البث المباشر الراديو 9090
القاعدة
فى واقع الأمر ليس هناك رابحين وآخرين خاسرين بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، فالمحصلة الموضوعية أن الجميع خسر ولكن بدرجات متفاوتة، وتزلزلت خريطة السياسة والتفاعلات الدولية.

فمثلًا، وعلى مستوى تنظيم القاعدة، كان يفترض أن تساعده العملية المجنونة التى خلّفت نحو 3 آلاف قتيل، وقبلهم جرحت كبرياء الإمبراطورية الأمريكية، على تقوية نفسه واستحواذه على مساحة ما فى المشهد العالمى كرقم كبير فى المعادلة، لكن العكس هو ما جرى.

بدء الهجوم "الطائر" على برجى التجارة العالميين بنيويورك بداية كلمة النهاية فى نفوذ التنظيم على الأرض، فقد اجتاحت الولايات المتحدة أفغانستان، وتم ضرب التنظيم هناك، وفى باكستان، وفى عشرات الدول الأخرى حول العالم، ومن ثم ملاحقة قادته وأعضائه بالقتل أو الاعتقال.

تشكلت تحالفات عسكرية وأمنية واستخباراتية لاصطياد رجال القاعدة، وفر بن لادن إلى الكهوف والجبال بين تورا بورا وبيشاور وكابول ووزير ستان، حتى استقر به الحال متخفيًا فى مجمع سكنى بمدينة أبوت آباد، حيث تمت تصفيته على يد كوماندوز أمريكى فى العام 2011.

العشرات من القادة الكبار لم يكن لديهم مفر إلا اللجوء إلى إيران، رغم كل الاختلاف الأيديولوجى والعقائدى معها، لتتحكم الأخيرة فى مصيرهم وأسرهم وتستخدمهم كيفما شاءت مقابل حمايتهم من الملاحقات الأمريكية.

قادة كبار فى القاعدة كانوا يرفضوا العملية، على أساس أنها ستفتح الجحيم على التنظيم، وهو ما جرى بالفعل.

أين القاعدة الآن؟.. تحاول أن تقف على قدميها مجددًا باستجداء الأفرع النافرة منها على طريقة النصرة بسوريا.

أميرها المُغيب أيمن الظواهرى لا يملك كاريزما ولا أدوات تعينه، بل إن نجل بن لادن الصغير، حمزة يتطلع علنًا لخلافة والده فى زعامة التنظيم على مرأى ومسمع من الجميع دون وجل.

فيما أن الظاهرة الداعشية المرعبة خلال السنوات الماضية، وقدرة رجالها على الاستحواذ على مساحات شاسعة من أراضى الدول، وكذا تصدير فقهها الدموى حول العالم عبر رسل الذئاب المنفردة، قد جسد الحجم الحقيقى الضئيل للقاعدة فى الوقت الراهن.

فى المقابل، تم تدمير دول عريقة كالعراق وأفغانستان على يد الآلة العسكرية الأمريكية، حيث وجدت واشنطن ضالتها فى الهجمات كذريعة لتضع أقدامها فى المنطقة العربية وتغيير خريطتها بما يناسب مصالحها فى وقت قصير جدًا.

تشرذم العرب كذلك على خلفية تلك الحروب، فى ظل دخول بعض الدول فى التحالف مع الولايات المتحدة ورفض دول أخرى لذلك، فيما تم تناسى القضية الفلسطينية، ولم تعد إسرائيل العدو الأول بالمنطقة، وإنما الإرهاب والإرهابيون هم من صاروا الهدف الأكبر، بعدما انفجرت سمومهم وبارودهم فى وجه الجميع.

ورغم ما يبدو من مكاسب أمريكية تتعلق بتمكن إدارة الرئيس بوش الابن من تفجير الوضع بالمنطقة العربية، إلا أن واشنطن فقدت مصداقيتها الدولية، حيث خاضت حربين بعد 11 سبتمبر ثبت فيما بعد أنهما كانتا جائرتين وتحولا كذلك لمستنقعين لجنودها.

دمرت واشنطن أفغانستان، ومع ذلك فشلت فى إسقاط بن لادن على مدار 10 سنوات كاملة، كما لم تهزم طالبان ولم تنه ظاهرة الإرهاب الدولى أو الجهاد العابر للحدود.

كذلك ثبت للجميع الكذبة الأمريكية بشأن الأسلحة الكيماوية والنووية فى العراق، وهو المبرر الذى ادعته لدخول بغداد وخلع صدام حسين ونظامه.

دول كإيران، استفادت فى بادئ الأمر من 11 سبتمبر، تارة باستقبالها قادة القاعدة على أراضيها وتحويلهم لفزاعة فى وجه الجميع، وتارة أخرى بالتنسيق السرى مع واشنطن فى ملفات تخص أفغانستان على وجه التحديد، إلا أن هذا التوافق انقلب عليها نقمة بانقلاب واشنطن عليها لتقليم أظافرها ووضح حد لطموحها النووى آنذاك.

العالم العربى والإسلامى خسر سمعته على يد مجموعات الإرهاب الموتور، والتى تتاجر فى الدم باسم العقيدة والدين، لتنطلق ظاهرة الإسلاموفوبيا فى الغرب على نحو غير مسبوق.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز