العراق وإيران
ومنذ أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية نيتها بفرض عقوبات جديدة على إيران، لإجبارها على التخلى عن برنامجها النووى والصاروخى، والتخلى عن دعم الميليشيات التى تحارب عنها بالوكالة بين دول المنطقة، أصبح القلق والحذر الشديد هو المسيطر داخل العراق، خشية تصريحات ترضى أمريكا وتغضب إيران، أو العكس، ما جعل الساسة العراقيين يبدون وكأنهم يقبضون على جمر متقد.
وإذا كانت الولايات المتحدة هى الحليف السياسى الأهم للحكومة العراقية، فإن إيران هى الحليف الاقتصادى الذى يمثل غياب إمداداته عثرة وضربة قوية لاقتصاد العراق، خاصة وأن إيران تمثل مصدرًا للنفط والطاقة الكهربائية إلى البلد الذى دمرته ويلات الحرب منذ 2004، ثم قضى عليه سيطرة داعش على معظم أراضيه فى وقتٍ لاحق قبل أن يتم التخلص من التنظيم الإرهابى.
غموض حول الإمدادات النفطية

ومع فرض العقوبات الأمريكية على إيران، يتزايد الغموض بشأن مسارات الإمدادات الإيرانية من الشحنات النفطية مع صعوبة رصد جميع الشحنات، خاصة أن الناقلات تلجأ أحيانا إلى إغلاق أنظمة التتبع للإفلات من المراقبة، حتى فى الظروف العادية بعيدًا عن العقوبات، وفى ظل الإعفاء الأمريكى لـ8 دول من العقوبات جراء الإمدادات النفطية الإيرانية.
ويؤكد الخبراء أن إغلاق أنظمة التتبع يجعل من الصعب جدًا رصد حجم الصادرات الإيرانية، ما قد يقفز بأسعار النفط إلى مستويات غير متوقعة، لافتًا إلى أن هذه المخاوف هى التى دفعت أمريكا لمنح إعفاءات أمريكية من العقوبات حيال الثمانى دول الرئيسية المستوردين للنفط.
وتعتبر إيران ثالث أكبر منتج للخام فى أوبك، وتتفاوت التقديرات حول صادراتها فى أكتوبر الماضى بأكثر من مليون برميل يوميا، وهى كمية تكفى لتغطية احتياجات تركيا من النفط وتحريك الأسعار فى السوق العالمية التى يقدر حجمها بنحو 100 مليون برميل يوميا.
وقبل إعلان ترامب فى مايو الماضى بشأن العقوبات، تجاوزت صادرات إيران 2.5 مليون برميل يوميا.
وواصلت أسعار النفط موجة صعود بفعل توقعات بأن العقوبات ستختبر أوبك ومنتجين آخرين. ووصل خام القياس العالمى مزيج برنت فى الثالث من أكتوبر إلى 86.74 دولار للبرميل، مسجلا أعلى مستوياته منذ 2014، إلا أنه تراجع منذ ذلك الحين إلى 77 دولارا.

وقالت كبلر، وهى شركة لمعلومات الطاقة، "هناك أرقام عديدة تتعلق بصادرات إيران فى النصف الأول من أكتوبر ظهرت فى السوق فى الأيام القليلة الماضية، تتراوح ما بين مليون برميل يوميا إلى 2.2 مليون برميل يوميا، وهو فارق ضخم".
وأظهرت بيانات ريفينيتيف على منصة آيكون أن إيران صدرت 1.55 مليون برميل يوميا فى الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر، ارتفاعا من 1.33 مليون برميل يوميا فى أول أسبوعين من نفس الشهر.
وقدّرت كبلر صادرات إيران بنحو 1.85 مليون برميل يوميا فى أول 24 يوما من أكتوبر، فيما قدر مصدر فى القطاع حجم صادرات الخام فى النصف الأول من أكتوبر عند 1.8 مليون برميل يوميا، بما فى ذلك شحنات سفن لم تظهر فى التتبع بالأقمار الصناعية.
تقارير: تباين المواقف العراقية
وكان تأثير العقوبات الأمريكية الأخيرة ضد طهران على العلاقات العراقية الإيرانية محور العديد من التقارير، لاسيما فى ظل مواقف متفاوتة داخل بغداد، إذ تشير هذه التقارير إلى مواقف طهران الأخيرة تجاه بغداد بشكل أضر اقتصاديا بالشعب العراقى.
بغداد وطهران على المحك
تشير إحدى تقارير "العرب اللندنية" إلى أن "معركة العقوبات الأمريكية على إيران طويلة وانعكاساتها على العراق تشكل البدايات الأولى لخطوط التماس والتأثير، وهنا ستبرز المواقف المنحازة لمصالح العراق وسيادته واستقلاليته، أم الانحياز للآخرين".
واعتبر التقرير أن "أمريكا تعاقب إيران فى العراق"، وأنه "قد تؤدى هذه الإجراءات إلى تقليل مستويات الاستثمار السياحى الدينى الذى تستفيد منه مجموعات مصالح من إيرانيين وعراقيين من أصول إيرانية فى المراقد الدينية فى كل من إيران والعراق".

كما يلفت التقرير إلى ما اتخذته طهران من إجراءات أضرت بالعراق خلال الفترة الماضية، ويتساءل: "ألم تقطع إيران الطاقة الكهربائية عن أهل البصرة فى عز الصيف بسبب تأخير التسديدات المالية وقدرها 700 مليون دولار ... ألم تقطع إيران روافد الأنهار وتحولها إلى داخل الأراضى الإيرانية، وتركت الملح يتدفق على أهل البصرة كالطاعون؟".
فيما يشير تقرير أخر إلى رغبة الساسة العراقيين فى أن تتخذ الحكومة العراقية مواقف مؤيدة لطهران فى مواجهة العقوبات الأمريكية فى ظل مواقف إيران فى الماضية ضد بغداد، طارحًا عدد من الأسئلة، مثل: "لماذا يريد عراقيون من الحكومة أن تضحى بمصالح العراق وعلاقاته الدولية من أجلها؟ أليس الأجدر بالحكومة الإيرانية أن تتخذ الإجراءات المطلوبة لدرء العقوبات أو مواجهتها؟ متى يفكر هؤلاء العراقيون فى أن بلدهم أولى بالولاء من بلد آخر لم يأتِ منه سوى الخراب والأذى؟".
طهران تعاقب العبادى
وكان واضحًا أن طهران تعاقِب العبادى وترفُض استقباله، معتبرة أنه وقف فى خندق الحِصار الأمريكى ضدّها"، إذ ارتكب العبادى خطأً فادحًا ـ من وجهة نظر المتابعين ـ وهو أنه أظهر الولاء لأمريكا، وهو الموقف الذى سيكون له انعكاساته المستقبلية.
ويبقى خصوم الرئيس ترامب وعلى رأسهم إيران أمام خيارات مصيرية، إلا أن موقف العراق يعتبر الأصعب فى التناحر بين حليفيها الرئيسيين، وحتى إذا كانت الولايات المتحدة أعفت العراق من العقوبات حيال استيراد النفط والكهرباء من إيران، إلا أن الأمر يبقى لأجل محدود ولمهلة تحددها الإدارة الأمريكية.
