السادات
خرجت المظاهرات، فى الجامعات عامى 1971 و1972، كان الجميع على قلب رجل واحد، يطالب السلطة، بخوض الحرب ضد العدو الصهيونى.
وقتها اعترف البعض، بأن شخصية الرئيس السادات، كانت غامضة ومثيرة للجدل، إلى حد كبير، فجاء الرجل فى ظروف صعبة جدًا، على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فاستطاع الرجل بما يملك من دهاء سياسى وعبقرية عسكرية، أن يعكس المعادلة التى كانت موجودة على الأرض، فهناك أرض محتلة واقتصاد فقير وبنية اجتماعية مهزوزة، ومواطنون يصرون على النصر.

قرار الحرب
لقد انتظر الرئيس السادات، كثيرًا قبل قرار خوض الحرب، انتظر وتحمل سخرية المواطنين على السحابة النووية، وعلى عدم الاستعداد للحرب، وعلى طرد الخبراء الروس، كان المصريون وقتها غير واثقين فى الرئيس الراحل، حتى أنهم اطلقوا النكات بلا رحمة، فكان السادات يسمعها ويضحك.
سبق السادات عصره، بمراحل وأدرك أن العالم، وليس مصر فقط، فى لحظة استثنائية ومتغيرات كبيرة، نظر إلى القوى العالمية، ونظر إلى شعبه، أدرك أن رد الاعتبار واستعادة الأرض وتصدير الهزيمة للكيان الصهيونى، أمر يحتاج إلى خطة مدروسة وإلى خداع استراتيجى، يعتمد منهجًا احترافيًا غاية فى الدقة والدهاء، وأقدم على تنفيذ خطته وخدعته، ونصب شباكه لإسرائيل بمنتهى البراعة.

وفى السادس من أكتوبر، اتخذ الرئيس قرار الحرب على إسرائيل، بتوافق مع الجبهات العربية، التى فتحت نيرانها فى كل الجبهات، ذاق الاحتلال الإسرائيلى مرارة الهزيمة، وذاق المصريون طعم الانتصار.
فى السنوات التى تلت حرب أكتوبر المجيدة، اختلف كثير من النخبة المثقفة والواعية مع الرئيس السادات، اختلفوا مع سياسات الانفتاح الاقتصادى، اختلفوا مع بعض توجهاته السياسية، والتى عادى فيها اليسار والناصريين، اختلفوا كذلك مع قرار السلام وحقن الدماء الذى اتخذه فى أواخر سنوات السبعينات، وهو القرار الذى حدثت على إثره اتفاقية كامب ديفيد للسلام.

اتفاق السلام
أثبت الراحل، أن قراره هو الأصوب والأصح، بعد اتفاقات أخرى أجرتها أطراف عربية مع الكيان الصهيونى، ولم يحصلوا إلا على الفتات، أثبت أنه الأصوب بعد هذه السنوات والدليل أن هناك أراض عربية مازالت قابعة، تحت يد الاحتلال الإسرائيلى، يمارس فيها قمعًا وعنفًا ونهبًَا لثرواتها.
انتصر الرئيس فى قبره، بينما لازال اليسار يتحدث ويتحدث، ويدعو إلى تعديل الاتفاقية لا إلى إلغائها، الحديث الذى لم يصبح له طائل، لم يختلف عن أحاديثهم فى السابق.

الخلاف لم يكن مصريًا مصريًا فقط، بل كان مصريًا عربيًا أيضًَا، إذ قطع عدد كبير من الدول العربية، العلاقات الدبلوماسية مع مصر، بسبب ما أثير وقتها عن أن الرئيس، اتخذ قراره منفردًا ودون مراعاة الحق الفلسطينى، لكن السنوات مرت، وثبت أن بطل الحرب والسلام كان على حق، كان السلام هو الهدف الاستراتيجى، الذى لم تملك مصر رفاهية التنازل عنه.
هاجم بعض العرب التمثيل الدبلوماسى المصرى فى بلادهم، إلا أن السادات كان مدركًا لطبيعة الموقف، كان يعرف أن الاعتداءات، هى عمل أهوج لا يصح سياسيًا ولا يجوز استراتيجيًا، لأن الظروف متغيرة، لكنه كان يدرك فى الوقت نفسه، أن كرامة مصر فوق أى اعتبار.

الخلاف مع الإسلاميين
اغتيل السادات، على يد الإرهاب، الذى اتخذ الإسلام وجهًا له، وهو ليس كذلك، اغتيل على يد حفنة ممن ضلوا الطريق، واتبعوا كتابات عبد السلام فرج، وكثير من مفكرى الجماعات الجهادية والإخوانية، اغتيل على يد من خالفهم السادات، وخالف توجهاتهم الواضحة، وهى إقامة دولة خلافة إسلامية رجعية متشددة، لا مكان للسماحة والتقدم فيها.
خلاف الرئيس الراحل، مع تلك الجماعات كلفه حياته، ولكن بعد مرور أكثر من 35 عامًا أثبت الراحل أنه الأصوب.

اتخذ السادات، عددًا من القرارات المهمة، والتى كُتبت بحروف من نور فى تاريخ مصر، منها ما وجد استحسانًا من المصريين، ومنها ما وجد هجومًا شديدًا، منها ما أصاب فيه الرجل، ومنها ما أخطأ، لكنه يظل منتصر رغم غيابه عنا.