البث المباشر الراديو 9090
مؤتمر باليرمو
شارك الرئيس عبد الفتاح السيسى، اليوم الثلاثاء، فى المؤتمر الدولى حول الأزمة الليبية، والذى تستضيفه إيطاليا على مدى يومين، وبدأت فعالياته أمس الإثنين، حيث يعد بمثابة مسعى دولى كبير لإيجاد تسوية لتلك الأزمة التى لا زالت عصية على الحل منذ 2011.

المؤتمر تستضيفه مدينة باليرمو بجزيرة صقلية الإيطالية، وترعاه الأمم المتحدة، ويحضره عدد كبير من ممثلى مختلف الأطراف الليبية المتصارعة، وممثلى الأطراف والقوى السياسية الليبية الرئيسة، وعلى رأسهم فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسى لحكومة الوفاق الوطنى، وعقيلة صالح، رئيس مجلس النواب.

وخالد المشرى، رئيس المجلس الاستشارى الأعلى للدولة الليبية، إلى جانب المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطنى الليبى، والذى وصل إلى باليرمو مساء أمس بعد تضارب الأنباء عن حضوره للمؤتمر، بالإضافة إلى عدد من زعماء وممثلى الدول والأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة المعنية بالملف الليبى، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبى، وروسيا، ودول الجوار الإقليمى لليبيا، إلى جانب غسان سلامة، المبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا.

«مؤتمر باليرمو» تحت مجهر المراقبين

يرى مراقبون أن "مؤتمر باليرمو"، وإن لم يكن الأول من نوعه لبحث الأزمة الليبية حيث سبقه عديد من المؤتمرات المماثلة، والتى لم تخرج بنتائج ملموسة، إلا أن هذا المؤتمر يبدو مختلفًا عن المؤتمرات السابقة، سواء فى الأعداد الجيد له أو حجم المشاركة فى أعماله، أو الدعم والمساندة التى يحظى بها إقليميًا ودوليًا، ما قد يعزز فرص نجاحه فى التوصل إلى نتائج مختلفة.

ويشير المراقبون إلى أن إيطاليا سعت للإعداد الجيد للمؤتمر، وحشد الدعم الدولى والإقليمى لضمان نجاحه، كما أنها سعت إلى ضمان حضور وتمثيل مختلف القوى الليبية الفاعلة، وفى هذا الإطار أعلنت روما أنها تحظى بدعم دول كبرى لهذا المؤتمر، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا التى تشارك فيه، فضلًا عن ألمانيا، والقوى الإقليمية المؤثرة فى الشأن الليبى، وعلى رأسها مصر.

وسبق انعقاد المؤتمر سلسلة من المشاورات، والاتصالات التى أجراها المسؤولون الإيطاليون لتنسيق المواقف مع الأطراف المعنية بشأن أجندة المؤتمر، ونجحت روما خلال الفترة الماضية فى إقناع هذه الأطراف بضرورة تأجيل إجراء الانتخابات فى ليبيا إلى العام المقبل، والعمل على تهيئة الأجواء السياسية، والأمنية، والقانونية اللازمة من خلال التوافق بين الأطراف الليبية على إقرار الدستور والقانون الانتخابى، لضمان نجاح هذه الانتخابات.

ويرى مراقبون أن حضور كل الأطراف الليبية الفاعلة لهذا المؤتمر بما فيها المشير حفتر، إلى جانب مشاركة مختلف القوى والأطراف الدولية والإقليمية والدولية المؤثرة والمعنية بالملف، من شأنه أن يعزز فرص التوصل لتسوية للخلافات بين هذه الأطراف.

حضور حفتر علامة فارقة

فى هذا الإطار، كان لافتًا حرص الجانب الإيطالى على حضور المشير خليفة حفتر، والذى يرى محللون أنه أحد الشروط المهمة لضمان نجاح مؤتمر باليرمو بالنظر إلى الأهمية الكبيرة لدور الجيش الليبى فى أى تسوية سياسية مقبلة.

وقد بذلت الدبلوماسية الإيطالية خلال الأسابيع الماضية جهودًا مكثفة لضمان حضور حفتر وتجاوز الخلافات بين الجانبين، فقد زاره إينزو موافيرو ميلانيزى، وزير الخارجية الإيطالى فى بنغازى، ووجه له دعوة رسمية لزيارة روما التقى خلالها رئيس الوزراء جوسيبى كونتى، لبحث ترتيبات مؤتمر باليرمو.

توتر العلاقات بين إيطاليا والجيش الليبى

كانت العلاقات بين إيطاليا والجيش الليبى قد شابها توترًا ملحوظًا نتيجة الموقف الإيطالى المساند لحكومة الوفاق الوطنى فى طرابلس، ورفض الجيش الليبى للتدخلات الإيطالية فى الشؤون الداخلية لليبيا، إلا أن النجاحات الكبيرة التى حققها الجيش عقب سيطرته على منطقة الهلال النفطى، ودحر الميليشيات المسلحة، ونجاحه فى تحرير مدينة درنة بعد سنوات من المعاناة من سيطرة التنظيمات الإرهابية، دفع الجانب الإيطالى لإعادة حساباته الخاصة بالمعادلة الليبية والعمل على كسب ود المشير حفتر، وضمان مشاركته فى مؤتمر باليرمو.

إيطاليا تنافس فرنسا

وتسعى إيطاليا من خلال استضافتها لهذا المؤتمر الدولى والعمل على نجاحه لتأكيد دورها على الساحة الليبية فى مواجهة منافسين دوليين آخرين، وعلى رأسهم فرنسا التى استضافت مؤتمرًا مماثلا حول ليبيا فى قبل نحو 6 أشهر وجمعت خلاله السراج، وخليفة حفتر، الأمر الذى يرى مراقبون أنه يعكس التنافس القائم بين إيطاليا، وفرنسا على الساحة الليبية، فرغم وجود أهداف مشتركة تجمع بين باريس، وروما فى ليبيا وعلى رأسها مكافحة الهجرة غير الشرعية عبر الشواطئ الليبية، والنفط ومكافحة خطر الإرهاب والجماعات المتشددة إلا أن ذلك لا ينفى وجود منافسة واتهامات متبادلة بين البلدين بمحاولة الانفراد بالحل وبالنفوذ فى ليبيا.

مؤتمر باريس لحل أزمات ليبيا

كانت باريس قد استضافت فى 29 مايو الماضى اجتماعًا حول الأزمة الليبية، شارك فيه المشير خليفة حفتر، وفايز السراج، وعقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشرى، لبحث مسألة إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية فى البلاد.

وتم خلال هذا الاجتماع، الاتفاق على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، كان من المفترض أن تتم فى 10 ديسمبر المقبل، وتعهدت هذه الأطراف بالالتزام بقبول نتائج الانتخابات إلا أن هذا الاتفاق اصطدم بمعارضة واسعة سواء داخل ليبيا وخارجها، حيث رأت أطراف عديدة أن ليبيا ليست جاهزة لإجراء انتخابات وأن الاستعجال فى عقدها قبل تهيئة الأجواء السياسية والأمنية لذلك، سيؤدى إلى مزيد من الانقسام وعدم الاستقرار فى البلاد.

كانت إيطاليا على رأس الأطراف التى أعلنت معارضتها لإجراء انتخابات فى ليبيا فى الوقت الراهن، وقد تسبب الخلاف بين إيطاليا وفرنسا حول أليات تسوية الأزمة الليبية فى تصاعد التوتر فى العلاقات بين البلدين، وهو ما عكسته التصريحات الإيطالية العنيفة ضد السياسة الفرنسية فى ليبيا، إذ اتهم نائب رئيس الوزراء، ووزير الداخلية الإيطالى ماتيو سالفينى فرنسا بـ"الأنانية والغطرسة"، لإصرارها على إجراء انتخابات فى ليبيا، قائلًا: "إن الدعوة إلى انتخابات فى بلد لا يزال منقسمًا وفى حالة حرب، هو أمر بالغ الخطورة ولا يقدم عليه إلا المستعمرون المتغطرسون.

«شيوخ فرنسا» يتفق مع إيطاليا

لم تكن إيطاليا وحدها التى أعلنت رفضها لإجراء انتخابات فى ليبيا نهاية العام الحالى، إذ انتقد هذا التوجه أعضاء فى مجلس الشيوخ الفرنسى نفسه، حيث طالب هؤلاء النواب فى تقرير أعدته لجنة الشؤون الخارجية فى مجلس الشيوخ فى يوليو الماضى، الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بعدم الاستعجال فى الدفع نحو إجراء انتخابات فى ليبيا، محذرين من أن ذلك قد يؤدى إلى فشل جهود التسوية.. وفى مواجهة هذه المعارضة الواسعة محليًا ودوليًا، أعلنت الأمم المتحدة الأسبوع الماضى، وقبيل انعقاد مؤتمر "باليرمو" تخليها عن خطط إجراء الانتخابات فى ليبيا الشهر المقبل.

مكاسب إيطاليا من «باليرمو»

ويرى محللون أن نجاح مؤتمر باليرمو فى التوصل إلى تسويات واقعية ومقبولة للأزمة الليبية من شأنه أن يعزز مكانة إيطاليا على الساحة الليبية، حيث تسعى روما باستضافتها لهذا المؤتمر إلى احتلال موقع الصدارة فى تسوية الملف الليبى، مدعومة بالمساندة الدولية والإقليمية لجهودها.

وتسعى روما من خلال تعزيز موقعها فى العملية السياسية الليبية، إلى ضمان مصالحها النفطية، ولدعم جهودها فى مكافحة الهجرة غير الشرعية، والسيطرة على المنافذ البرية والبحرية للمهاجرين الذين أصبحوا مصدر قلق دائم للسلطات الإيطالية، لكن كل هذه الطموحات الإيطالية على الساحة الليبية تبقى مرهونة بنجاح مؤتمر باليرمو فى التوصل لتسوية توافقية تنهى حالة الانقسام والانسداد السياسى على الساحة الليبية، وهذا هو أحد أكبر التحديات التى تواجه المجتمعين فى باليرمو، والذين يأملون فى أن يخرج هذا المؤتمر بنتائج مختلفة عن مؤتمرات سابقة.

شروط نجاح «باليرمو»

ويؤكد المحللون أن نجاح "باليرمو" فى الخروج بنتائج مغايرة تنعش الآمال بحل قريب للأزمة الليبية يتطلب توافر جملة من الشروط، وعلى رأسها الاحترام الكامل لتولى الليبيين المسؤولية فى إدارة شؤونهم دون تدخل خارجى، وضمان مشاركة مختلف مكونات المشهد السياسى الليبى دون تهميش، أو إقصاء.

ودعم الإطار السياسى والدستورى كأساس لعملية سياسية منظمة استنادًا إلى خطة عمل الأمم المتحدة، وحسم الخلاف القائم حول وضعية قائد الجيش الوطنى الليبى فى التسوية السياسية المرتقبة، وإنهاء مشكلة الميليشيات المسلحة واستيعابها فى مؤسسات الدولة الليبية.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز