البث المباشر الراديو 9090
أيمن الظواهرى وأبو بكر البغدادى
إذا كان داعش قد استحوذ على المشهد على مدار السنوات الأربع الماضية، فإن تنظيم القاعدة أبى أن يرحل العام 2018 دون أن يسجل ظهورًا لافتًا ومؤثرًا فى عدد غير قليل من بقاع الأرض الملتهبة.

فى أفغانستان وليبيا وسوريا واليمن، تبدو الطبعات القاعدية فى تنامى واضح، بيد أن بعضها لا يجد غضاضة فى التحالف مع الدواعش أنفسهم، أو مع ما تبقى من فلولهم كما يجرى فى كل من بلد بشار الأسد وجماهيرية القذافى السابقة، لأجل تسجيل عودة شديدة الوطأة تعيد أمجاد جيل الزعيم المؤسس أسامة بن لادن إلى الواجهة مجددًا.

لا ريب أن ظهور نجل بن لادن الصغير، حمزة، سواء بدعم إيرانى مستتر، أو عبر مساندة كبيرة من قيادات جهادية معتبرة، وعلى رأسها رجل القاعدة الثانى حاليًا بعد أيمن الظواهرى، وهو أبو محمد المصرى، والمعروف أيضًا بأبو محمد الزيات، قد منح القاعديين بعضًا من الإلهام اللازم للانتفاض من تحت الركام.

التهاوى الداعشى الكبير فى معظم مناطق نفوذ التنظيم، لا سيما بالعراق وسوريا وليبيا، إنما يحفز القاعدة من أجل العودة، وبخاصة بعدما زال عنها الخجل من الانتصارات الساحقة لرجل أبو بكر البغدادى، إذ ثبت أن الأخيرة كانت وقتية إلى حد كبير.

والعكس أيضًا صحيح، فتغلغل الفكر الداعشى وانتشاره عبر فضاء الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى، وقدرته على استقطاب ذئاب منفردة عدة حول العالم رغم خسائر التنظيم المركزى على الأرض، إنما يعد أمرًا مستفزًا للقاعدة وقادتها، بحيث أنهم باتوا أكثر تصميمًا من ذى قبل على التحرك السريع على أمل قطف نصيب كافٍ من كعكة التجنيد الإليكترونى الدائر بوتيرة شديدة السرعة.

المحصلة أن القاعدة عادت وستعود أكثر وأكثر، بيد أنها تنتشر عبر أذرعها فى بقاع شتى من الأرض، ولا تبدو مصر ببعيدة عن ذلك، خصوصًا عبر حدودها الغربية، حيث حاول ضابط الصاعقة المفصول، هشام عشماوى، مرارًا، وحتى قبل أن يسقط فى قبضة الأمن الليبى فى أكتوبر الماضى، أن يؤسس حصونًا قاعدية تصبح شوكة فى ظهر بلاد النيل انطلاقًا من الصحراء الشاسعة الفاصلة بينها وبين ليبيا.

من جانبها، نبهت الأمم المتحدة نفسها بخطورة عودة القاعدة، وأشارت فى تقرير شهير قدمته لجنة الخبراء بالمنظمة الدولية إلى مجلس الأمن، أغسطس الماضى، إلى تلك المخاوف الكبيرة التى بات يمثلها تنظيم القاعدة فى الوقت الراهن.

التقرير أقر بوضوح بأن "قيادة القاعدة تظهر صبرًا استراتيجيًا وتمارس فروعها الإقليمية حكمًا تكتيكيًا جيدًا وتدمج نفسها فى القضايا المحلية وتصبح لاعبًا".

وشدد التقرير على أن القاعدة "لا تزال شبكة عالمية تظهر المرونة"، وأنها "أقوى من داعش فى بعض الأماكن مثل الصومال واليمن كما أصبحت قيادتها فى إيران أكثر بروزا".

وعلى هذا، تتبارى دول عدة ومن بينها مصر فى تبنى سياسيات وخطط مواجهة متباينة مع تنظيم القاعدة الجديد وكوادره وعناصره، فالبعض يحاول التخلص من أى كادر كان على علاقة تنظيمية أو فكرية بجماعة بن لادن، والبعض الآخر يحاول ملاحقة أى منهم ومعاقبته لتحقيق الردع.

وكان آخر النماذج فى هذا الشأن ما جرى فى فرنسا، حيث وصل باريس فى ساعة مبكرة من صباح الأحد، أحد أخطر الإرهابيين المطلوبين حول العالم، وهو بيتر شريف.

والفرنسى بيتر شريف يشار إليه باعتباره العقل المدبر للهجوم على صحيفة شارل إبدو فى العام 2015، فضلًا عن كونه أحد الأصدقاء المقربين من منفذى العملية سعيد وشريف كواشى.

وسقط بيتر شريف الأسبوع الماضى فى يد قوات الأمن بدولة جيبوتى شرقى إفريقيا، قبل أن يتم نقله إلى فرنسا للخضوع للمحاكمة، حسب صحيفة لوموند الفرنسية.

ونقلت مجلة "دير شبيجل" الألمانية صورة حصرية لعملية نقل الإرهابى الهارب إلى باريس، وذلك أثناء صعوده إلى طائرة الخطوط الجوية الفرنسية فى طريق عودته إلى بلاده.

وأقدم الأخوان كواشى مطلع العام 2015 على مهاجمة صحيفة شارل إبدو فى عملية دامية أسقطت 12 قتيلًا، قبل أن يتم تصفية المنفذين بعد ارتكابهما الجريمة البشعة بعدة أيام على يد الشرطة الفرنسية، وقد تبنى تنظيم القاعدة المسؤولية عن الحادثة فى حينها.

وحسب ما نقلت "شبيجل" أيضًا عن وكالة الأنباء الفرنسية، فإن بيتر شريف، 36 عامًا، سبق وأن اعتقل للمرة الأولى فى العراق عام 2004، عندما كان يقاتل فى صفوف القاعدة.

وكشفت قناة فرنسا 24 أنه قد حكم على بيتر شريف بـ15 عامًا بالعراق، لكنه تمكن من الهرب إلى سوريا بعد قضائه 3 سنوات فقط فى محبسه، قبل أن تسلمه دمشق إلى باريس ليقضى 18 شهرًا فى الحجز الاحتياطى، لكنه وفى الأخير فر مجددًا ليستقر فى اليمن.

قبل 3 سنوات أدرجته الولايات المتحدة الأمريكية على قائمة الإرهابيين العالميين كأبرز أعضاء تنظيم القاعدة فى جزيرة العرب.

لكن وعلى عكس فرنسا، سارعت ألمانيا وبخطى ثابتة طيلة العام 2018 بإبعاد عدد من كوادر تنظيم القاعدة عن أراضيها، فيما كان المستهدف الأكبر ضمن هؤلاء هم المنتمون إلى خلايا هجمات 11 سبتمبر.

وكانت ألمانيا، مسرحًا لتخطيط فصول كبيرة من تلك الهجمات، ويكفى أن قائد العملية، المصرية محمد عطا، كان مركز تجمع ما عرف فيما بعد بخلية هامبورج، وكان منير المتصدق أخر رموز القاعدة وهجمات 11 سبتمبر ممن تم استبعادهم من الأراضى الألمانية.

وجاء ترحيل المتصدق بعد أقل من 3 أشهر على إبعاد حارس سابق لزعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن، ويدعى "سامى أ." إلى بلده الأصلى، تونس.

فى حين استبقت واشنطن تحركات كوادر القاعدة النشطين فى سوريا، فيما أن جذورهم المتطرفة تعود إلى جماعتى الجهاد والجماعة الإسلامية فى مصر، على أمل ضرب خططهم مبكرًا بالعقوبات والتضييق الأمنى.

جرى ذلك طيلة السنوات الثلاث الماضية، والتى شهدت تصفية الولايات المتحدة عددًا من قيادات مصرية نافذة ونشطة بسوريا دفعة واحدة، من بينهم أبو الخير المصرى، أحمد حسن أبو الخير، وهو معروف أيضًا باسم عبد الله عبد الرحمن، ويشار إليه كنائب زعيم القاعدة الحالى، أيمن الظواهرى، حيث اصطادته طائرة أمريكية من دون طيار.

إضافة إلى رفاعى طه وأبو هانى المصرى، وأبو الأفغان المصرى، فضلًا عن أحمد سلامة مبروك، والأخير أحد الأسماء الجهادية المصرية الشهيرة.

الخطورة أن بعض تلك القيادات المصرية سواء التى قتلت، أو غيرها الكثير ممن يكتنف مكان وجودها ونشاطها فى سوريا الغموض والشبحية، مثل سيف العدل القادم أيضًا من إيران ورجل القاعدة الحديدى، كانوا على تواصل وتنسيق لوجيستى مع تنظيمات قاعدية الهوى نشطة فى مناطق ملتهبة، كغزة واليمن، أو حتى ليبيا الممتدة بطول الحدود الغربية لمصر.

والقاهرة تبدو الآن ودون أدنى مبالغة فى سباق مع الزمن لاستكمال باقى ملف إسقاط الإرهابى الأشرس والأخطر هشام عشماوى الذى أصبح فى قبضة الجيش الليبى منذ أكتوبر الماضى.. فلا معنى لإلقاء القبض على الرأس الكبيرة دون السيطرة على الذيول والفلول والأتباع.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً