السادات فى البرلمان
هكذا يمكن توصيف سيرة الرئيس الراحل، محمد أنور السادات، وبخاصة فيما يرتبط بعلاقته بالإخوان، وتؤصل دراسة مهمة للكاتب والباحث عبد الرحيم على، علاقة الرئيس الراحل بالجماعة، حيث تكشف جوانب عدة ربما ظلت مجهولة أو مخفية منها.
يقول الباحث الذى اعتمد فى الدراسة على شهادات شخصيات ذات تأثير على المستويين الأمنى والسياسى، إن اتصالات السادات مع الإخوان بدأت "سرية"، وقبل رحيل الرئيس عبد الناصر، أى إبان كان السادات نائبًا له، تلك الاتصالات تمت بتكليف شخصى من عبد الناصر، وذلك كما ينقل الباحث عن الدكتور محمود جامع، صديق السادات المقرب.

وينقل الباحث عن كتاب جامع: "عرفت السادات"، أن الأخير "حاول تحقيق مصالحة تاريخية مع الإخوان المسلمين، وأبلغنى أنه أخبر عبد الناصر بما سوف يقوم به من اتصالات".
كما ينقل الباحث عبد الرحيم على، عن ما كتبه اللواء فؤاد علام، فى كتابه "الإخوان وأنا" قوله إن "هذه الاتصالات السرية مازالت لغزًا غامضًا حتى الآن، رغم أن من صنعوها وشاركوا فيها مازال بعضهم على قيد الحياة.. لكنهم يرفضون الحديث عنها أو كشف أسرارها، ويؤثرون السلامة".
وتابع الباحث: "السادات الرئيس يبدو أنه اختلف عن السادات النائب، فقد اتخذ مسارا جديدا فى علاقته مع الإخوان، وفى تحالفاته مع الاتجاهات الدينية الجديدة التى تبناها وشجعها وسعى إلى استثمارها لتحقيق أهدافه السياسية".. و"السادات لم يصنع الاتجاه الإسلامي، ممثلا فى جماعة الإخوان وغيرها من الجماعات الدينية، لكنه توافق مع طبيعة المناخ السائد بعد هزيمة 1967، وسعى إلى استثمار الأمر لمصلحته ولتقوية سلطته المهتزة فى مواجهة أعدائه الأكثر شراسة: ما اصطلح على تسميته بمراكز القوى، والحركة الطلابية اليسارية فى الجامعة بقيادة الناصريين والشيوعيين".

حسب الباحث "حسم السادات معركته مع مراكز القوى فى مايو1971، وبعد انتصاره عليهم ركز جهوده لمواجهة الحركة الطلابية المتصاعدة، والتى وصلت إلى قمة خطورتها وقوتها عند احتلالها لميدان التحرير، واقعة الكعكة الحجرية، بما يمثل تهديدا سافرا صريحا للدولة وهيبة السلطة والرئيس".
"بعد ساعات قليلة من الواقعة التى استفزت السادات وأثارت غضبه، اجتمع الرئيس مع مرشد الإخوان السجين حسن الهضيبى، وسرعان ما تم الإفراج عنه وعن قيادات ورموز بارزة فى حركة الإخوان، وتمت الصفقة التى يبحث كل طرف من طرفيها عن مصلحة خاصة مختلفة: السادات يراوده كيفية مساعدة الإخوان له فى مواجهة الحركة الطلابية اليسارية المعارضة، والإخوان يبحثون عن أمل لبعثهم من جديد.
اتفق السادات مع الإخوان، لكن السؤال الذى يطرح نفسه هنا: أى إخوان اتفق معهم وعقد صفقته؟، وما الأهداف الحركية الحقيقية التى راهنت عليها الجماعة؟!".
ويوضح الباحث تساؤله: "كان المستشار حسن الهضيبى مرشدًا رسميًا وزعيمًا علنيًا شرعيًا، لكن الحركة كانت منقسمة بين اتجاهين: أولهما معتدل يمثله عمر التلمسانى، وثانيهما متشدد يتجسد فى رجال النظام الخاص، وفى مقدمتهم كمال السنانيرى ومصطفى مشهور، الأول كان فى الواجهة مع السادات والآخر كان يدير كل شئ من وراء ستار، وظل الوضع هكذا حتى اغتيال السادات".

ويلفت الباحث إلى أن "حركة جماعة الإخوان الفكرية والتنظيمية بدأت تعود إلى الساحة مرة ثانية منذ عاد من الخارج أعداد غفيرة من كوادرها الذين حققوا ثروات فى بلدان المهجر، ليضيفوا إليها قوة اقتصادية طاغية، كما أعادت الجماعة إصدار مجلة الدعوة بعد توقف عشرين عامًا لتكون منبرا إعلاميًا مهما للدعوة لتبنى أفكارها ومواقفها من جميع القضايا والإعلان عنها، ثم لتبدأ ثانية فى تنظيم شُعبها على مستوى المحافظات".
جاء ذلك بالتوازى مع "تحول الجماعات الإسلامية التى انتشرت فى جميع المحافظات إلى مفرخة يتنافس على استقطاب عناصرها جميع التنظيمات الدينية على الساحة، وفى القلب منهم جماعة الإخوان المسلمين.
وتطورت الأمور لكى تصبح هذه الجماعات هى أداة هذه التنظيمات على المستوى القاعدى فى الجامعات وخارجها فى القاهرة وباقى المحافظات"، إذ وصل الأمر عام 1977 إلى "حد فوز كوادر الجماعة الإسلامية فى ثمانى جامعات مصرية، بإجمالى عضوية الاتحادات الطلابية من أصل اثنتى عشرة جامعة، كما يوضح القيادى الإخوانى السابق، المهندس أبو العلا ماضى فى محضر نقاش أجريناه معه عام 2000، مضيفا أن الجماعة فازت فى الجامعات الأربع الأخرى بنصف المقاعد.

وفق الباحث "لم تكن الحكومة التى أبرمت صفقة مع الجماعة حول مواجهة التيار اليسارى فى الجامعات تدرى شيئا عن هذا النشاط التجنيدى الذى يقوم به قادة الإخوان وفى مقدمتهم الرجل العاقل عمر التلمسانى".
وحول بداية الانخراط الفعلى لكوادر الجماعة الإسلامية داخل الأطر التنظيمية للإخوان قال قيادى الإخوان السابق عبد المنعم أبو الفتوح، إنه بالنسبة للمجاميع العادية يمكن الإشارة إلى أن ذلك قد جرى فى أواخر السبعينيات، "ولكن الرؤوس انضمت فى نهايات عام 1974 وكنت واحدا منها، ولكننا كتمنا هذا الموضوع طوال سنوات عدة خشية أن نواجه بعنف من قبل النظام الذى فتح الطريق بالفعل أمام قادة الإخوان للعمل لكنه ليس على استعداد لأن يكتشف أن الجماعة الإسلامية المنتشرة فى جميع جامعات مصر والتى كان السادات قد أعطاها الحرية الكاملة لتصنع توازنًا سياسيًا مع اليساريين داخل الجامعة، قد أصبح أعضاؤها فى جماعة الإخوان التى كان يعتبرها السادات وكان قادتها يعتبرون أنفسهم بديلًا شرعيًا للسلطة".
يقول الباحث أن العام 1979 حمل عدة تحولات أساسية داخل التيار الإسلامى الشبابى فى مصر:
أولها: قرار الجماعة الإسلامية بتوحيد صفوفها واختيار أمير عام لها هو حلمى الجزار.
ثانيها: ظهور معارضة الجماعة لتصرفات السادات خصوصًا معاهدة الصلح مع إسرائيل، وما نتج عن ذلك من اعتقال عدد كبير منهم.
ثالثها: محاولات الإخوان تجنيد أبرز أعضاء هذه الجماعة الإسلامية فى محاولة لضم هذا التكتل البشرى الشبابى الضخم إلى صفوف الإخوان.
رابعها: بحث بعض قادة الجماعة الإسلامية عن دور خارج الجماعة خصوصًا بعد التخرج.
خامسها: ميلاد فكرة العنف داخل بعض أوساط هذه الجماعة خصوصا فى المنيا وأسيوط على يد كرم زهدى وناجح إبراهيم".
ويكمل "للأمانة فقد فطن السادات إلى كل هذه التحولات مؤخرا، وحاول عن طريق توفيق عويضة أن يؤسس جماعة أخرى لضرب الجماعة الإسلامية داخل الجامعات لكنه لم يفلح".

وعلى الرغم من أهمية التحولات الخمسة التى حدثت عام 1979 فإن أبرزها حسب الباحث، "كان محاولة الإخوان الناجحة لضم كوادر الجماعة الإسلامية البارزين إليها، وقد بدأ الإخوان بذكاء فى استقطاب مجموعة من القيادات التى تحظى بحب وتقدير مجموعات كبيرة من أعضاء الجماعة الإسلامية، فكان أن انضم إلى جماعة الإخوان - كما يروى أبو العلا ماضى بين 12- 15 قياديا بالجماعة على رأسهم: عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان وخيرت الشاطر وأنور شحاتة ومحيى الدين أحمد عيسى وأبو العلا ماضى.
ولقد ساعد دخول هذه العناصر فى انضمام أعداد كبيرة أخرى من أعضاء الجماعة الإسلامية إلى الإخوان، وهذا ما أثار حفيظة بعض كوادر الجماعة وعلى رأسهم: كرم زهدى وفؤاد الدواليبى وأسامة حافظ وعاصم عبد الماجد وناجح إبراهيم وعلى الدينارى وطلعت فؤاد قاسم، وآخرون ساهم خيانة رفاقهم لهم ودخولهم فى التنظيم الذى طالما رفضوا الانضمام له تحت دعوى أنه تنظيم مسالم وموالى للسلطة وفقد شرعيته عندما تخلى عن جهازه الخاص وقبل العمل الشرعى من وجهة نظرهم".

ثم كان الصدام الكبير بين السادات والإخوان، حيث "اتخذ عمر التلمسانى المرشد العام الثالث للجماعة موقفًا مراوغًا فيما يتعلق سياسات السادات تجاه القضية الفلسطينية من الصلح مع إسرائيل".. "إن الإقرار الشرعى بمبدأ التفاوض مع إسرائيل، ورفض ما ينتج عنه، بل رفض وجود إسرائيل ذاتها، وصولا إلى الدعوة للجهاد ضدها، هو من أبرز التناقضات التى ميزت الخطاب الإخوانى تجاه القضية الفلسطينية حتى الآن، فحاولت الجماعة فى هذا الموقف المتناقض وشبه المزدوج أن تحافظ على سياسة وضع القدم الأولى فى السلطة ووضع الثانية فى المعارضة. من هنا جاء امتناع التلمسانى عن تأييد الائتلاف الوطنى المعارض لسياسات كامب ديفيد فى عامى 1980-1981، واعتراضه على قرار المقاطعة العربية لمصر، ومطالبته قادة الدول العربية بتقديم بديل عن سياسات السادات السلمية بدلا من مقاطعته، فى الوقت الذى انضم فيه أحمد سيف الإسلام البنا نجل مؤسس الجماعة إلى الائتلاف المعارض للاتفاقية، فيما كانت مقالات مجلة الدعوة التى تهاجم الاتفاقية تتوالى، مما تسبب فى حرج وضيق شديدين للرئيس السادات خاصة أن الاتفاق بينه وبين التلمسانى لم يكن ينص على معارضة سياسات الرئيس علنا.

وأخير يشير الباحث إلى أنه سرعان ما حدث الصدام بين الطرفين، وشملت قيادات الجماعة بمن فيهم مرشدها العام قرارات اعتقالات سبتمبر 1981 الشهيرة، ووجهت لها السلطة اتهامًا بتشكيل تنظيم سرى جديد، بينما كان المسرح يتم تجهيزه للقضاء على السادات بواسطة إحدى الجماعات الإسلامية المتشددة التى صنعتها أجواء ما بعد هزيمة يونيو 1967، ومهد لها السادات بنفسه طريق التوغل داخل شرايين المجتمع المصري.