تدمير الدول
لا شك أن التخريب هو أعلى سمات انهيار الدول، كونه يستهدف فى المقام الأول قيم المجتمع بداية من "العقل والضمائر وهدم الموروث الأخلاقى"، إلى أن تصبح هدفا يسهل الوصول إليه وتدميره.
لكن ما قد يزيد من صعوبة العدو، هو ما إذا كان البلد المراد تدميره يتحرك بشكل لا إرادى، وتلك المرحلة تسمى بزعزعة الاستقرار، وتعتمد فى داخلها على بث الفتنة بين أبناء المجتمع، وتحريض بعض الشخصيات المضطربة لمعادة النظام السائد، وذلك من خلال تجنيدهم لحسابهم الخاص، ومن هنا يسهل إحكام القبضة دون تكبد عناء شن أى عملية عسكرية.
وبالنظر إلى ما سبق، نجد أن توماس شومان عميل جهاز المخابرات السوفيتى السابق "كى جى بى"، أشار إلى إمكانية جر المجتمع بالكامل للانهيار وأخذه إلى أزمة حقيقية.
المرحلة التى يتحدث عنها شومان، تُعرف بـ"الأزمة"، حيث لا يتوقف العدو بل يسمح له أن يذهب وتذهب أنت معه نحو الاتجاه الذى يريده هو، وهذا هو الغرض الأساسى للتخريب.
وتستمر مرحلة الأزمة بالتحرك نحو المجتمعات التى تضم "الدين والتعليم والحياة الاجتماعية وغيرها"، وتبدأ فى تدمير القيم الدينية والسخرية منها بمختلف طوائفها، إلى أن يتم إحلالها واستبدالها بمنظمات أخرى وهمية تدَعى الدين فى ظاهرها، وهى فى الحقيقة لا تمت له بصلة.

وتباعًا، يتم تشويه الحقائق الهادفة ذات القيمة البناءة، واستبدالها بأشياء "تافهة" لا تحمل فى طياتها أى جدوى على المدى القريب أو البعيد، إلى أن تصل لمرحلة الدمار العقلى.
والأهم فى ذلك، السعى جليًا إلى انتزاع قدرة الشعب على تحمل المسؤولية من الروابط التى أُسست على الوطنية، وإحلال نظام بيروقراطى، كى يسهل التحكم به.
وأخيرا نجد "مرحلة التطبيع" التى تنتج عن الدور الإيجابى الذى توصل إليه العدو فى بث الكراهية وتأجيج الفتن بين أبناء الشعب، إلى أن ينجح فى سد الفجوة العميقة، ويتمكن بموجب ذلك من فرض هيمنته على الدولة بأكملها دون الدخول فى صراع عسكرى.
مراحل التخريب
يقول توماس فى إحدى محاضراته القديمة: "فى آخر مراحل التخريب يمكنك إسقاط عدوك بسهولة ودون طلقة واحدة، فهذا هو التخريب بكل بساطة، حيث يتكون من 4 مراحل زمنية محكمة".
وذكر أن أول مراحل التخريب هى "إسقاط الأخلاق"، وتستمر مدتها من 15 إلى 20 عاما لكى تدمر أخلاق مجتمع، مؤكدا أن هذه المدة كافية لتعليم جيل واحد من الأطفال أو الطلاب وتشكيل المنظور الأيدلوجى لشخصيته، حيث تشمل التأثير أو بطرق مختلفة خلخلة أساليب الدعائية بمختلف المجالات التى تشكل الرأى العام، مثل الدين والنظام التعليمى والحياة الاجتماعية والإدارة ونظام تطبيق القانون والعمل على علاقات أصحاب العمل الاقتصادى.
وشبه أسلوب التخريب بفن الدفاع عن النفس "السودو اليابانى"، قائلا: "أسلوب التخريب شبيه بفن الدفاع عن النفس اليابانى، فإذا كان العدو أكبر وأثقل منك سيكون من المؤلم جدا مقاومة ضربته مباشرة، وإذا كان هناك شخص ثقيل يريد ضربك على وجهك سيكون من السذاجة وغير مجدى إيقاف ضربته"، ولكن يجب عليك أولا تجنب الضربة، ثم إمساك قبضته والاستمرار فى سحبه إلى اتجاه حركته حتى يصطدم عدوك بالجدار.
ومن هذا المنطلق، أكد شومان أن القتال فى أرض المعركة يأتى بنتائج عكسية وهمجية وغير فعالة، ومن الضرورى لتفادى ذلك، أن تمتلك الإيمان وتمنع التخريب حتى لا تدمر دولتك دون طلقة واحدة.