طالبان
وبالتزامن مع إعلان كابول قرب ترسيخ هدنة مؤقتة مع طالبان طيلة أيام عيد الأضحى المبارك، إذا بالسفير الأفغانى لدى موسكو، عبد القيوم كوتشاى، يعلن صراحة أن روسيا تنشد تقوية طالبان على وجه التحديد لسحق داعش فى أفغانستان ووسط آسيا.
هذا ربما أول تصريح رسمى من مسؤول أفغانى ذى ثقل يقر بالدعم الروسى الكبير لطالبان، ومن خلفها للقاعدة.
ويدين قادة القاعدة بالولاء والطاعة والبيعة لطالبان، بل ويدعون زعيمها، أيًا كان اسمه، أميرًا للمؤمنين، وعليه فإن أى دعم مقدم للحركة من جانب موسكو، يعنى بلا أى شك دعمًا غير مباشر للقاعدة فى أفغانستان. والدعم الروسى للقاعدة وطالبان ملموس وبشدة منذ أكثر من عام.. موسكو تنظر للأمر باعتباره أمنًا قوميًا بالنسبة لها.

فمع انهيار حواضن داعش الرئيسية فى سوريا والعراق، وعودة ما تبقى من مقاتليه إلى مواطنهم الأصلية، حيث إن جزءًا كبيرًا منهم من دول القوقاز والاتحاد السوفيتى السابق، فضلًا عن استهداف تنظيم أبو بكر البغدادى أفغانستان كأحد أهم الملآذات الآمنة له، انتفضت موسكو لتجابه ذلك الحصار المرتقب لحدودها من جانب آلاف الإرهابيين ممن ذاقوا الدم واختبروا البارود والنار.
أصلًا هناك قراءات تجزم بأن ظاهرة داعش صُنعت من الأساس لإخراج مقاتلى الشيشان والقوقاز ودول الاتحاد السوفيتى السابق من جحورهم، ومنحهم خبرة العنف، ثم ردهم فيما بعد لنقل التوتر والفوضى إلى الحدود الروسية أو حتى إلى قلب دولة فلاديمير بوتين.
الروس لم يتركوا شيئًا للصدفة، وعلى مدار عام كامل تم دعم القاعديين وطالبان فى أفغانستان بالمال لشراء القبائل والسلاح اللازم لضرب داعش وكذا المصالح الأمريكية فى المنطقة.

فى المقابل تدعم واشنطن داعش أفغانستان بقوة، بل وتدفع لتأسيس التنظيم دولة خراسان هناك.
لعبة ضرب التنظيمات الإرهابية بتنظيمات مضادة، قديمة وطالما لجأت إليها الدول وأجهزة الأمن فى مختلف دول العالم، فى استراتيجية معروفة تستهدف أن تأكل الثعابين نفسها بالصراع والتنافس والغيرة، بل إن بعض أجهزة الأمن تلجأ أحيانًا إلى صناعة تنظيمات أو شق تنظيمات لأجل ضرب كيانات عصية..
أجهزة الاستخبارات العالمية تلعب تلك اللعبة على نطاقات عابرة للحدود والتمويلات والدعم التقنى واللوجيستى والعسكرى، غير أن التجربة والتاريخ يؤشران إلى أن الفاتورة دومًا فادحة، ومن يتم صنعه أو دعمه كجماعة وظيفية الغرض منها تحقيق هدف بعينه، سرعان وبعد أن تبدأ مهمته فى الانتهاء ما يتوحش رغبة منه فى عدم الزوال من المشهد.

لا يجب أن ينسى أحد أن خبرة الدماء على الأرض تجعل أصحابها من الصعب، إن لم يكن من المستحيل عليهم ترك تلك اللذة الجنونية بسهولة، وبخاصة إذا ما شعرت عناصرها وهم أناس فاقدو التحقق فى الأغلب، بزهو زائف بأنهم يسيرون فى طريق مرضاة الله بالجهاد. طريق آخره حور عين ولو مر عبر أنهار دماء وجثث وأشلاء.
ظاهرة الأفغان العرب تظل حاضرة وبقوة فى المشهد فى هذا الشأن.. حضرها الأمريكان وبدعم وسخاء من نظم عربية لضرب الروس فى الثمانينيات، ثم ما لبث أن انتهت الحرب ليتحول هؤلاء لإشعال العالم بالعنف، فمن رحمهم ولدت القاعدة.
المفارقة المريرة أن طالبان التى حاربت سنوات الروس، هى الآن من تحظى بدعمهم، فأى لعبة قذرة نعيش فى هذا العالم البائس؟