تنظيم القاعدة باليمن
دراسات: التنظيم تجاوز الصحوة الداعشية وعاد إلى السيادة فى القارة السمراء
القاعدة تركز على جذب الشباب وتعتمد فى التجنيد على تحالفات القبائل
تنظيم بن لادن أصبح أكبر خطر يهدد شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء
وفى اعتقاد كل مراقب غير متمرس أن داعش، وعلى وجه التحديد فى نسخته التى نشطت فجأة فى جماهيرية القذافى السابقة، كان له السبق فى سحب إفريقيا إلى ساحة الإرهاب العالمى العابر للحدود والهويات والقوميات، غير أن تلك الفرضية تظل قاصرة وبشدة فى مضمونها، إذ أن تنظيم القاعدة هو الرائد فى هذا الشأن، وهو حجر الزاوية الأكبر وصاحب التاريخ الأبرز فى إشعال القارة السمراء بوقود الإرهاب الأسود.
بل إن الإعلان الأبرز للقاعدة عن نفسها، والذى استبق حتى غزوة منهاتن الكبرى، المعروفة إعلاميًا بـ"هجمات 11 سبتمبر 2001" ضد الولايات المتحدة الأمريكية، والتى تعد أكبر عمليات التنظيم دموية وتأثيرًا على الإطلاق، كان من قلب إفريقيا، وتحديدًا عبر استهداف سفارتى واشنطن فى كل من تنزانيا وكينيا فى منتصف تسعينيات القرن الماضى.
وإذا كان تنظيم القاعدة، وبعد مقتل مؤسسه وأبيه الروحى، أسامة بن لادن، ثم مطاردة قادته فى كل صوب وحدب، قد فقد معظم أذرعه وأفرعه تباعًا فى بقاع شتى من العالم، إلا أنه ظل محافظًا على القلب فى أفغانستان وباكستان، ناهيك بواجهتين مؤثرتين هما "القاعدة فى جزيرة العرب/ اليمن"، و"القاعدة فى بلاد المغرب"، أى أن يده الطولى للكيان فى القارة الإفريقية ظلت شديدة الوطأة على طول الخط.

ورغم أن داعش تمكن من زحزحة بعض من نفوذ القاعدة، وربما وراثتها، فى بقاع شتى من العالم ومن بينها إفريقيا، إلا أن جماعة بن لادن وخليفته أيمن الظواهرى، حافظت على شىء من التماسك والنفوذ أيضًا.
وأخيرًا أقر الجميع، وعلى رأسهم الأمم المتحدة، أن النفوذ القاعدى، ومع سحق داعش فى معظم بقاع خلافته الوهمية، قد سطع نجمه من جديد ولو ظل لفترة راقدًا تحت الرماد، بل يمكن القول أنه كان الأبرز خلال العامين الماضيين.
دراسة حديثة لمرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية أبرزت ذلك الخطر القاعدى العائد، لافتة إلى صعود نفوذ التنظيم مجددًا فى مناطق إفريقيا جنوب الصحراء وفق استراتيجية تستند إلى ركائز رئيسية هى: "التحالفات مع الجماعات الإرهابية الأخرى فى المنطقة: سعى التنظيم الإرهابى إلى التوسع فى تحالفاته مع الجماعات المختلفة فى المنطقة، والتى تنتهج أيديولوجيته وتتلاقى معه فى المصالح والأهداف، حيث أسس تحالفًا يضم عددًا من تلك الجماعات، هى: المرابطون وأنصار الدين وإمارة منطقة الصحراء الكبرى وجبهة تحرير ماسينا- تحت اسم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" فى مارس من العام الماضى".
إلى جانب "الضرب على وتر العرقية: يحرص تنظيم القاعدة دائمًا على الاحتفاظ بظهير عرقى يمثل مصدرًا رئيسيًّا للعناصر الإرهابية التى يمكن أن تنضم إليه، كى يتخطى الخسائر التى يتعرض لها بسبب العمليات العسكرية ضده، ما يشكل تهديدات خطيرة لأمن واستقرار دول منطقة الساحل والصحراء، ما يضفى على الهجمات التى يشنها التنظيم طابعًا عرقيًّا، من المحتمل أن يترك أثره غائرًا فى المنطقة حتى بعد اندحار التنظيم وخروجه منها.

وفى الوقت نفسه اعتمد التنظيم استراتيجية "استخدام أساليب جديدة لم يكن يستخدمها من قبل: يحاول تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب أن يرد على الهجمات التى تُشنُّ ضده بأساليب مختلفة وسريعة، خشية أن يؤثر عدم الرد على تماسكه الداخلى وإضعاف قدرته على التوسع فى المنطقة، ما يدفعه إلى الاستعانة بأساليب منافسه اللدود "يقصد داعش" باستخدام العمليات الانتحارية والدفع بالنساء لتفجير أنفسهن فى الأسواق والتجمعات البشرية لزيادة الخسائر البشرية والمادية".
وأخيرًا "الاعتماد على عنصر الشباب، "وفى هذا الإطار" يعتمد تنظيم القاعدة فى المغرب الإسلامى على الشباب، ومعظمهم غير معروفين ولديهم مهارة قتالية عالية، كما أن معظمهم من قاطنى الصحراء، إضافة إلى أن القاعدة يستعين بعناصره من الشباب للقيام بمهام الذئاب المنفردة".
وكان المرصد أشار فى دراسة أخرى نشرها فى أغسطس الماضى بوضوح إلى "تنامى التنظيم الإرهابى منذ عام 2017 بعد أن تمكَّن من إعادة بناء قدراته بهدوء خلال السنوات الماضية فى ظل توقعات بأن يكون التنظيم أكثر نشاطًا وخطورة على الأمن القومى لعدد من المناطق الإقليمية ودول بعينها فى شمال وغرب إفريقيا".
تقول الدراسة "رغم الخفوت والتراجع العام لتنظيم القاعدة فى مناطق عدة، خاصة دول الشرق الأوسط بعد صعود تنظيم داعش فى سوريا والعراق 2014، فإن شبكات التنظيم فى بلاد المغرب وغرب إفريقيا ظلت حاضرة على مسرح الأحداث هناك"، حيث "قام خلال تلك المدة بتجديد شبكاته وهياكله وتطوير خطابه الإعلامى".
الدراسة أشارت كذلك إلى أن "التنظيم سعى إلى الامتثال لتعليمات أيمن الظواهرى، بضرورة تحالف واندماج الجماعات الجهادية فى محاولة لمعالجة التشتت والتخبط التنظيمى الذى عانى منه التنظيم خلال السنوات الماضية، وهو ما أضعف التنظيم، لذا عملت خمسة أفرع تابعة للتنظيم فى المنطقة على تبنى نهج التحالف والاندماج تحت اسم "نصرة الإسلام والمسلمين"، وهو يعد التنظيم الأخطر فى المنطقة منذ تأسيسه فى 2017 من حيث عدد العمليات فى مالى".

وفق الدراسة ذاتها، فقد "سعى التنظيم إلى تبنى خطاب المقاومة ضد الاستعمار وقوات الأمن من الجيش والشرطة الوطنية فى تلك البلدان، كما حاول جاهدًا إضفاء صبغة اجتماعية على إصداراته"، لافتًا إلى أن أبرز مصادر تمويل التنظيم تتمثل فى "عمليات اختطاف وتبادل الرهائن الأجانب، تجارة المخدرات، بيع السلاح وغسيل الأموال، السرقة والنهب، تهريب المهاجرين، التبرعات وتحويل الأموال من الجمعيات غير الشرعية".
وفى زاوية أخرى، تشير دراسة نوهنا إليها من قبل بعنوان "التنافس بين تنظيمى القاعدة وداعش فى إفريقيا" للباحث محمد المخلوفى، صادرة عن مركز برق الدولى للدراسات والأبحاث، إلى قدرة القاعدة على والوقوف فى وجه داعش فى الملعب الإفريقى الشاسع.
تقول الدراسة إن "تنظيم القاعدة" نسج علاقات وثيقة مع القبائل فى إفريقيا وتعايش معها باعتبارها قبائل محافظة ولم تكن تعاليم التنظيم الإسلامية غريبة عليهم، حيث تمكن من الانصهار فى شمال مالى وتحالف مع "الأزواد" وتوسع فى الصومال ومناطق عديدة من الصحراء الإفريقية، كما أن سياسته البعيدة عن الاصطدام مع دول المنطقة باستثناء بعض العمليات التى كانت موجهة ضد المصالح الغربية مكنته من حشد المزيد من التأييد رغم الانشقاقات التى عرفه.
وذلك عكس تنظيم الدولة "داعش" الذى يريد التوسع على حساب دول المنطقة ومهاجمة أنظمتها، ما يجعل منه هدفا مزدوجا من الجماعات المسلحة التابعة لـ"القاعدة" وكذلك جيوش دول المنطقة.
وتعد أبرز الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة فى إفريقيا، وفق الدراسة، كل من المرابطون، والقاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى، وأنصار الدين، وجبهة تحرير ماسينا، وكتيبة خالد بن الوليد "أنصار الدين الجنوب".