ميلاد حنا
فى هذا الشأن نقف مع كتابه المهم "الإسكان والسياسة فى مصر"، حيث يحكى هذا الكتاب قصة الإسكان والسياسة، إذ يؤكد أن الناس كانت تبنى وتسكن دون وجود سياسة إسكان، وحتى دون وجود وزارة لرسم هذه السياسة أو تحتمل هذا الاسم، لذلك فإن إنشاء وزارة الإسكان لم يتم فجأة، ولكنه كان نتيجة رحلة طويلة حاول أن يطرح ملامحها فى الكتاب، موضحاً أن البداية للتطور والخلفية التاريخية كانت بإنشاء المجلس البلدى لمدينة الإسكندرية عام 1890 ومن خلال الجاليات الأجنبية.
ثم أنشأت حكومة حزب الوفد عام 1951 وزارة الشؤون البلدية والقروية فصارت نواة وزارة الإسكان التى قامت بالفعل عام 1960 والتى تحولت لتكون الوزارة التى تدير الشركات التى أممت عام 1961 فى مجالات المقاولات والإسكان والمرافق وغيرها.
ويوضح حنا فى كتابه أيضاً التغيرات فى سياسات الإسكان والمحطات الرئيسية التى تمت فى عام 1939حتى بدأت حقبة "سياسة" الانفتاح الاقتصادى عام 1974 أى تلك التى تلت حرب أكتوبر 1973، عندما أنشئت "وزارة التعمير".
مع السادات
كان حنا واحدا من بين المشاهير الذين شملتهم اعتقالات سبتمبر 1981، قبيل اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات، مع رموز الحركة الوطنية، وكتب عن هذه التجربة كتابه الشهير "ذكريات سبتمبرية" فى العام 1987.
كما شارك وقت أن كان مدرساً شاباً بجامعة عين شمس تلاميذه فى انتفاضة 1972، ثم شارك فى تأسيس حزب التجمع فى العام 1976، كما كانت مساهمته واضحة فى الانتفاضة الرابعة فى حياته، انتفاضة 1977.
خلافه مع البابا شنودة
ميلاد حنا ولد فى 24 يونيو 1924، بحى شبرا، هذا الحى الشهير الذى يجمع بين مسلمى الوطن ومسيحييه، تعرف فيه على الشاب نظير جيد، الذى صار فيما بعد البابا شنودة، ناضلا سوياً فى أروقة الكنيسة لتحقيق العدالة الاجتماعية للشعب المصرى، وفقاً لمطالب النخبة.
ويورد الكاتب سليمان شفيق، أن حنا قال فى حوار له أن الفترة "من 1940 وحتى 1945" حدث اختلاف مكرم عبيد مع مصطفى النحاس، وفصله من حزب الوفد وأسس الكتلة الوفدية، وأصدر مجلة الكتلة، ثم الكتاب الأسود الذى حوى فضائح فجرها مكرم ضد الوفد.
يقول ميلاد حنا: "كنت فى هذه الفترة أشاهد صراعات الوفديين وأنصار الكتلة، والتى وصلت إلى معارك فى الكنيسة، وأذكر أن نظير جيد كان من أنصار مكرم والكتلة، فى حين كنت أنا وجماعات من مدارس الأحد من أنصار الوفد، فى هذه الفترة أيضاً جاء إلى الكرسى البابوى الأنبا يوساب الثانى، وبدأت حقبة من الأزمات لا مثيل لها فى الكنيسة من خادم البطريرك ملك جرجس"، ويشير ميلاد حنا إلى أن خلافه مع نظير جيد أو (البابا شنودة) بدأ من هذه الفترة.
الهندسة
حصل ميلاد حنا على بكالوريوس الهندسة المدنية جامعة القاهرة عام 1945، وحصل على الدكتوراة فى هندسة الإنشاءات من جامعة "سانت أندرو" فى اسكتلندا عام 1950، ثم عين معيدا بكلية الهندسة بجامعة الإسكندرية وتدرج فى عدة مناصب حتى عُين استاذاً متفرغاً بهندسة عين شمس فى العام 1984.
كتب الراحل العديد من الكتب المهمة الخاصة بدراسته مثل "أريد مسكنًا"، والكتاب الذى ذكرناه سابقا "الإسكان والسياسة فى مصر"، وحصل على عدة جوائز دولية من بينها: جائزة "فخر مصر" من جمعية المراسلين والصحفيين الأجانب بمصر، ووسام "النجم القطبى الذى لا يخبو" بدرجة كوماندوز من ملك السويد عام 1998، وجائزة "سيمون بوليفار" من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو، وجائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية عام 1999.
مسألة المواطنة
لميلاد حنا عدد من المؤلفات التى تناقش مسألة المواطنة، ومنها "نعم أقباط لكن مصريون"، وكذلك "الانصهار الوطنى" الذى اكتشف خلاله أن تعبيرات مثل الوحدة الوطنية وعنصرى الأمة تكرس الطائفية وتؤكدها ولا تحل متاعبها ولا تطفئ حرائقها، مشيراً إلى أن الحضارات تقوم على الاختلاف فى كل أمور الحياة، ولا تقوم على التشابه وإلا حكم عليها بالتكرار والانكفاء على الداخل، ولكن الاختلاف لا يمكن أن يكون إلا بالانصهار وتكوين سبيكة قوية لا يقدر عليها الزمن لا البشر.
ابنه يحكى عنه
حديث هانى ابن المفكر الكبير فى افتتاح منتدى شباب العالم، أشار شجون الحاضرين، حيث أكد أن والده كان محب للبشر، ويهتم بالقواسم المشتركة وينحاز للبسطاء، وكان معلمًا تميز بقدرته العالية على استشراق المستقبل من تحليل الواقع، وتشكل وعيه فى ثورة 1919، حيث كان شعارها عاش الهلال مع الصليب.
وذكر أن والده تعلم الكثير من الدروس فى تجربته باسكتلندا، وأخذ يطور أفكاره ويتفاعل مع كل جديد، وشخصيته احتوت على ملامح الأعمدة السبعة وكان لديها كثير من ملامح البشره الفرعونية ويشعر أنه حفيد بناة الأهرامات وتعلم الترانيم المسيحية فى الكنيسة وربط بينها وبين صوت الآذان وتجويد القرآن، وعرف المكون القبطى فى النشء.
وأشار إلى أن والده قرأ الكتب الإسلامية المتنوعة وساهم فى مؤتمرات حوار الحضارات والأديان والتنسيق بين مؤسسة الأزهر وكنائس شمال أوروبا، وكان يؤمن أن التعددية الدينية بالدول العربية لها أهمية مزدوجة أولها إعلاء الدولة المدنية التى يسودها مبادئ المواطنة، وظل مؤمنًا بضرورة ربط دول القارة الإفريقية، واهتم بماهية الشعب المصرى والهوية المستمدة من الامتداد الثقافى والحضارى، مستطردًا: "مصر لكل المصريين وبكم يا شباب العالم سيكن الغد أكثر إشراقًا، وليكن هذا المنتدى نقطة تلاقى".
الرحيل
توفى ميلاد حنا فى 26 نوفمبر 2012، وقتما كان الشعب المصرى يناضل ضد الإعلان الدستورى، الذى أصدره المعزول محمد مرسى، توفى وقد ترك للشعب المصرى طريقاً مهماً يحكى خصائصه وأعمدته التى قامت عليها الشخصية المصرية.