داعش
على هذا النحو، لا يمكن قراءة القرار المفاجئ للرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، بسحب قوات بلاده من سوريا، بعيدًا عن فاجعة ذبح سائحتين غربيتين بصورة بشعة فى المغرب.. بين هذا وذاك لا يجب إغفال حالة الاستنفار الكبيرة التى تعيشها أوروبا على خلفية تصاعد التهديد الداعشى مرة أخرى.
الثابت أن المصلحة وفق رؤية ترامب لعبت دور البطولة، ولا تزال فيما يخص التحركات الأمريكية الأخيرة فى المنطقة، وعلى هذا النحو فإن قراره الانسحاب من سوريا، لا يمكن فصله عن مكاسب نالتها واشنطن جعلت من بقائها فى سوريا غير ذى جدوى.

قرار ترامب يعنى ببساطة أن يتجذر النفوذ الإيرانى الروسى فى سوريا، فضلًا عن منح تركيا الضوء الأخضر لدهس 3 مليون كردى يعيشون شمال بلد الأسد، ومن ثم وأْد أى فرصة للحديث أو التفكير فى فيدرالية كردية أو دولة كردية مُستقلة، ليس فقط فى سوريا، ولكن كذلك فى تركيا وإيران والعراق.
مع ملاحظة مهمة أيضًا، أن الرياض خرجت تمامًا، على خلفية حادثة مقتل الصحفى جمال خاشقجى، من معادلات التأثير فى سوريا، بل وصار لزامًا عليها أن تنفذ ما يُطلب منها وحسب، حتى ولو كان المقابل أن تتصاعد تأثيرات الدوحة وأنقرة فى بلد استراتيجى للمملكة كسوريا.
التوصيف الساذج لقرار ترامب سيقود إلى فرضية المؤامرة العتيدة بأن ترامب عميلًا روسيًا نابهًا، موسكو ذرعته وأنجحته فى الانتخابات الرئاسية الأمريكية واقتنصتها له من براثن هيلارى كلينتون، وها هى تجنى الثمار.
غير أن تلك الفرضية إنما تنطوى فى كثير من جوانبها على كثير من السذاجة.. فالملياردير الحاكم للبيت الأبيض رجل تجارة و"بيزنس" بالأساس، يهمه المكسب والغنيمة الكبيرة، حتى ولو تقاسمها مع الشيطان.

ترامب لم يخرج خاليًا الوفاض من سوريا، لكنه حمل الجميع "فتورة" ذلك.. ضغط على الرياض وولى عهد المملكة محمد بن سلمان فنال 750 مليون دولار، بحجة إعادة تأهيل البنية التحتية للشمال السورى الكردى، ثم ما لبث أن تعاقد على صفقة توريد منظومة "باتريوت" للدفاع الجوى والصاروخى لتركيا، بقيمة 3.5 مليار دولار.
هو هنا يضرب عصفورين بحجر واحد، أولًا نال مبلغًا ماليًا كبيرًا من أنقرة، وثانيًا سيدفع الأخيرة لإعادة التفكير فى صفقتها الشهيرة مع موسكو للحصول على منظومة "إس 400" من روسيا، إما بإلغائها أو التباطؤ فيها أو تركها فى المخازن دون تفعيل.
أمريكا لم تكن لترضى أن يتم تنصيب منظومة دفاعية روسية فى أراضى الناتو، ومن ثم دفعت الأتراك لصفقة مغايرة دون أن تتكلف مزيدًا من الأعباء المادية، بل العكس هو الصحيح، إذ أنها نالت مكاسب مالية.
أما عن صعود النفوذ الروسى الإيرانى فى سوريا، فلن تسير الأمور من وجهة النظر الأمريكية، أو إن شئنا الدقة من وجهة نظر ترامب، بهذه البساطة، فالفراغ العسكرى الذى ستخلفه واشنطن من انسحابها، ناهيك عن الفوضى التى سيخلفها التدخل التركى العسكرى فى شمال البلاد، سيكونا نقطة تحفيز كبيرة لعودة التيارات الدينية المتشددة على طريقة "داعش" والنصرة "جبهة تحرير الشام" وما شابه.

بمعنى أن واشنطن تركت الملعب لموسكو وطهران فى بلد الأسد، فيما يشبه الجائزة المجانية من جانبها لهما، ولكن على طريقة دس السم فى العسل، فالجماعات المتشددة ستسحبهم إلى أرضية وعرة من الإنهاك.
أضف إلى ذلك أن عودة الجماعات الإرهابية إلى الواجهة فى سوريا لن يشغل فقط موسكو وطهران بحرب عصابات منهكة وحسب، ولكنه سيظل ذريعة واقعية يمكن لأمريكا أن تنفذ من خلالها إلى سوريا مجددًا بحجة حماية مصالحها ومكافحة الإرهاب.
فى المقابل، لا تزال الظاهرة الداعشية قادرة على إثارة المشاكل وعلى الإزعاج، حتى أن "الإنتربول" لم يتردد فى تحذير أوروبا ودول جنوب شرق آسيا وإفريقيا من احتمالات قوية لهجمات داعشية على طريقة الذئاب المنفردة، خلال الفترة المُقبلة.
بيد أن تنظيم داعش الإرهابى تحرك لتأكيد تلك التهديدات بعملية بشعة بذبح نرويجية ودانماركية من هواة تسلق الجبال فى المغرب، وسط أنباء عن اغتصاب الضحيتين قبل نحرهما، وتصوير الجريمة فى شريط فيديو مرعب.
يأتى هذا بعد أيام قليلة من هجوم سوق عيد الميلاد بستراسبورج الفرنسية، بالتزامن مع حالة هلع أصابت ألمانيا وسط تقارير استخباراتية عن عملية إرهابية فى طور التحضير، ربما تضرب أحد مطارات البلاد.

وتعيش الاستخبارات والشرطة الجنائية فى ألمانيا حالة من التأهب التام على مدار اليومين الماضيين، على إثر ثبوت قيام 4 أشخاص أحدهم ينتمى للتيارات الدينية المتشددة بعمليات تجسس واسعة على مسارات العمل بمطار "شتوتجارت" الدولى.
وأعلنت برلين، الجمعة، حالة التأهب القصوى فى جميع مطارات البلاد، خصوصًا فى المنطقتين الغربية والجنوبية، فى ظل معلومات استخباراتية عن استعداد جماعة إرهابية ربما ترتبط بذئاب "داعش" المُنفرد، لشن هجومٍ كبيرٍ يستهدف الطائرات أثناء احتفال ألمانيا بأعياد الميلاد.
وسربت القناة الأولى بالتلفزيون الألمانى معلومات بقيام المغرب بمد برلين بأسماء متشددين، يخططون لعمل إرهابى على الحدود بين ألمانيا وفرنسا.
واستقبلت برلين المعلومات بجدية، وسط توقعات بأن تتقاطع الأسماء المشتبه فيها مع "الأربعة" الهاربين، الذين تبحث عنهم السلطات الألمانية على مدار اليومين الماضيين.
وحسب صحيفة "بيلد" الألمانية، فطالما تستقبل ألمانيا العديد من التحذيرات من "دول صديقة" فى فترة أعياد الميلاد، غير أن النقطة الأكثر خطورة هذه المرة والتى جعلت السلطات الأمنية تقف على أطراف أصابعها، أن التحذير يتضمن أسماءً ومعلومات وتحركات بعينها.

إذن ما يجرى على الأرض، أن الجمع أصبح مشغولًا.. تركيا ستجتهد فى تدخلها العسكرى ضد الأكراد فى سوريا، والروس والإيرانيون أصبحوا وحدهم فى مرمى مدافع الإرهاب الداعشى والقاعدى وما شابه، بينما أوروبا تفقد أعصابها أكثر وأكثر يومًا بعد آخر، على خلفية التهديدات الداعشية المزلزلة، وفى المقابل لا تزال بلدان عربية وفى شمال إفريقيا مرتعًا للدواعش والجماعات المتطرفة، فيما أن كلفة ذلك تظل باهظة فى تراجع السياحة، والأهم ثقة العالم فى الأمن الداخلى لتلك البلدان، ووحده يبقى الأمريكى جاهزًا وعلى الدوام لحصد المكاسب.