البث المباشر الراديو 9090
السادات
"رجل صنع التاريخ".. ثلاث كلمات قالها الرئيس الأمريكى الراحل رونالد ريجان، عن الرئيس محمد أنور السادات، الذى يحظى برصيد هائل من الذكاء والحنكة السياسية، جعلته يحوز احترام وتقدير الأمة العربية والعالم بأسره على اختلاف الأزمنة والعصور.

فكما أبدى الرئيس الأمريكى الراحل ريجان احترامه للسادات، أبدى الرئيس الأمريكي الحالى دونالد ترامب كذلك احترامه للسادات، من خلال إقراره مشروع قانون لتكريم السادات، تزامنا مع مرور 100 عام على ميلاده.

فى هذه السطور، يرصد "مبتدا" جزءا من تاريخ السادات زعيما بثورة يوليو، ووكيلا ثم رئيسا للبرلمان.

السادات.. من مذيع ثورة 23 يوليو إلى رئاسة البرلمان

شارك أنور السادات فى ثورة يوليو، وألقى بيانها، ففى الساعة السابعة والنصف صباح يوم 23 يوليو 1952، كان البكباشى محمد أنور السادات قد احتل دار الإذاعة المصرية بالقاهرة، وانطلق صوته يسمع للعالم كله بيان الثورة الأول، كما حمل مع اللواء محمد نجيب إلى الإسكندرية، الإنذار الذى وجهه الجيش إلى الملك للتنازل عن العرش.

وخلال فترة ما قبل توليه رئاسة الجمهورية، تولى أنور السادات العديد من المناصب، منها عضوية محكمة الثورة 1954، وفى أواخر ذلك العام تولى منصب سكرتير عام المؤتمر الإسلامى، وفى عام 1955شارك فى تأسيس جريدة الجمهورية، وتولى رئاسة تحريرها، كما تولى منصب أول أمين عام للاتحاد القومى، تلك المنظمة التى سبقت تشكيل الاتحاد الاشتراكى العربى 1957، ورئاسة مجلس الأمة لمدة 8 سنوات، كما أُسند إليه الملف السياسى لحرب اليمن، وعُين نائبًا لرئيس الجمهورية 1969، وظل فى هذا المنصب حتى وفاة الرئيس جمال عبدالناصر.

وجاءت رئاسته لمجلس الأمة عندما تم حل مجلس الأمة المصرى ومجلس النواب السورى، وفى عام 1960، بعد اتفاقية الوحدة بين مصر وسوريا، وأصدر الرئيس جمال عبدالناصر وقتها قرارًا بتشكيل مجلس الأمة الاتحادى "برلمان الوحدة" من 600 عضو، 400 عضو من مصر، و200 من سوريا، حسب تعداد السكان فى ذلك الوقت، وعقد المجلس جلسته الافتتاحية بتاريخ 21 يوليو 1960 لانتخاب رئيس المجلس والوكيلين، فتم انتخاب أنور السادات رئيسا لمجلس الأمة الاتحادى بعد حصوله فى انتخابات رئيس المجلس على 568 صوتا، رغم أنه كان المرشح الوحيد إذ لم يتقدم أحد للترشيح ضده على منصب رئيس المجلس، وفور إعلان النتيجة صعد السادات إلى منصة رئيس المجلس ووجه كلمة للأعضاء بهذه المناسبة قال فيها:

"أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الأمة للجمهورية العربية المتحدة، إن انتخابكم لى تشريف عظيم، وإنه لشرف عظيم أن يجتمع ممثلو الشعب فى إقليمى الجمهورية العربية المتحدة لأول مرة منذ 10 قرون، وأن يجتمعوا اليوم ليقرروا للعالم أجمع، أننا عدنا إلى سابق عهدنا، عدنا أحرارا لا نقبل وصاية أحد، وعاد لنا وعينا وعادت لنا إرادتنا، وعدنا نسيطر على مصيرنا، وعدنا لكى نكتب تاريخا جديدا، فنحن العرب أقدر الناس بكتابته اليوم، لقد جئتم نتيجة ثقة شعبية، وجئتم لكى تنهضوا بالمسؤولية الملقاة على عاتقكم من قبل شعب الجمهورية العربية المتحدة، لكى تشتركوا فى هذه المسؤوليات الخطيرة التى يضطلع بها الشعب اليوم، ولقد اختاركم الشعب لكى تمثلوه وتحملوا هذا العبء، أيها الأخوة والأخوات أعضاء مجلس الأمة، يحق لنا اليوم أن نفخر جميعا بأن نجتمع فى هذه القاعة لكى نشترك فى تقرير مصير شعبنا بإرادتنا لا بإرادة أجنبى و لا بإرادة عميل، وإنما بإرادتنا نحن جميعا الذين نمثل هذا الشعب، اليوم باجتماعكم يكتمل البناء، بناء الجمهورية العربية المتحدة الضخم، وبعد أن قاد اتحادكم القومى ليعبر عن وحدة الشعب، وقامت فيه كل الأجهزة، كان لزاما أن يجتمع هذا المجلس بعد أن اجتمع المؤتمر العام وهو أعلى سلطة فى هذه الدولة، كان لزاما أن تجتمعوا لكى تنهضوا بمسؤولياتكم حتى يتم البناء، فى هذه اللحظة التاريخية نحيى الشعب العربى الذى يكافح فى كل مكان، وفى هذه اللحظة التاريخية نحيى أولئك الذين كافحوا أو استشهدوا وأولئك الذين لا يزالون على طريق الكفاح، نحيى أيها الأخوة ذلك الرجل الذى قاد السفينة حتى وصل بها إلى بر الأمان، أيها الأخوة الأصدقاء أسأل الله أن يوفقنا حتى ننهض بمسؤولياتنا والله ولى التوفيق والسلام عليكم.

أول خطوة على عتبة مجلس الأمة.. السادات وكيلا لأول برلمان بعد ثورة يوليو

من واقع مظابط جلسات مجلس النواب، كان أنور السادات وكيلا لأول برلمان بعد الثورة، وبذلك شارك السادات فى صياغة الحياة البرلمانية الجديدة، ويلاحظ أن السادات لم يدخل معترك السلطة التنفيذية كوزير، وإن كان قد عين وزيرا للدولة، وقد حدث ذلك بعد أن تولى عبدالناصر رئاسة الوزارة فى 17 ابريل 1954، ودخل بعض الضباط الأحرار هذه الوزارة مثل حسين الشافعى وكمال الدين حسين وعبدالحكيم عامر وجمال سالم، أما السادات فقد تم تعيينه فى سبتمبر 1954م وزيرا للدولة.

كما يلاحظ أن السادات عندما كان وزيرا للدولة كان له مكتب فى مجلس الأمة، حتى تكون أول مجلس نيابى بعد الثورة، وأصبح السادات وكيلا له عام 1957.

ومع بداية 1957، بدأت الاستعدادات لانتخابات مجلس الأمة الجديد وهو أول برلمان بعد الثورة، ومن أهم الإجراءات التى اتخذت أن مجلس قيادة الثورة كان له حق الاعتراض على أى مرشح، وبالتالى شطبه من قوائم المرشحين، وكان هذا الوضع ينطبق أساسا على رجال الأحزاب أو الذين أظهروا معارضة للثورة أو يخشى منهم، أما الإجراء الثانى فكان إغلاق بعض الدوائر على الضباط الأحرار وحدهم وخصوصا الذين خرجوا من الخدمة العسكرية إلى الحياة المدنية، وقد تم بالفعل تخصيص 60 دائرة انتخابية لهم، فنجحوا جميعا بالفعل بالتزكية.

أما السادات، فيذكر أن الاستعدادات بدأت من أجل انتخابات مجلس الأمة الجديد عام 1957، واتخذت القيادة إجراءات عدة، منها: حق اعتراض الحكومة على أى مرشح، والثانى إغلاق 60 دائرة لصالح الضباط الأحرار الذين تركوا الخدمة وأرادوا الدخول فى الحياة السياسية، وبالفعل أجريت الانتخابات وانعقد المجلس بعد 5 سنوات كاملة من قيام الثورة ظلت فيها مصر بدون مجلس نيابى، وقبل اجتماع المجلس الجديد بـ3 أيام، كان السادات مع عبدالناصر فى برج العرب فإذا بعبدالناصر يطلب من السادات أن يستعد ليكون رئيسا لأول مجلس نيابى بعد الثورة، ولكن قبل افتتاح المجلس بليلة واحدة، دعا عبدالناصر أعضاء مجلس الثورة إلى اجتماع عاجل بالقاهرة، وفى هذا الاجتماع أعلن عبدالناصر ترشيح البغدادى ليكون رئيسا للمجلس بصفته أقدم الموجودين فى الخدمة العسكرية.

وعلق السادات على هذا الموقف بقوله: إن الذى يعرف عبدالناصر يعلم تماما أنه كان من الممكن أن يغير رأيه فى آخر لحظة، ولذلك كنا نحرص على ألا نذيع رأيا أو قرارا لعبدالناصر إلا بعد أن يعلنه هو بنفسه.

وذكر السادات كذلك أن عبدالناصر عرض منصب وكيل المجلس على أكثر من عضو بمجلس قيادة الثورة فرفضوا جميعا، ولم يجد عبدالناصر مفرا من عرض الأمر على السادات وطلب منه قبول منصب وكيل مجلس الأمة.

وتعجب بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة من قبول السادات لمنصب وكيل مجلس الأمة وموافقته أن يعمل تحت رئاسة البغدادى، ويرد السادات على ذلك بقوله: إنه لم يحدث فى حياتى أن ميزت عملا على آخر، فما دام العمل من أجل مصر فالعمل عندى يتساوى والعبرة بالعمل وليست بالمنصب.

وبالنسبة لمجلس الأمة المنتخب فى يوليو 1957، فقد بلغ عدد المرشحين 1748 مرشحا، وكان هذا المجلس أول مجلس نيابى بعد الثورة يقوم بمهام السلطة التشريعية، وإن ظلت اليد الطولى للسلطة التنفيذية، وقد بلغ عدد أعضاء هذا المجلس 342 عضوا، ولم يكد يكمل 7 أشهر من عمره حتى تم حله بمناسبة إقامة الوحدة المصرية السورية عام 1958، و أعلن عبدالناصر دستورا مؤقتا لدولة الوحدة، يعطى لرئيس الجمهورية سلطات أوسع من تلك التى أتاحها دستور 1956، وفى صباح يوم 23 يوليو 1957، ومع انعقاد أول جلسة لأول برلمان منتخب بعد الثورة، نشرت جريدة الأهرام خبر ترشيح عبداللطيف البغدادى ليكون أول رئيسٍ للمجلس الجديد، وانعقد المجلس بتشكيله الجديد برئاسة أكبر الأعضاء سنا وهو أحمد صبحى عثمان الهرميل، و بعد أن أدى الأعضاء اليمين الدستورية، أعلن رئيس الجلسة بدء إجراءات انتخاب رئيس المجلس وأوضح أن الانتخاب سيكون سريا وبالأغلبية المطلقة لعدد أصوات الحاضرين، و إذا لم يحصل أحد المرشحين على الأغلبية فى المرة الأولى يعاد الانتخاب بين أعلى مرشحين اثنين فى عدد الأصوات التى نالها كل منهما، وإذا تساوى معهما أو مع أحدهما واحد أو أكثر فى عدد الأصوات اشترك معهما فى إعادة الانتخاب، و يكون الانتخاب هذه المرة بالأغلبية النسبية، وإذا تساوت الأصوات تجرى قرعة علنية لاختيار رئيس المجلس بين أعلى اثنين نالا أصواتًا، على أن تتبع نفس الإجراءات بالنسبة لاختيار الوكيلين.

وأجريت بالفعل عملية الانتخابات، وأعلن رئيس الجلسة نتيجة فرز الأصوات، فحصل عبداللطيف محمود البغدادى على 332 صوتًا، وحصل محمد فهمى أبوكروره على 7 أصوات، ولم يحصل محمد رشاد الحادق إلا على صوت واحد.

وتم إعلان انتخاب عبداللطيف البغدادى رئيسا للمجلس، ثم فتح باب الترشيح لمنصب الوكيلين فتقدم كل من: أنور السادات، ومحمد فؤاد جلال، ومنصور مشالى، وحسين عبدالسلام الجعرانى، ومحمد محمود جلال، وإسماعيل نجم، وعبدالعظيم الدفراوى، وطلب رئيس المجلس من الأعضاء انتخاب أثنين فقط من بين المرشحين، فأسفرت الانتخابات عن الآتى:

أنور السادات حصل على 313 صوتا

محمد فؤاد جلال حصل على 269 صوتا

محمد محمود جلال حصل على 47 صوتا

منصور مشالى حصل على 30 صوتا

إسماعيل نجم حصل على 11 صوتا

حسين عبدالسلام الجعرانى حصل على 7 أصوات

عبدالعظيم الدفراوى حصل على صوتين

وأعلن انتخاب أنور السادات، ومحمد فؤاد جلال وكيلين للمجلس.

وبعد إعلان نتيجة الانتخابات، وقف السادات وقال: أخوتى وزملائى السادة الأعضاء، أشكر لكم هذه الثقة الغالية، و أدعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنى وإياكم لكى نحقق لهذا البلد ما نريده له من مجدٍ وعزة والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته، ثم تم تأجيل الجلسة إلى السابعة مساء لكى يؤدى الرئيس اليمين الدستورية أمام المجلس، وفى تمام الساعة السابعة وخمس دقائق دخل كبير الأمناء السيد على رشيد إلى قاعة المجلس معلنا وصول رئيس الجمهورية لأداء اليمين أمام المجلس، وبعد أن أدى الرئيس اليمين، ألقى بيانا بهذه المناسبة، ثم رفعت الجلسة بعد ذلك.

ماذا قال السادات لنواب الأمه عند إعلان ترشحه لرئاسة الجمهورية خلفا لعبدالناصر؟

بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر فى 28 سبتمبر 1970، وكونه نائبا للرئيس ذهب الرئيس السادات إلى البرلمان، وألقى خطابا أعلن فيه عن ترشحه لمنصب رئيس الجمهورية.

وتعد خطب الرئيس السادات من أفضل المواد التاريخية التى يمكنها التعبير عن ملامح حقبته التاريخية، فاللغة هى وسيلة الاتصال الأولى بين السلطة والجمهور، لما يتوافر لديها من عوامل الإدراك المشترك سريعة الفهم والتأثير والاقناع، ومن ثم يستخدمها السياسيون فى التأثير فى الجمهور وإقناعه وتوجيهه نحو أهدافهم، كما تعبر اللغة عن اتجاهات السلطة وأهدافها وتعكس الأحوال السياسية للمجتمع، وقال الرئيس السادات:

أيها الأخوة المواطنون، أعضاء مجلس الأمة

لقد جئت إليكم على طريق جمال عبدالناصر، وأعتبر أن ترشيحكم لى بتولى رئاسة الجمهورية، هو توجيه بالسير على طريق جمال عبدالناصر، وإذا أبدت جماهير شعبنا رأيها فى الاستفتاء العام بنعم، فإننى سوف أعتبر ذلك أمرا بالسير على طريق جمال عبدالناصر، الذى أعلن أمامكم بشرف أننى سأواصل السير فيه على أى حال، ومن أى موقع، إن الأيام الماضية من حياتنا كانت أيام حزن عظيم، ولكن هذه الأمة الخالدة استطاعت بصمودها الفذ أن تحول مشاعر حزنها العظيم إلى طاقة قوة عظيمة، فخرجت مما عانت بأسرع مما قدر أحد، وقررت وصممت وحسمت فى عبارة واحدة شاملة قاطعة قائلة فى نفس واحد: طريق جمال عبدالناصر.

أيها الأخوة

لقد كنت أفكر طويلا خلال الأيام الأخيرة فيما يمكن أن نقوم به فى مواجهة ما قضت به إرادة الله عز وجل، وقد وضعت لتفكيرى كله قاعدة واحدة، هى أن أبدأ كل تصرف بسؤال محدد هو: ماذا كان يطلب منا لو أنه ما زال بيننا، وكنت على ضوء معرفتى به رفقة 30 سنة، وزمالة نضال وراء معركة بعد معركة، وفهم صديق لصديق، كنت أقدر الخطى والمواقع باحثا على هذا النحو، ومستلهما، ولو كان جمال عبدالناصر بيننا هذه اللحظات لقال لا تحزنوا ولكن تحركوا، لا تقفوا ولكن تقدموا، لا تترددوا ولكن أكملوا الطريق، وذلك ما فعله شعبنا العظيم، وذلك ما فعلته تعبيرا عن كل المؤسسات السياسية والدستورية التى تمثل سلطة الشعب.

أيها الأخوة

إننى لست بحاجة إلى أن أطيل عليكم فى وصف معالم طريق جمال عبدالناصر، فأنتم تعرفونه وشعبنا يعرفه، وأمتنا العربية تعرفه، والدنيا بأثرها تعرفه، إنه طريق طويل بمسافة آمالنا، وهو طريق شاق بمقدار ما نواجه من خطر، وآمالنا على الأفق العريضة، والخطر من أعدائنا وصل الى احتلال بعض من ترابنا الوطنى المقدس، وأريد أن أحدد أمام حضراتكم مجموعة من النقاط أرى لها أهمية خاصة قبل أن نصل إلى مجمل طريق جمال عبدالناصر، هذه النقاط ذات الأهمية الخاصة، هى كما يلى:

أولا: إننا مطالبون بالدرجة الأولى، وبكل الوسائل بمواصلة النضال من أجل تحرير كل الأرض العربية المحتلة فى عدوان سنة 1967، وهى القدس العربية وغزة والضفة الغربية للأردن والمرتفعات السورية وصحراء سيناء المصرية، وذلك مع الحرص الكامل على حقوق الشعب الفلسطينى، وعلى استمرار نضاله فى سبيل أرضه ومن أجل مصيره، والضمان الحقيقى لهذا الهدف المشروع من نضالنا يتمثل فى مطلب أساسى واحد، هو تعزيز القدرة القتالية للقوات المسلحة المصرية لتكون حماية للسلام القائم على العدل أو أداة لفرضه

ثانيا: إننا مطالبون بمواصلة النضال من أجل وحدة الأمة العربية، وإن متناقضات هذه الأمة وتأزمها طبيعى فى مرحلة الماضى التى تعيشها الأمة لا يجب له أن يلهينا عن جوهر الحقيقة التى طالما نادى بها وعمل من أجلها جمال عبدالناصر، وهى أننا أمة واحدة تاريخها واحد ونضالها واحد ومصيرها واحد.

ثالثا: إننا مطالبون بتحديد أعداء أمتنا تحديدا لا شبهة فيه، وأعداؤنا هم إسرائيل والصهيونية الدولية والاستعمار العالمى، ونحن فى صراع مصيرى معهم جميعا وهو صراع لا يستهدف الغزو ولكن يطلب الأمن، لا يستهدف السيطرة ولكن يطلب الحرية، لا يستهدف الحرب للحرب ولكن يطلب السلام كما يجب أن يكون السلام.

رابعا: إننا مطالبون بالتمسك بسياسة عدم الانحياز، ولكن سياسة عدم الانحياز كما علمنا جمال عبدالناصر ليست موقفا سلبيا، وإنما سياسة عدم الانحياز على طريقته هى انحياز لاستقلالنا وانحياز لحريتنا وانحياز للسلام وانحياز للتقدم، وبالتالى فهى سياسة تعد للأخطار التى تهدد هذه القيم كلها، وإن صداقتنا الخاصة مع الاتحاد السوفيتى وشعوبه العظيمة ووراءه مجموعة الشعوب الاشتراكية الكبيرة لتتسق اتساقا كاملا مع سياسة عدم الانحياز وهى تطبيق عملى وواقعى لشعار من أبرز شعارات قائدنا العظيم وهو القائل: نصادق من يصادقنا ونعادى من يعادينا.

خامسا: إننا مطالبون دوما بأن نذكر ولا ننسى أننا جزء من حركة التحرر الوطنى العظيمة باتجاهها التقدمى الاشتراكى، وأننا جزء من حركة التقدم العالمى الضخمة، وأننا بشعبنا وأمتنا تيار حضارى مؤثر يعطى ويأخذ ويفعل ويتفاعل.

سادسا: إننا مطالبون أولا وأخيرا بالحفاظ على المكاسب الاشتراكية التى تحققت لجماهير قوى شعبنا العامل، وبالمضى فى هذا الطريق الذى رسمه وحدده لنا قائدنا جمال عبدالناصر ترجمة أمينة لآمال جماهير الشعب العامل وحتمية مصير ووجود.

أيها الأخوة

بعد هذه الملاحظات أجئ إلى مجمل طريق عبدالناصر، ولن تسمعوا فيه منى جديدا، وكل ما أفعله فيه هو أن أؤكد عهدا، إننى جئت ومعى إلى هذا المجلس وثيقة واحدة أودعها فيه وأمشى قائلا لكم هذا برنامجى أيضا لأنه إرادة الشعب، إننى أودع فى هذا آخر الجلسة بيان ٣٠ مارس، فذلك آخر برنامج متكامل قدمه جمال عبدالناصر لأمته وصدقت عليه جماهير شعبه فى استفتاء عام حر واعتمدته طريقا للنضال وامتداداعضويا للميثاق على ضوء الظروف الطارئة التى واجهت نضالنا ابتداء من يونيو سنة 1967، إن بيان 30 مارس يمثل فى هذه المرحلة وحدة أمتنا، ونحن فى حاجة إلى هذه الوحدة، وبيان 30 مارس يمثل فى هذه المرحلة أهدافنا الواضحة، ونحن فى حاجة إلى وضوح الهدف، وبيان 30 مارس تجسيد لإرادة شعبية لا يرقى إليها شك، وفوق كل ذلك فإن بيان 30 مارس امتداد عضوى للميثاق، وهو العلامة التى كتبها جمال عبدالناصر بنفسه على رأس طريقه.

أيها الأخوة

لكننى أود أن أضيف شيئا إلى ذلك وأقول لكم بأمانة الإحساس بالمسؤولية، ذلك أن العمل من أجل تطبيق برنامج 30 مارس فى وجود جمال عبدالناصر شىء والعمل والتطبيق فى غياب جمال عبدالناصر شىء آخر، إن جمال عبدالناصر كان بطلا تاريخيا، والبطل لا يصنع ولكنه يولد من ضمير أمته، ولهذا فإن قدرته لا يمكن أن تقاس بما تواضع عليه الناس من معايير، إن غياب البطل يعنى شيئا لا ينبغى له أن يغيب عنا وهو أن المسؤولية تصبح كلها واجب الجماهير بقواها العاملة ومؤسساتها وتنظيماتها وأجيالها الحرة المتصلة اتصالا مباشرا بكفاح كل يوم، لذلك فإن تأكيدنا للعهد يجب أن يصحبه استعدادنا جميعا لتحمل مسؤوليات كان وجوده يعفينا منها، فليس بمقدورى ولا بمقدور أى شخص أن يتحمل ما كان يتحمله جمال عبدالناصر، ولذلك فإنه من الضرورى إعادة توزيع المسؤوليات ضمانا لأداء الأمانة كما يجب أن تؤدى الأمانة وفاء لحق الشعب وتكريما لذكرى قائده
يمثل فى هذه المرحلة إرادة شعبية تعلو أى إرادة غيرها.

أيها الأخوة

إنكم أضفيتم على شرفا يعلم الله أنه لم يخطر ببالى فى حياتى ولا سعيت إليه وإننى أقدر مسؤولية ما ترون، لكن عونى فى تحمل المسؤولية أن تكونوا كلكم والأمة بأسرها معى قولا وعملا على طريق جمال عبدالناصر الذى نعيشه الآن فى قلب أمته العربية بقدر ما عاشته أمته العربية فى قلبه إلى لحظة سلمنا فيها علم الكفاح.

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين

والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز