائها الغربيين "ألمانيا".
برلين بدورها تشعر بخرقٍ كبيرٍ لسيادتها، خصوصًا أن الأردن لم يتجاوزها أمنيًا بتجنيد أحد مواطنيها فى مهام تجسسية على أراضيها وحسب، ولكن وفيما يبدو فقد حجبت عنها معلومات غاية فى الخطورة وتمس أمنها القومى.
ألمانيا اكتشفت أن جاسوس الأردن أمد عمان بمعلوماتٍ تفصيليةٍ عن عجلة التجنيد الكبيرة التى تُمارس داخل المساجد والجمعيات لصالح "داعش"، ليس فقط لنقل مقاتلين أجانب إلى سوريا والعراق، لكن أيضًا للإعداد لعمليات إرهابية داخل بلد أنجيلا ميركل نفسها.
برلين غاضبة فى كل الأحوال، وتشعر بأن حليفتها عمان قد تخلت عنها، أو ربما خانتها لسبب غير مفهومٍ.
غير أن الأردن بدوره، مثل العديد من دول المنطقة، لم يجد مفرًا أمام زيادة ظاهرة المقاتلين الداعشيين الأجانب العابرين للحدود، من أن يقوم بعمليات بعيدة المدى لرصد واختراق منابع التجنيد والإرسال.

الأردن لم يعلق من جانبه على موضوع سقوط جاسوس لصالحه، فيما أن صيغة ضمنية ربما ترضى البلدين، إذ أن الشاب الألمانى المُتهم لم يعمل ضد الأمن القومى لبلاده، بقدر ما ساعد دولة أجنبية على اختراق سيادتها.
الأمر يبدو له شق قانونى يوافق تلك الصيغة، إذ أن العقوبة المنتظرة للجاسوس ستتراوح بين غرامة مالية إلى السجن 5 سنوات بحد أقصى.
برلين لا تمانع فى التعاون مع الجميع لضرب الظاهرة الداعشية المُتنامية على أراضيه، كل ما أغضبها أن الأمر مر من تحت "ذقنها"، دون علمها.
فى المقابل، فإن حكومة الأردن بدت كالقابضةٍ على الجمر، ولم يعد أمامها رفاهية وقت فى مواجهة تغول وتصدير الأفكار الداعشية المتطرفة، فصار تحركها غير التقليدى فرض عين عليها، ولو مارست ذلك فى ملاعب الدول الحليفة أو الصديقة.