البث المباشر الراديو 9090
الطرق الصوفية
عُرف التصوف عبر التاريخ الإسلامى بكونه علمًا قصد لإصلاح القلوب وإفرادها لله تعالى عما سواه، وتزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية.

ورغم تصدر أعلام التصوف قديمًا وحديثًا المشهد الفقهى والدعوى والإصلاحى، إلا أنه مع وجود 80 طريقة مشهرة فى مصر، وأخرى تسعى إلى حجز مكان بين العدد الحالى، تظل مواقف الصوفية وأعلامها القادرين على نهضته مجددًا واحدة من التحديات، فى ظل انتشار للدجل والشعوذة والاختلاط المقترن بالرذائل، وسط هجوم دائم من قبل الجماعات المتطرفة، وتكفير السلفية.

ورغم بعض المحاولات الفردية للمشاركة فى تجديد الخطاب الدينى قادتها الطريقة العزمية مؤخرًا، إلا أن التصوف يظل باحثًا عن أعلام ومجددون ومؤلفات قادرة على أن تحقق طفرة جديدة على غرار ما فعله علماء راحلون مثل الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الراحل، والشيخ محمد متولى الشعراوى، فى ظل انضواء تام خلف علماء الأزهر.

عبد الحليم محمود.. أَصَلَ لإسلامية التصوف

لشيخ الأزهر الراحل الدكتور عبد الحليم محمود أعماله العديد فى خدمة التصوف والدفاع عنه، فكان واحدًا من أعلامه الحاضرين بقوة فى تحقيق قضية الوجود التى يؤمن بها أتباع التصوف ويهاجم عليها من معارضوه، فأشار إلى أن هناك خلط بين ما قاله الحلاج وابن عربى، حيث إنهما تحدثا عن وحدة الموجود، لا وحدة الوجود كما يسعى الخصوم، مؤكدًا فى كتابه المسمى "التوحيد الخالص.. الإسلام والعقل"، أن الموجود متعدد سماء وأرض وجبال وأناس، أما الوجود الواحد فلا شك فيه، هو وجود الله المستغنى بذاته عن غيره، الذى منح الوجود لكل كائن وليس لكائن غيره.

يذهب فى كتابه "قضية التصوف.. المنقذ من الضلال"، إلى أن التصوف الإسلامى الخالص ليس مستمدًا عمن سبقته من الأديان أو الحضارات، حيث إن التصوف هو العبودية الخالصة لله وأنه جهاد فى الحياة كما أنه جهاد فى ساحة الحرب، وجهاد رموز التصوف على مر التاريخ مثل: شقيق البلخى وحاتم الأصم وأبو الحسن الشاذلى والأمير عبد القادر الجزائرى، وكانت ألقاب بعضهم دليلاً على سعيهم فى الدنيا بالعمل والضرب فى الأرض لا التواكل الذى يدَّعيه البعض على الصوفية، مثل: القصار والخراز والوراق والحلاج والزجاجى والفراء، مشدداً أن حقيقة التصوف فى الالتزام بالشريعة التزاماً تاماً، وانه مستمد من الصوف.

الشعراوى.. حقق لوجود آل البيت فى مصر

كان للإمام الراحل محمد متولى الشعراوى، دور كبير فى الدفاع عما يعتقده الصوفية فى الأولياء والروايات المقرة بوجودهم فى مصر، فكان كتابه "أنا من سلالة أهل البيت" واحدًا من أبرز المؤلفات التى جمعت بين الشعراوى الصوفى وآل بيت النبوة كالإمام الحسين والسيدة زينب ليفند مزاعم المشككين فى تواجدهم فى مصر، وذكر العديد من أحاديث استقبال الرأس الشريف للحسين.

وحرص الشيخ على تفنيد مزاعم السلفية فى القول بعدم صحة الصلاة فى مساجد الأضرحة ووصفهم للصوفية بأنهم قبورين ومشركين، ليؤكد أن مسجد النبى ذاته يجد وجودًا لجسده الشريف وجسد اثنين من كبار الصحابة، كما أن القرآن ذكر بناء المسجد على فتية الكهف.

عمر هاشم.. العالم الأوحد فى المناسبات

يعد الدكتور أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والمجلس الأعلى للطرق الصوفية واحدًا من أبرز الوجوه التى يتكرر ظهورها خلال احتفالات الطرق بمولد النبى، وسبطه الإمام الحسين، فلا يكد يخلو احتفالاً للمشيخة إلا ويكون الوجهة المفضلة لشيخ مشايخها عبد الهادى القصبى، ورغم تقدمه فى السن إلا أنه يظل الموكل بالثقة فى الحديث عن التصوف، يعانى من هجوم شرس يشنه أتباع التيار السلفى الرافضين لفكرة الاحتفال بالمولد أو الاعتراف بالتصوف، إلا أنه يبقى واحدًا من الشخصيات التى تتكفل بالرد عليهم باعتباره من رجال الوسطية وأعلامها بالأزهر الشريف.

استنكر البعض تكرار ظهوره فى موقف وصفوه بالعقم عن إيجاد البديل من بين علماء التصوف ممن يقودون المؤسسة الأزهرية، إلا أنه يبقى أمرًا واقعًا وملازمًا لهم.

ولد هاشم لأسرة صوفية يرجع نسبها إلى النبى، ويؤكد أن التصوف الإسلامى هو مذهب الوسطية والاعتدال والسلوكيات الحميدة وهو عقيدة وإيمان وعمل وجهاد فى سبيل الله، وأن "البدوى" هو أحد كبار المتصوفة وقطب كبير من أقطابها وأعطى لتلاميذه ومريديه القدوة والمثل فى حسن العبادة والتقرب إلى الله تعالى والسمو الروحى ومجاهدة النفس وأيضا الجهاد فى سبيل الأرض والوطن.

كان هاشم أبرز المدافعين عن الأضرحة والصلاة بمساجدها وهو القائل بأن أفعالهم ليست شركاً كما يزعم السلفيون، لافتًا إلى أن فعل الصالحين من القوم حينما قالوا لنتخذن عليهم مسجدًا، وجد استحسانًا من قبل المولى عز وجل.

وشدد على حرمانية الصلاة فى القبور لا فى المساجد نفسها، مستدلاً بقول الامام السيوطى الذى أفتى بصحة الصلاة فى المساجد التى بها أضرحة، وأنه جاء فى كتب السنة الصحيحة أن السيدة فاطمة بنت الحسن بن على بن أبى طالب بن عم رسول الله، قد نصبت قبة على قبر زوجها الحسن بن الحسن بن على، وقول ابن حجر العسقلانى فى شرحه لصحيح البخارى ما نصه "إن المنع مع ذلك حال خشية أن يصنع الناس بالقبر، كما صنع أولئك الذين لعنهم الله، ولعنهم رسول الله، وأما إذا أمن ذلك فلا امتناع".

على جمعة.. المُنقذ للتصوف

يُعد الدكتور على جمعة المفتى السابق، عضو هيئة كبار علماء الأزهر الشريف، وشيخ الطريقة العلية الشاذلية المنضمة مؤخرًا، أحد اشهر المترددين بصورة أو بأخرى خلال الفترة القليلة الماضية، فالمفتى السابق بالرغم من عدم انتماءه لأسرة صوفية أو ايمانه بأفكارهم، إلا أنه يعد منقذًا لهم فى كثير من الأمور.

يصف جمعة منكر التصوف، بأن مادى أراد قتل الإسلام، لافتًا إلى أن التصوف هو الفهم الصحيح للإسلام، وعليه العودة مرة أخرى للحقائق كما تركها الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد ما لحقها من تدليس وقلب للحقائق.

وشدد على أن الجميع مطالب بأن يفهموا أن التصوف هو الدين رغم أنف جميع المنكرين، وأنه ليس منهجًا دمويًا بل هو الدين، وأن ابن تيميه له كتاب تحت عنوان "أقول ائمة السلفية فى السادة الصوفية، ومحمد بن عبد الوهاب كان يقول أسيادنا الصوفية، لكن هناك خبل لدى المتأخرين.

ويدافع شيخ العلية الشاذلية عن كرامات الأولياء، ويستشهد بما جاء عن عبد القادر الجيلانى، حيث كان يأكل بطة، فدخلت عليه امرأة، قالت له: أتحرم ابنى من النوم والأكل والشرب حتى ضعف، وتأكل بطة، فأشار إلى البطة فقامت، فقال لها: عندما يكون ابنك هكذا، وفيما يخص الطواف حول قبر الولى قال: "إن الفيصل فى ذلك هو نية من يفعل ذلك، فإن كان لا يقصد التوسل بهذا الولى، أو يتشبه بالطواف بالكعبة، فلا شيء عليه".

ولجمعة رأيه فيما يخص علاقة الشيخ بالمريد عن الطرق الصوفية حيث يقول "قد يكون الشيخ مرشدًا تامًا، وهو الذى يسمى بالوارث المحمدى، الوارث المحمدى يراعى تلامذته ومريديه حتى على الغير، فإن الله سبحانه وتعالى من شدة صفاء ذلك المرشد الكامل، ومن شدة صقل قلبه، تنعكس على ذلك القلب الأحوال الحادثة مع المريد حتى مع نفسه، فرأوا عن تجربة أنه إذا ما رأى الشيخ المريد فإن الله يكشف له مساوئ ذلك المريد ونقصه، ومع ذلك لا يتأثر لهذا النقص، ولذلك لا نخاف من أن يظن ظنًّا سيئًا فى المريد، لأنه يعلم أن النقص قد استولى على جملة البشر إلا من عصمه الله".

علماؤنا يتصدرون الأزهر

يدافع عبد الهادى القصبى، شيخ مشايخ الطرق الصوفية، عن التصوف الحالى قائلاً: "معظم أهل التصوف من علماء الأزهر والأوقاف ولا يوجد فصل بين علماء الأزهر والأوقاف والصوفية، فنحن مؤسسات تتكامل مع بعضها"، مشيرًا إلى أن التصوف يزخر بالعديد من العلماء والمفكرين والمجددين ولا يمكن اتهامه بأنه مقصر فى أمور التجديد، حيث أن هناك رموز له يملأون الدنيا علمًا كالدكتور أحمد عمر هاشم، والدكتور على جمعة، أعضاء هيئة كبار العلماء وغيرهم، فهؤلاء علماء التصوف وفى نفس الوقت أساتذة فى الأزهر، ولا يمكن الفصل لأن التصوف الصحيح هو تطبيق كلام الله وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وأشار القصبى، فى تصريح خاص لـ"مبتدا"، إلى أن الطرق الصوفية تحرص فى مناسباتها واحتفالاتها على أن تبرز الوجه الصحيح للإسلام، وأن يكون هناك مؤتمرًا وأمسيات دينية فى كل مناسبة للحديث فى جميع التخصصات الفقه والحديث والتفسير ثم التحدث فى أمور الدين وما يصلح لاستقامة الحياة من العمل والاجتهاد، والصدق والتنمية مواجهة الإرهاب، وكل هذه الموضوعات تضرب بقوة فى طريق تجديد الخطاب الدينى الذى نادى به الرئيس عبد الفتاح السيسى.

وشدد شيخ الصوفية على أن التصوف معروف برجاله الحريصين على نشر سماحة الإسلام ووسطيته ومواجهة التشدد والتطرف من خلال التقيد بما عليه النبى محمد من أخلاق، وما جاءت به الشريعة الإسلامية السمحة وتقبل الآخر والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن الإصلاح الصوفى هو سبيلنا إلى العودة مجددًا بعد فترات طويلة عانت فيها مصر من المتشددين.

التيار الصوفى المصرى غير قادر على التجديد

أكد أبو الفضل الإسناوى، الباحث المتخصص فى الشأن الصوفى بمركز الأهرام، أن التيار الصوفى فى مصر لا يحسن استثمار الفرص السانحة أمامه فرغم ثورة 30 يونيه، وخلو المشهد من تيارات التشدد والتطرف، وغياب الإخوان والسلفيين عن الساحة المصرية، لم يكن لديهم قدرة على سلوك بعضاً مما يحققه التيار الصوفى بالمغرب والسودان من نجاحات جعلته يحظى بعناية الملك ومؤسسات الدولة.

وأشار الإسنادى إلى أن المشكلة الرئيسية التى تواجه 80 طريقة، أنها قائمة على مؤسسية خاطئة، فمنذ عشرون عامًا وهى قائمة على التوريث، ولا تتخلى عن فكرة المركزية القائمة على الجلوس بالقاهرة، وتخليها عن حلقات الذكر التى تقام بالمحافظات، إلى جانب تخليها عن الدور المجتمعى.

وتابع أن التيار الصوفى لديه مشكلة فى الامكانيات المادية كأكبر عائق أمامها، كما أن مجلس الطرق يخضع لدور الدولة لكنه لا يحظى بمثل ما يحظى به مجلس المغرب المدعوم بقوة مالية من ملك المغرب ويقوم بصحوة، مشددًا أن المجلس عليه دوران أحدهما تنظيمى والآخر دعوى لكنه لا يفعل أيهما.

وحول الطريقة العليا الشاذلية، قال إن طريقة الدكتور على جمعة عليها دور كبير فى نشر المنهج الصوفى المعتدل كونها تقوم على منهج علمى قوى، إلا أنها مقتصره على رموز الأزهر، وتواجه مركزية هى الأخرى، وعليها أن تبادر إلى القرى والنجوع والمحافظات للوصول إلى الأماكن التى نجح الإخوان فى الوصول إليها وتعانى اليوم من فراغ بعد سقوطهم.

وشدد الاسناوى، فى تصريح خاص لـ"مبتدا"، على أن 25 يناير عادت بالصوفية للمشهد السياسى والاجتماعى، وسط تراجع لتيار التشدد وجماعة الاخوان، الذين تركوا فراغًا اجتماعيًا كبيرًا لم يستطع الصوفية سده حتى الآن، لافتًا إلى أن تلك التيارات كانت تعول على الخدمات المجتمعية فاستطاعت أن تصل إلى قلوب الشارع، وهو أمر يغفل عنه الصوفية الآن نتيجة تكاسل شيوخ الطرق عن النزول من أماكنهم بالقاهرة إلى الأقاليم، فى ظل محاولات لبعض الطرق فى أسوان والأقصر بإجراء مصالحات اجتماعية ومجالس للقضاء على الثأر وخلافه، وفى ظل وجود رئيس يؤمن بالتصوف ويعتبره منهجه فى تجديد الخطاب الدينى يجب على الطرق أن تبادر إلى استثمار الفرصة فلا يوجد خطاب للرئيس إلا وبه بعض المصطلحات الصوفية وهو أمر لن يتكرر.

وشدد على أن الطرق اليوم باتت وحدها بالمشهد، وأكثر قربًا من الدولة والشارع، وتمتلك قدرات يجب استغلالها، فلا يوجد مهددات الآن سواء الإخوان أو السلفية فجميعهم خرجوا، ويجب أن تقوم بدورها بعيدًا عن الكسل، وأن تتخلى عن مركزيتها، ففى العشرينات استطاعت جذب جموع الناس واعتبرت أنها نوع من التدين ومثلت خروجًا آمنًا نتيجة تفاعلها وتفاعل مشايخها الذين كانوا متنقلين بين المحافظات ويقومون بحلقات الذكر، بعيدًا عن فكرة التوريث، وأن يحدث التآلف والتقارب، التحالفات فيما بينها، فالطريق الآن مفتوح.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز