البث المباشر الراديو 9090
السترات الصفراء
فرنسا هى مهد الثورات الأوروبية فى العصر الحديث، هذه حقيقة كتبتها الثورة الفرنسية فى أواخر القرن الـ18، تلك الثورة التى لم تهدأ حتى أسست لعقد اجتماعى جديد، بعد أن أحدثت تغيرات سياسية كبيرة ضربت المجتمع، وراح ضحيتها الآلاف.

جاءت النهضة العلمية والعقلية بعد الثورة، أعقبتها مرحلة الاستعمار، التى ستظل أسوأ صورة عرفتها البشرية، كأحد إرهاصات عصر النهضة الأوروبى، بعدها جاءت الحروب العالمية لتنزع ورقة التوت عن الرجل الأوروبى الذى لم يستفد من نهضته إلا فى بدايتها.

تحررت الأراضى العربية والإفريقية، دخلت بلاد ناشئة على الخريطة، وظهرت نزاعات ثنائية، وبقيت أوروبا تعمل من أجل عصر آخر.

فى مايو ويونيو من العام 1968 جاء صوت من بعيد، صوت شاب يصرخ ليحطم القيود الفكرية، سميت "انتفاضة الشباب"، لكنها لم تكن كأى انتفاضة، بل كانت ثورة على المفاهيم الراسخة التى شارفت على التجمد فى عقول وقلوب الرجل الأوروبى.

لم يكن عجيبًا أن يكون الصوت من فرنسا أيضًا، انفجرت الأحداث وقتها نتيجة لتراكمات فرضتها ظروف محلية ودولية مهمة على المستويين السياسى والاقتصادى منذ بداية الستينيات.

على المستوى السياسى، وصل الحنق الشعبى ذروته ضد الجنرال ديجول، بسبب قلة حيلته إزاء ملايين عادوا إلى فرنسا يحكون أهوال استعمار الجزائر والحرب فى فيتنام.. وعلى المستوى الاقتصادى، تجمدت الحياة هناك، قلت فرص العمل، وطالت فترة الركود.

اهتزت الصورة المرسومة للجيش الفرنسى، وكذلك مؤسسة الرئاسة، مفكرون كبار انضموا إلى الصوت الشبابى القادم، ومنهم الفيلسوف جان بول سارتر، انضم كذلك الحزب الشيوعى الفرنسى، وصاغوا ملحمة فكرية، قبل أن تكون سياسية، ضد نظام شارل ديجول.

وعلى الطريقة التونسية الحديثة وواقعة البوعزيزى، فلم يكن سبب اندلاع الاحتجاجات ما تقدم فقط، بل كان سببًا فرديًا، حيث كان اعتقال طالب ألمانى أمه فرنسية يدعى "دانييل كون – بنديت"، صار نائبًا بالبرلمان الأوروبى، وصدر قرار بطرده بسبب تأسيسه "حركة 22 مارس" ردًا على إقدام السلطات على اعتقال مجموعة من الطلاب فى وقت سابق لتنظيمهم تظاهرة ضد حرب فيتنام.

لكن المفاجأة كانت أن التمرد لم ينطلق من صفوف العمال بل من قبل الطلاب، وهنا بدأت الصدامات المباشرة بين الطلاب وقوات الشرطة التى تدخلت جديًا، وألقت القبض على قادة التحرك الذين أخضعوا لتحقيق مع مجلس التأديب فى الجامعة انتهى إلى قرار طردهم.

فى 14 مايو أعلن الإضراب العام فى البلاد فشارك فيه 10 ملايين مواطن، واستمر نحو شهر لم ينته إلا بموافقة الدولة على زيادة الحد الأدنى للأجور 37% والموافقة على تمثيل العمال فى نقابات المصانع، ودعا ديجول إلى انتخابات مبكرة، وعلى رغم من هذا فاز حزب ديجول مجددًا، ولكنه كان فوزًا بطعم جديد.

فرنسا فى السبعينات والثمانينيات لم تعد فرنسا الخمسينات والستينات، تغيرت إلى الأفضل فى كل المجالات، سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا، حتى الثقافة والفنون تأثرت بالإيجاب، الصوت الشاب صار مسموعًا وصار مؤثرًا.

الأزمة الحالية ربما بدأت مع الصعود الهادئ لليمين الأوروبى، نيكولا ساركوزى، الرئيس الفرنسى السابق، قال فى بداية عهده إن من أهدافه القضاء على ميراث حركة مايو ويونيو 1968، لأنه - وكما كل اليمين فى فرنسا - يعتبر أن تلك الحركة كانت تهديدًا لأفكار جناحه المشوشة.

الصعود اليمينى لم يكن سوى ردة فعل لضياع اليسار فى عالم رسمه وحده، عالم متخيل يتحدث بعيدًا عن دالة الزمن والأحداث والتغيرات الاجتماعية، إضافة إلى صعود قوى التطرف من الجانب الآخر، الذى أتى لهم من منطقة الشرق الأوسط، بدعم واضح من قوى الشر العالمية، بداية من عصر أفغانستان وغيرها، ومرورًا بجماعة الإخوان، ووصولاً إلى داعش، التى طالت يدها المجتمع الفرنسى، والأوروبى بشكل عام، دهسًا وقتلاً بالرصاص والطعن.

احتجاجات فرنسا الحالية، كانت بسبب الأسعار، هذه حقيقة، بغض النظر عن أصوات تتحدث عن عناصر خارجة أو مؤججة، لكنها فى الواقع ردة فعل على يمين يحاول أن يسيطر على الوضع الاجتماعى بشكل عام.

الرئيس ماكرون ربما يكون أهدأ بكثير من الجنرال ديجول، وربما يكون أكثر حنكة، واحتواء للغضب، إلا أن فرنسا بعد الأحداث الجارية لن تكون كفرنسا قبلها، ربما أيضًا تتحول أوروبا إلى واقع آخر جديد، يرسم الزمن القريب ملامحه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز