جمال الغيطانى
كانت للغيطانى وجوهًا متعددة. عمل مراسلًا حربيًا لمؤسسة أخبار اليوم، كان شاهدًا على حرب الاستنزاف، وعبر مع العابرين فى أكتوبر 1973، وعلى مدار سنوات عمره احتفظ بعلاقات طيبة للغاية مع المؤسسة العسكرية.
فى عام 1993، كان الغيطانى على موعد لإطلاق إصدار ثقافى عن مؤسسة أخبار اليوم، سيكون أهم إصدار ثقافى وأدبى لا فى مصر فقط، بل فى العالم العربى كله. أصدر الغيطانى جريدة أخبار الأدب التى أتمت خمسة وعشرين عامًا على تواجدها الصاخب فى الحياة الثقافية. كل من نشر نصًا فيها فى التسعينات وأوائل الألفية الجديدة، اعتبر نفسه كاتبًا حصل على جواز المرور. ظل نشر قصة أو قصيدة فى أخبار الأدب حدثًا ثقافيًا ومناسبة جديرة بالاحتفال لصاحبها، وفى وقت كان النشر فيه مرهقًا للغاية، بدت أخبار الأدب بمثابة المتنفس الوحيد للموهوبين.

لم يتعطل الغيطانى عن مشروعه الإبداعى بسبب الصحافة، استطاع تحييدها، أنجز الكثير من الأعمال الأدبية الفارقة: "الزينى بركات" "أوراق شاب منذ ألف عام، "كتاب التجليات"، وغيرها. حصل على جوائز كثيرة، منها جائزة الدولة التقديرية، وجائزة زايد للإبداع الكتابى، ووسام فارس، كما ترجمت أعماله للغات كثيرة، كما يعتبر أكثر أبناء جيل الستينات الأدبى الذين تُرجموا.
هنا، يتحدث ستة من المثقفين العرب لـ"مبتدا" عن الغيطانى، الإنسان، والأديب، والمبدع.
آمن بالترجمة
الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة الأسبق، يقول إن جمال الغيطانى كان أكثر من ساندوه ودعموه لإنجاز المشروع القومى للترجمة ثم المركز القومى للترجمة، متابعًا: "لا يمكن إنكار جهد الغيطانى الكبير فى دفع مشروع الترجمة، لدرجة أنه كان يكلف زوجته الأستاذة ماجدة الجندى لمتابعة المشروع بشكل شبه يومى. فى سفرياته خارج مصر كان الغيطانى يعود بكتاب أو اثنين لنترجمهما. أذكرة أنه جاء إلى مرة بكتاب عن بوشكين، وصدرت ترجمته واحتفى بها جدًا فى أخبار الأدب. أذكر أيضًا أنه جاء لنا بمخطوطات فرعونية. لم يكن يسافر إلا ويطلعنا على الجديد دائمًا. أتذكر أيضًا أن الكتاب الذى ترجمناه عن تشيخوف، كان الغيطانى هو من ساعدنا لنصل لناشره الأجنبى والشركة التى أصدرت الكتاب".

وأضاف عصفور: "الغيطانى آمن بالترجمة، وكان يدعو للاتجاه شرقًا على الناحية الثقافية، ليس انحيازًا للشرق، ولكن لتحقيق التوازن بين الشرق والغرب بدلًا من الانغماس الكامل فى الغرب. لذلك كان سعيدًا للغاية عندما ترجمنا المثنوى، وهو ما يعنى أنه كان معنٍ بالتوازن الثقافى أكثر من فكرة الانحياز للمعسكر الشرقى".
يرى عصفور أن الغيطانى هو أكثر واحد فى جيله تمت ترجمة أعماله، موضحًا: "يعود ذلك لأهمية كتاباته من جهة، وخاصة ترجمة التجليات للفرنسية التى حققت أصداء واسعة له فى العالم كله، وبالتالى سلطت الضوء على كل كتاباته، ولا ننس أيضًا علاقاته خارج مصر، وكانت رئاسته لتحرير أخبار الأدب مفيدة أيضًا. الغيطانى كان أديب علاقات عامة، بمعنى أنه لم يكن يترك أديبًا إلا ويسعى للتواصل معه".
صانع السجاد
الروائى السعودى عبده خال يقول: "نحن كائنات لها هياكل مهما تقاربت أشكالنا إلا أن ثمة جوهر مخبئ داخل هذا الجب الذى نسميه قلب أو سيرة.. نحن سجلات سرية لا يعرف هوامشها أو متونها الا العارفين بأسرار النفس البشرية، وهم الروائيون.

يتابع الروائى الحائز على جائزة البوكر العربية 2010: "واذا ترفقت هابطا فى بئر سيرة جمال الغيطانى للتعرف عليه سوف تجد ما لم تكن به عليم، له سجل حياتى نعرفه جميعا كمعلومات مسجلة فى الارشيف إلا أن تلك المعلومات لكل جزء منها حياة، لا نقف على جزالتها وعمقها كوننا عابرون للسير، عابرون بعيوننا وليس بقلوبنا... من يعرف أن ذاك الصبى الذى تدرج فى أزقة حى الجمالية سوف يكون سجلا وفيا للعهود والقادة والناس والأمكنة ويعيد سردهم، الأحياء الشعبية مضخة تتركت بصمتها فى أنحاء ذاكرتك وقلبك، وجمال أسس فى داخله وجودا جماليا بتلك الطفولة التى درج فيها بين الناس وحكاياتهم، ودفعت بشاب درس فن تصميم السجاد الشرقى وصباغة الألوان، لأن يخوض حياة مبكرة بحثا عن الجمال ليس جمال الاشكال فقط وإنما التغلغل فى هواجس النفس البشرية، وما تحمله من أثر جمالى ونفسى، تغلغل فى قيام النفس وموتها وبين الحياتين رأى ما يسند داخله بيقن كتبه أو بمعنى أدق صياغة، أخرج للناس كنزا وقعت عليه عيناه، فأفشى سر الأمكنة المزروعة فى قلبه والمتناثرة بين شوارع وأزقة القاهرة.

يُنعش سيرة جمال أنه عاش فى حضن حى الجمالية الموشوم بالناس، والحكايات، والسير التى كانت زادا لمخيلة الروائيين، وزادا فى انجاب شخصيات سياسية واقتصادية شكلوا حياة مصر من خلال مواقعهم الرسمية أو الثقافية أو الاقتصادية.. وجل العرب عشقوا الاحياء الشعبية المصرية من خلال الروايات (نجيب محفوظ ويوسف إدريس وعبدالحكيم قاسم وابراهيم أصلان والبساطى...) كم مهول من السير المتباينة والمختلفة في تفاصيلها الداخلية كتبها الروائيون، حتى تمثلنا عشق الأمكنة... وحى الجمالية عشقته من خلال الشخصيات التى بزغت من هناك.. الآن مشبع بيقين أن المكان هو عرف أو رائحة المجال الروائى الحقيقى، فالمكان يصبغ الشخصية ويمنحها بصمتها الفريدة.
وكانت معرفتى الأولى بالروائى جمال الغيطانى معرفة قرائية قبل أن تكون صداقة.. قرأت له ،مبكرا، التجليات وفى تلك القراءة وجدت أن ثمة هاجس يشير لى بسلوك درب كتابى مغاير، اذ كانت الحداثة فى السعودية فى أوج اشتعالها، وكنت أكتب القصة القصيدة، ومع التجليات لم يرق لى الغرق فى بحر متلاطم عبرته الذاكرة والحياة معا.. لم يرق لى ذلك مع أن النقاد يشيدون بثلاثية الأجزاء من التجليات، ومبكرا لم أتصالح مع جمال قرائيا حتى قرأت له (وقائع حارة الزعفرانى) و(الرفاعى) و(الزينى بركات) و(حكايات الغريب) وكلما اكتسبت سنوات من النضج أجد أن جمالا هو نفسه ذاك الشاب الذى قادته فطرته الجمالية إلى دراسة فن تصميم السجاد، وواصل رحلته لكتابة فن تصميم النفس البشرية من الداخل... جمال صانع سجاد حتى فى كتاباته هو الباحث عن المنمنمات الدقيقة ليجسدها كتابيا.. ولأن الكتابة بحاجة إلى جلد وإتقان واصل جمال تصميم سجادته الكتابية حتى إذا رأى مكانا يمنحه فرصة إظهار فنون الأبنية وأثرها التعبدى فى تزين النفس من الداخل كان برنامجه التلفزيونى عن الأمكنة فى جانبها التعبدى سواء أكانت أضرحة أو مساجد أو قلاع، كان قادرا للعبور بالمشاهد إلى أزمنة وأمكنة راسخة فى الوجدان.
وفى أول لقاء بالرائع جمال الغيطانى حدث ذلك فى زيارتى له فى جريدة أخبار الأدب، ومن تلك الزيارة امتدت العلاقة، ودا واحتفاء وقراءة
كان سمت جمال الهادىء فرصة لأن تعبر فى صمته لمعرفة الأعمق أو أن تبحر لإحداث ترطما بين الصمت والضجيج، عشت فى صمته وعشت فى ضجيجه وفى الحالتين كان مصمم منمنمات السجاد ظاهرا وخافيا
المساحة غير جديرة بأن أوصل بين ما أشعر به وبين سيرة حافلة لا يمكن لمساحة كهذه أن تستر قامتها العالية.
مات جمال وفى ذمة التاريخ سر رواية (زبيبة والملك) وهى قصة سوف تظل تكرر عبر الأزمان القادمة أكثر من تكرار سيرة كل أعمال جمال الغيطانى".
حياته رواية كفاح ونجاح
الروائى الفلسطينى يحيى يخلف قال: "سطّر جمال الغيطاني صفحات مشرقة فى تاريخ السرد العربى، وترك بصمة واضحة فى تجديد وتعميق المجرى الإبداعى والجمالى للرواية العربية.
وتابع: "جمال الغيطانى مبدع من جيل الستينات من القرن الماضى، فى زمن شهد نهوضا ثقافيا فى مجالات الآداب والفنون كافة، عندما كانت القاهرة الحاضرة الأولى للثقافة العربية ( وبالطبع ما زالت)، ولم يكن يجاريها الا العاصمة اللبنانية بيروت، التى كانت مركزا للنشر والحداثة والتجريب.

جمال الغيطانى وأبناء جيله من جيل الستينات تفتّح وعيه وترعرع تحت شمس ثورة يوليو التى قادها عبد الناصر، وطرحت مشروعها فى التحرر الوطنى، والعدالة، ومقاومة الاستعمار، والأفكار الاشتراكية، وإنصاف العمال والفلاحين، وتأميم قناة السويس، ومناهضة إسرائيل والقوى الاستعمارية إلخ، ولا شك أن النهوض الوطنى يصنع نهوضا ثقافيا، لذلك قدّم مبدعو مصر ومنهم جمال الغيطانى، إبراهيم عبد المجيد، محمد المنسى قنديل، إبراهيم أصلان، محمود الوردانى، هالة البدرى، بهاء طاهر، يحيى الطاهر عبد الله، وأسماء شابة كثيرة أعمالا روائية تستحق التقدير وتدعو إلى الإعجاب. وكان لهؤلاء الكتاب آباء من جيل من الروائيين الرواد، ومنهم توفيق الحكيم، نجيب محفوظ ويوسف ادريس.
جيل الستينات عاش زمن النهضة والكبوة، جيل حالم كتب من مواقعه التقدمية، وانكسرت أحلامه بعد نكسة حرب يونيو 1967
وجاءت رواية الزينى بركات لجمال الغيطانى لتعبّر عن أعلى تجليات هذا الانكسار حين استلهمت هزيمة معركة مرج دابق زمن المماليك وأسقطت الماضيى على الحاضر لتعبر عن هزيمة يونيو 1967.
عرفت جمال الغيطانى فى أواخر السبعينات من القرن الماضى عندما كنت أزور القاهرة والتقى مع مبدعين ونقاد وكتاب مسرح ومنهم جمال الغيطانى، أمل دنقل، جابر عصفور، بهاء طاهر، رجاء النقاش ، إبراهيم عبد المجيد، نعمان عاشور، فاروق عبد القادر، على الراعى وأسماء أخرى.
كنت فى ذلك الوقت قد نشرت روايتى الأولى: نجران تحت الصفر التى كتبتها عام 1977 بعد أن عملت بعد تخرجى معلّما فى مدينة نجران جنوب السعودية، وكانت أول رواية تتحدث عن المسكوت عنه من ممارسات الفكر الوهابى فى الجزيرة العربية، وقدمتنى الرواية بقوة إلى المشهد الثقافي العربى، واحتفى بى أدباء مصر الذين كنت ألتقى معظمهم فى مقهى ريش واحتفى بى بشكل خاص الصديق جمال الغيطانى
امتد بنا العمر، وامتدت صداقتنا وامتد عطاؤنا بتدفق لم ينقطع، وكنا نلتقى فى مناسبات ومؤتمرات ثقافية فى أماكن وعواصم مختلفة، وفى دورات معرض القاهرة الدولى للكتاب وكثيرة هى الذكريات التى يمكن أن أتحدث عنها، ولا تستطيع هذه العجالة أن تلمّ بها.
عندما أسس جمال الغيطانى مجلة أخبار الأدب كنت من كتابها، ونشرت بها مقالات عديدة، ومنها كتابى: يوميات الاجتياح والصمود شهادة ميدانية. ويعود الفضل فى كتابته إلى جمال الغيطانى الذى اتصل بى صبيحة الاجتياح الاسرائيلى عام 2002 فيما أطلق عليه عملية السور الواقى، وأعاد الجيش الاسرائيلى احتلال مناطق السلطة الفلسطينية، ووجد مقاومة شعبية فلسطينية شجاعة، لكنّه دمّر وهدم وقتل، وحاصر الرئيس عرفات.
اتصل بى جمال الغيطانى ليسألنى عمّا يجري فى رام الله وسائر المناطق الفلسطينية، واقترح أن أكتب يوميات الاجتياح، وقد نشرت هذه اليوميات فى مجلة أخبار الأدب، ثمّ نشرتها فى كتاب.
ومما يجدر ذكره فى هذه المناسبة اللقاء الذى نظّمه لى وللصديق الشاعر محمود درويش عام 2004 مع الروائى الكبير والعظيم نجيب محفوظ. كان لقاءً حميما ودافئا، إذ ترجع صداقة درويش ومحفوظ إلى عام 1971 عندما عملا معا فى صحيفة الأهرام، وجمعهما مكتب واحد، وكان معنا بالإضافة لجمال الغيطانى كل من الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى، والروائى يوسف القعيد، وجرى فى اللقاء حوار ثقافى وفكرى سجّله الغيطانى ونشره فى أخبار الأدب
فى الذكرى الثالثة لرحيل الغيطانى أقول: يرحل المبدعون لكن إبداعهم لا يرحل. وأقول إنّ مسيرة الغيطانى الحافلة كانت رواية كفاح ونجاح".

حفر الغيطانى فى تاريخ مصر
وتقول الكاتبة السورية شهلا العجيلى: " لعل ثمانينات القرن العشرين هى المرحلة التى أقامت أود حياة الإبداع الروائى فى مصر حتى اليوم، وإن ما يسمى بجيل الستينيات، مهما كان الخلاف عليه، أثمر فيها بشكل دافق ومتواتر، فقد كانت مرحلة نضجه وتحديد خياراته الفنية. ولاشك فى أن الوجود الفاعل لنجيب محفوظ بوصفه مرجعية ممتدة، منح الجو الثقافى العام المصرى حيوية وثقلاً، وقد تحول وجوده الرمزى بعد نوبل 1988 إلى جو محاط بالأبهة يرمى نثار ذهبه على بلاد العرب كلها. إنّ مراجعة سريعة لنتاج تلك المرحلة ستمنح مؤشّراً دالاً على تفرد كل تجربة من تلك التجارب الروائية، ومنها تجربة الراحل جمال الغيطانى. أنتج إبراهيم أصلان (1935- 2012) روايته مالك الحزين فى العام 1981، والتى انتبه فيها إلى حيه الأقرب إمبابة، فقدم تفاصيل واقعية يومية من حياة الناس المهمشين بتناقضاتهم المضحكة المبكية فى الكيت كات. وقدم صنع الله إبراهيم اللجنة فى العام 1981 برؤية نقدية قوامها الفانتازيا. كما قدم بهاء طاهر ( 1935 ) روايتيه (قالت ضحى) و(شرق النخيل) فى العام 1985 شقى عبرهما طريقه فى توظيف كل من التاريخ الفرعونى والأسطورة المصرية، لينتقد الواقع، ويحكى الاغتراب والفساد والتحولات الاجتماعية السياسية ، لاسيما بعد ثورة يوليو مستعيناً بالجذور. يأتى أيضاً صوت إبراهيم عبد المجيد (1946) من الإسكندرية فى (الصيّاد واليمام) 1981، والمسافات 1989، ليلتقط مشاهد أيقونية من المجتمع يعالجها بفرادة مستعملاً الواقعية السحرية. من أجل هذه المناخات التجريبية كان جمال الغيطانى (1945- 2012) يعد العدة لمشروعه الكبير بروايتيه الزينى بركات 1974 ووقائع حارة الزعفرانى 1976، كان الأسبق زمنيّاً فى اختيار نهجه الفنى الذى دحض عبره المقولة المأثورة التى تصف جيل الستينيّات على أنه جيل بلا آباء، إذ سنجد الغيطانى يستعيد الأبوة الثقافية على طريقته المتفردة فى مساءلة تراث مصر، وتوظيفه روائياً.

كان شعراء مصر، لا سيما أمل دنقل، قد عثروا قبل الروائيين على كنز التراث الثرى، فأعلنوا مواقفهم من الماضى والواقع باستخدام حوادث وأقنعة من التراث ذاته، وأعتقد أن الغيطانى استطاع نقل هذه التقنية بفنية عالية إلى حقل الرواية، وضمن شرطها الفنى وسرديتها، فعمل على أسلبة اللغات، والمورفولوجيا بعامة من جغرافية وعمارة وأزياء، بأسلوب يحاكى مدونات التراث المصرى التى أخذ عنها، ولكن ضمن الشرط الروائى كما أسلفت. إن حفر الغيطانى فى تاريخ مصر تحديداً، واستفادته من مدونات ابن إياس والجبرتى، وكتب الرحالة الذين رافقوا الحملة الفرنسيّة، وكتب مستشرقى القرن العشرين، كون لديه مادة معرفيّة ضخمة، استفاد منها فى كتابه البديع (ملامح القاهرة فى ألف سنة) (1983). إنه كتاب ثقافى معرفى استفاد فيه أيضاً من معرفته بتفاصيل أحياء القاهرة العتيقة، لا سيما الجمالية، والتى قضى فيها شطر الصبا والشباب، وأيام الدرس، وهى الأيام التى ينبنى فيها وعى الفرد. كما استفاد من تخصصه فى الفنون التطبيقيّة أيضاً، فذهب بعيداً فى تقصى تاريخ الظواهر والأشياء والفنون، التى يطرح من خلالها أسئلة الهوية! يبدأ، فى دراسة أنثروبولوجية ثقافية، بفضاء المقهى ومتعلّقاته، متقصياً ولادته فى البنية الاجتماعيّة المصرية، وتحليله وتحريمه، وتاريخ حضور مستلزماته من تبغ وقهوة ونارجيلة وآلاتيّة وصحف وكتب... متتبّعاً تكاثر المقاهى وتنوعها بحيث تكون للفنانين أو لأصحاب المهن أو للخرس، ومفصّلاً فى عمارتها وتأثيثها، ليصل بنا إلى تحولها إلى منتديات ثقافية، عاقداً مقارنات بين مفهوم المقهى بين الشرق والغرب، وشكله وأدواته بين القاهرة وغيرها من العواصم العربية... نخرج فى هذا الكتاب من المقهى إلى أزقة القاهرة وأحيائها ونتعرف إلى تاريخ أبوابها وشخصياتها، لاسيما زمان المماليك الذى يعده الغيطانى زمان القاهرة الخاص الذى منحها أبرز جيناتها الثقافية، ليدخلنا بعد ذلك إلى البيت حيث المعمار الفريد الجمالى والوظيفى، والطبقية الاجتماعية، وكل ما يشير إلى ذكورية البناء الأسرى من وراء المشربيات، وذلك كله غير معزول عن الواقع، وعن جهود الإدارات من أفراد ومؤسسات فى إحياء مكوّنات الهوية، إذ يلقى الغيطانى الضوء فى هذا الكتاب الممتع حقّاً على مشكلات التلاؤم بين الإنسان وبيئته، وبين الفرد وتراثه، وبين النخبة والعامّة، وبين المروى والمكتوب".
انشغل بسؤال المصير
لا ينسى القاص سعيد الكفراوى يوم اصطحبه جمال الغيطانى إلى مقهى ريش، ليقابل الأستاذ نجيب محفوظ، فى حين يتحلق حوله أدباء جيل الستينات. كان ذلك فى عام 1968، بعد صدور جاليرى 68، المجلة المعبرة عن جيل الستينات الأدبى، ليظل هذا الحدث عالقًا فى ذاكرة الكفراوى طوال حياته.

يتابع: "جمال كان بابًا كبيرًا دخل منه كثير من كتاب جيله والأجيال التى تليه. كانت أخبار الأدب مفتوحة للجميع، اهتم جمال بتقديم عدد من الأسماء باعتبارهم كتيبة هذا الجيل. جمال متعدد ثقافيًا. درس التراث وعمل عليه، ووظفه فى تقديم مشروعه الإبداعى، وهو الصحفى المرتبط وجدانيًا بالقوات المسلحة. كان الغيطانى روائيًا متفردًا عبر عن المتغيرات التى شهدتها مصر، واهتم بالمنطقة الغامضة فى عمل أجهزة الاستخبارات، ولم يغفل الجانب الصعيدى داخله. انشغل جمال بسؤال المصير والزمن والشطح، واستفاد من قراءاته فى التصوف واخترع أسلوبًا يقترب من أسلوب السرد التاريخى عند ابن إياس، واستعار من التجربة الصوفية بعض ملامحها ليكتب التجليات، وهو أهم كتبه. لذلك عندما يرحل واحد بحجم جمال الغيطانى فإن الفراغ الذى يتركه لا يمكن سده بحال من الأحوال".
أديب إنسانى عظيم
الروائى اليمنى الغربى عمران يقول: "بدايتى معه كانت مع "الزينى بركات".. ذلك العمل الملحمى الذى قادنى لمعرفة جوانب مهمة من حياة المجتمع المصرى.. ثم مع "وقائع حارة الزعفران".. تبعتها برواية "الزويل".. بعدها سعيت بالبحث عما فاتنى من نتاج هذا الأديب المختلف بلغته وعوالمه.. وتوظيفه للتراث وأساليب الحكى العربى.

إن من يقرأ الغيطانى يجده مصطحباً له إلى أعماق المجتمع المصرى.. منشغلا فنيا بأساليب من التراث العربى. وهنا اختلافه عن البقية.. وإن كان القعيد قد جاوره فى الكثير. إلا أن نهر عطائه المتدفق لما يقارب من الأربعين عملاً سردياً كان مختلفاً. ويحضرنى هنا أبرز أعماله: مدينة الغرباء.. هاتف المغيب.. وقائع حارة الزعفران.. حكايات الخيبة.. حكاية مؤسسة.. ملامح القاهرة فى الف عام.. رسالة البصائر.. تجليات مصرية.. الزويل.. ورائعته الزينى بركات.
الغيطانى كانت بداياته مع القصة القصيرة.. التى تجاوز عددها الخمسين نصاً قصصياً. إلا أن ما لفتت انتباه النقاد كانت أولى إبداعاته الروائية "أوراق شاب عاش منذ الف عام" أولى رواياته.. ليتابع النقاد بعد ذلك صدور أعماله. وتترجم العديد منها إلى لغات أخرى .. منها الألمانية والفرنسية.. ويحصد العديد من الجوائز والأوسمة ومنها وسام الاستحقاق الفرنسى، بدرجة فارس، وجائزة لورباتليون لأفضل عمل أدبى مترجم إلى الفرنسية.. إضافة إلى عدة جوائز عربية كبية منها جائزة الشيخ زائد والعويس ومن مصر التشجيعية والتقديرية.
التقيت وأدباء اليمن بالغيطانى فى زيارته لليمن تلبية لدعوة من دكتور المقالح.. وذلك للمشاركة فى ملتقى الرواية العربية الألمانية عام 2004.. والذى شارك فيه عدد من الأدباء العرب والألمان من أبرزهم "جونتر جراس". وكان للغيطانى استقبال خاص فى منزل رئيس الوزراء عبد القادر باجمال، الذى أقام على شرفه مأدبة غدى وللضيوف المشاركين فى الملتقى كما دعى كبار أدباء اليمن وشخصيات سياسية.
ثم زرته بمكتبه فى دار أخبار الأدب فى القاهرة.. لأسلمه دعوة مشاركة فى مهرجان صنعاء للقصة والرواية 2008.. وكم كان جميلا حديثه عن مدينة صنعاء العتيقة.. حيث أبهرنى وأبهر من كانوا حوله بالحدث عن عشقه لها.. كان يتحدث بوله. ثم وهو يعرفنى غلى محررى أخبار الأدب.. عزة القمحاوى .. محمد شعير.. أحمد ناجى.. والأستاذ طارق الطاهر والروائية المتجددة منصورة عز الدين التى كنت قد قرأت لها "وراء الفردوس".

تعددت اللقاءات به فى الملتقيات الأدبية العربية.. حيث مثل حضوره إضافة لكل مهرجان أدبى يشارك فيه.. وهكذا التقيته فى طرابلس.. ملتقى الأدب العربى الإفريقى.. وجمعتنا سهرة فى حديقة الفندق على إيقاع النكتة المصرية.. أدارها الروائى الراحل خيري شلبى والقاص المقيم سعيد الكفراوى.. وهكذا تعدد لقاءاتى بوهج حضوره فى أكثر من ملتقى أدبى
فى الدورة الخامسة لملتقى القاهرة الدولى للابداع الروائى ديسمبر 2010. توقع الجميع حضوره خاصة أن المشاركين من خارج مصر.. يعد اللقاء به غاية لكنه لم يحضر. زرته بعد الملتقى فى أخبار الأدب للسلام والاطمئنان عليه .. فوجدته غير راض لكل ما يدور فى البلد
لم أكن أدرك بأنه آخر لقاء لأحد عمالقة الأدب العربى.. من أضاف فيضه الإبداعى إلى الإنسانية الكثير.. لأصدم بعد سنوات قليلة بوسائل الأعلام تتناقل خبر وفاته فى أكتوبر عام 2015
ثلاث سنوات على رحيل أديب عربى وإنسانى كبير.. ترك من روحه بيننا.. أجزم بأنه باق.. ما بقيت تلك الروح العظيمة المتمثلة بإبداعه. وإن اشتاقت قاهرة المعز لإيقاع خطواته.. نظراته .. صوته المغرم بمنمنماتها.. وزخارف ونقوش مبانيها.
الغيطانى متعدد الحب والعطاء.. باحث فى التراث العربى وروائى كبير.. معد لبرنامج تابعه الملايين فى عشق القاهرة الفاطمية على شاشات الفضائيات... الغيطانى الرسام الصحفى بداية شبابه.. المراسل الحربى.. رئيس قسم الأخبار الأدبية فى أخبار اليوم.. ومؤسس ورئيس تحرير جريدة أخبار الأدب.
يستحق التكريم والعناية من الجهات الرسمية والمدنية بعد رحيله.. أن يطلق اسمه على أحد المؤسسات الثقافية والبحثية .. توسيع دائرة ضوؤه فى المقررات الدراسية.. معاهد متخصصة وجامعات... وغير ذلك بما يليق بعطاء الراحل العظيم".