أرشيفية
من هؤلاء أحمد عبدالله، موظف بإحدى شركات القطاع الخاص، والذى أعلن عبر صفحات التبرع بفص الكبد على الإنترنت نيته بيع فص الكبد مقابل مبلغ مالى، قائلا: "أنا شاب متزوج وعندى أولاد وظروفى صعبة.. ابنى هيعمل عملية، وبعرض أبيع فص كبد، شرط أن العملية تتم بمستشفى فى مصر، وطولى 170 سم ووزنى 80 كيلو، ولا أعانى أى أمراض وفصيلة دمىB، ورجاء بلاش سماسرة أو وسطاء، يطلبوا فلوس عمولة".
أحمد لم يكن الوحيد الذى يعلن عن تبرعه بفص الكبد عبر الصفحات المتخصصة على السوشيال ميديا، فقد انضم إليه آلاف الحالات خلال منشورات تتضمن معلومات الطول والوزن والسن والحالة الصحية، وفى المقابل وجدنا عشرات الصفحات الإلكترونية التى تعمل كـ"ستار" لتجارة الأعضاء فى مصر، تحت مسمى التبرع، بينما تديرها شبكات من سماسرة وتجار الأعضاء، وهو ما يكشف عنه "مبتدا" فى هذا التحقيق:

أسعار التبرع بفص الكبد
عبر الصفحة الإلكترونية "رابطة المتبرعين بفص الكبد" نشر المسؤول عنها الإعلان التالى: "مطلوب 25 متبرعًا خلال يومين، أى مطلوب 10 متبرعين o موجب بـ 750 ألف جنيه، ومطلوب 5 متبرعين b موجب 700 ألف جنيه، مطلوب 2 متبرعين ab موجب بمبلغ 500 ألف جنيه، ومتبرعين a سالب بـ 300 ألف جنيه، ومطلوب خمس متبرعين o سالب بـ 250جنيه، وواحد a موجب بـ 750 ألف جنيه، يشترط وجود التحاليل كاملة والأشعة، وشخصين ضامنين من الدرجة الأولى".
طرق إقناع المتبرعين
وعند التواصل مع مسؤول الصفحة للوقوف حول طبيعة تلك العمليات ومدى ضمانها وآمانها، قال: "مفيش نصب وهى مش خطر، لأن فص الكبد بيتكون تانى بعدها بكام شهر، وغير ده بيتعمل التحاليل والأشعة اللى تضمن سلامة المتبرع وأن ميحصلش مضاعفات وبتتعمل مع أشطر الأطباء وداخل أفخم المستشفيات فى مصر، ولكن يشترط تصطحب معك ضامنين من الدرجة الأولى بجانب التحاليل والأشعة كامله، وتحديد المكافأة بيعتمد على ظروف المريض المادية والمتعارف بين الناس، فضلا عن وجود متبرعين يحصلون على مكافأة تبدأ من 70 إلى 150 ألف، وتصل فى أوقات أخرى لـ700 ألف".
محاولات النصب
وبحسب منشور على إحدى صفحات التواصل الاجتماعى أعلن القائم على صفحة خاصة بـ"متبرعى فص كبد": "لدينا قاعدة بيانات تضم جميع فصائل الدم"، مشيرا إلى أنه قادر على توفيرها بشروط مثل "الطول والوزن والسن والفصيلة المطلوبة والضامن"، شرط الجدية والالتزام، ويكون سن المتبرع من 21 إلى 45 سنة.

أعداد المرضى
ووفقا لآخرالإحصائيات يوجد 45 ألف مريض بالفشل الكبدى فى مصر، منهم 40 ألف مريض بالالتهاب الكبدى، و4 آلاف مريض بأورام الكبد، ما يعنى احتياج 40 ألف مريض كل عام لزرع فص الكبد، لبلوغهم مراحل متقدمة من المرض، ولا يوجد متبرعين لهذا العدد، ويتم الزرع لنحو 400 حالة فقط كل عام.
مصر تحتل المركز الثالث عالميًا
وطبقا لأرقام التحالف الدولى لمكافحة تجارة البشر الصادرة فى منتصف عام 2017، تحتل مصر المركز الثالث عالميًا فى تجارة وزراعة الأعضاء البشرية، بعد الهند والصين، حيث تشهد سنويًا 1500 عملية زراعة أعضاء غير قانونية، وقدر المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، تجارة الأعضاء البشرية بأنها تتجاوز آلاف العمليات سنويًا.
ويعرف القانون رقم 5 لسنة 2010 بشأن تنظيم زرع الأعضاء البشرية، جريمة الإتجار بالبشر بأنها أى عمل من شأنه التعامل فى الشخص بالبيع أو عرضه أو شرائه، بهدف استغلاله جنسيًا أو للعمل القسرى أو استئصال أعضائه بالتهديد أو باستغلال عوزه وفقره أو بالاحتيال عليه.
واتجهت الدولة لمكافحة تلك الجرائم الحديثة، فحسب قانون مكافحة الإتجار بالبشر، غلظت المادة 19 العقوبة على نقل أو زراعة الأعضاء بطريق الإكراه أو التحاليل، حيث نصت على أنه "يعاقب بالسجن المؤبد وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تزيد على مليونى جنيه كل من نقل أو زرع عضو بشرى بطريق التحايل أو الإكراه، وتكون العقوبة الإعدام إذا ترتب عليه وفاة المنقول منه أو إليه".
وفى يناير 2017، أصدر المهندس شريف إسماعيل، رئيس مجلس الوزراء السابق، قرارا رقم 192 بتشكيل اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر.

كما شنت هيئة الرقابة الإدارية، حملات دورية على المستشفيات لتتبع هذا النوع من الجرائم، وتلاحق الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية، جميع المواقع والصفحات التى تحرض على جريمة بيع أو شراء الأعضاء البشرية عبر الإنترنت، وعلى مدار العامين الماضيين فقط، تمكنت أجهزة الدولة الممثلة فى الرقابة الإدارية ووزارة الداخلية من ضبط 8 شبكات للإتجار بالبشر.
طريقة التبرع
ينظم التبرع بالأعضاء اللجنة العليا لزراعة الأعضاء ونقلها، ويوجد 57 مستشفى فقط مرخص لها من قبل اللجنة العليا لزراعة ونقل الأعضاء البشرية، بإجراء مثل هذه العمليات، ووضعت شروط لذلك، منها المستندات المطلوبة من المريض، تشمل بطاقة الرقم القومى و3 صور شخصية، وتقرير طبى يفيد احتياج المريض للزرع من اللجنة الثلاثية بالمستشفى، والإقرار الموحد الخاص بموافقة المريض على إجراء الجراحة.
والمستندات المطلوبة من المتبرع متمثلة فى "بطاقة الرقم القومى، و3 صور شخصية، تقرير طبى عن حالة المريض يفيد لياقته لإجراء الجراحة التحاليل الخاصة بالمريض والمتبرع وتوافق الأنسجة، وصورة من محضر إثبات حالة من قسم الشرطة بالموافقة على التبرع أو توثيق بالشهر العقارى بالموافقة إقرار بالموافقة من المتبرع".
ويتم تقديم طلب بالموافقة على إجراء العملية من المدير الفنى للمنشأة، ومعتمد من البرنامج الطبى باسم رئيس اللجنة العليا لزراعة الأعضاء مقابل تسديد 1000 جنيه لصالح صندوق تحسين الخدمة، وألا يقل سن المتبرع عن 21 عامًا، وألا يزيد عن 50 عامًا، ويجوز التبرع بين الأب والأم والأبناء فيما بينهما من سن 18 عامًا، وحتى 60 عامًا، عند تقديم الأوراق للجنة العليا لزرع الأعضاء، ويشترط حضور المتبرع بنفسه للتوقيع على إقرار وأخذ بصمته أمام اللجنة.

شروط صحية
يؤكد دكتور محمد سليمان، استشارى أمراض الكبد ومناظير الجهاز الهضمى، أن المتبرع لابد ألا يقل عمره عن 18 عاما، ولا يزيد عن 60 عاما، ويتميز بالصحة ولا يكون مصابا بأحد الأمراض النفسية أو العصبية أو العقلية، ولا يعانى من أحد الأمراض المزمنة كالضغط والسكر، أو أمراض الحساسية والقلب والكلى، وألا يكون أصُيب من قبل بأحد الأورام السرطانية، ولا يحمل أى تاريخ سابق أو حالى للإصابة بأمراض الكبد، كالالتهابات الكبدية بجميع أنواعها، وأيضا لا يعانى من زيادة نسبة دهون الكبد.
وأضاف الطبيب أنه يتم تأهيل المتبرع نفسيًا وتقديم كل المعلومات التى توضح حالته الصحية بعد الجراحة، وأن يكون تلقى قدرا كافيًا من المعلومات المتعلقة بالمضاعفات المحتملة، ولا بد أن يكون هناك تقارب فى حجم الجسم والوزن بين المتبرع والمريض، بحيث لا تمثل العملية خطورة على أى منهما، ويتم إجراء فحوصات كثيرة لضمان سلامته.
وحول الآثار الجانبية كشف استشارى الجهاز الهضمى أنه فى بعض الأحيان يكون هناك تجمعات للسوائل أو الدم داخل تجويف البطن، ويتم امتصاصها بالتدريج فى الأيام اللاحقة للعملية، ويظل المريض فى المستشفى لمدة أسبوع، مؤكدا أن مضاعفات أكثر خطورة تحدث إذا كان الشخص المتبرع يعانى من الأمراض، ولهذا لا بد أن تجرى تلك الجراحات تحت أعين الدولة وطبقا للقانون المصرى، مراعاة لسلامة المتبرع والمريض، وأن لا تتم الجراحة على حساب سلامة المتبرع، بعيادات ومراكز بير سلم التى يديرها سماسرة تجارة الأعضاء.
وألمح إلى أن الفص الذى يتم التبرع به ينمو من جديد طبيعيًا ويعود إلى حجمه بعد العملية وبنفس شكله، ويمكن أن يعود المتبرع إلى طبيعته خلال أسبوعين ووظائف الكبد خلال 3 أيام فقط، وهذا ما يظهر خلال الأشعة التلفزيونية، والتى يتم عملها للمتبرع يوميًا خلال فترة وجودة بالمستشفى.

مخاطر التبرع بفص الكبد
وحول مخاطر التبرع بفص الكبد، توصلت دراسة ألمانية أجرتها على 83 شخصًا أنهم عانوا من مضاعفات عضوية ونفسية بعد مرور سنوات على العملية، وكانت لديهم شكاوى تتراوح من الألم إلى مشاكل فى الهضم والاكتئاب بعد مرور 3 سنوات أو أكثر على العملية لكن جميعهم قالوا إنهم قد يتبرعون مرة أخرى.
وفى الدراسة اشتكى 31% من الإسهال أو الحساسية فى الأطعمة المشبعة بالدهون، فيما شكى 10% من ارتجاع فى المرئ، وعدد صغير شعر بعدم ارتياح فى مكان الجرح أو فى ضلوعهم، وأصيب 3 أشخاص بنوبات اكتئاب شديدة واحتاج 2 منهم لرعاية داخل مستشفى.
لجنة زراعة الأعضاء
وخلال تصريحات صحفية، أفاد الدكتورعلى محروس، مقرر اللجنة العليا لزراعة الأعضاء البشرية، أن عمليات زراعة الأعضاء تجرى فى مصر بشكل قانونى منذ عام 2009، وبمعدل 2000 عملية زرع كبد وكلى سنويا، خلال 57 مركزًا مصرحًا لها بإجراء هذا النوع من العمليات داخل المستشفيات الحكومية والخاصة.
وتابع:"أول تحرك كان بوضع القانون رقم 5 لسنة 2010، الذى ينظم عملية زرع الأعضاء فى مصر وهو القانون الذى اختص بمسائل زراعة الكبد والكلى فقط، ويحدد كل تفاصيل المنظومة، بدءاً من مراكز زراعة الأعضاء، ومعايير تكوينها، وتفاصيلها، ثم انتقل القانون وحدد الفريق الطبى، ومعاييره، والمتبرع بالعضو، ومن يوافق له على الزرع، وشروط المتبرع والمتلقى، فكل ما تحتاجه المنظومة لتسير بشكل منظم موجود فى 24 مادة".
وقال مقرر اللجنة العليا إن الشخص الذى يريد أن يتبرع بأى عضو لا بد أن يخضع لعدة إجراءات، أولها عمل محضر فى الشرطة بالعضو، ويحدده لشخص ما بمحض إرادته الحرة، ثم يوثق هذا المحضر فى الشهر العقارى، ثم يأتى أمام لجنة ثلاثية مشكلة من كوادر علمية نعلمها جيداً، وهنا يوقع ويبصم بالموافقة حتى لا ينكر الإمضاء.
وبحسب آخر الأرقام الصادرة من وزارة الصحة، فمنذ صدور القانون وحتى 30 يونيو الماضى، تم إجراء 17 ألف عملية لزراعة أعضاء، وتم قبول 3 من وصايا التبرع بالأعضاء بعد الوفاة. 
مطلوب تشريع
ويرى الدكتور محمد غنيم، عضو المجلس الرئاسى الاستشارى لكبار العلماء، إن تجارة الأعضاء البشرية فى مصر موجودة بشكل واسع وتتم فى أرقى المستشفيات بشكل مقنن، فعشرات الإعلانات التى يتم نشرها فى بعض الصحف عن طلب متبرع ما هى إلا مجرد غطاء لعملية شراء وبيع، ولهذا لا بد من استصدار تشريع جديد يتواكب مع العصر، وإنشاء جهاز مركزى مستقل يتبع الدولة للسيطرة على هذه النوعية من العمليات، وإجرائها داخل مستشفيات حكومية حتى تكون تحت سمع وبصر الدولة وبشكل قانونى.
فيما، أضاف الدكتور خالد سمير، عضو نقابة الأطباء، أن قضية نقل الأعضاء أخطر على مصر من الإرهاب، وهناك 10 آلاف من المصريين يتوفون كل عام نتيجة احتياجهم لنقل الأعضاء مع عدم توفرها فى مصر، بالرغم من انتشار زراعة القلب فى مختلف دول العالم والعالم العربى إلا أن مصر لم تجر بها جراحة واحدة، نظراً لأن الأزهر الشريف غير موافق على نقل الأعضاء من الموتى، وإن كانت بالتبرع بسبب غير موافقتهم على تحيد تعريف معين للموت.
أما الدكتور محمد حسن خليل، رئيس لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة، فأكد أن الأعضاء التى يمكن التبرع بها بعد الوفاة وتحتاج لعدة ساعات فقط حتى لا تفسد، هى الكبد والكليتان والبنكرياس والجلد والرئتان والقرنيتين التى يمكن حفظها لوقت أطول من باقى الأعضاء، مشيرا إلى أن زراعة القرنية هى عمليات الزراعة الوحيدة فى مصر التى يتم النقل فيها من متبرع متوفى.
أما عن التبرع بالقلب، لا يمكن إلا إذا حدثت الوفاة فى رعاية مركزة وكان المريض مستخدمًا لأجهزة التنفس الصناعى وذلك بشرط الوفاة الإكلينيكة أو وفاة جزع المخ، ولكن القانون فى مصر لا يسمح بنقل أعضاء المتوفى إلا فى حال ثبوت الوفاة التامة ولذلك لا يوجد عمليات لزرع القلب فى مصر بخلاف السعودية والكويت، حيث اعترفوا بالتعريف العالمى للوفاة وهو وفاة جزع المخ.
وحول حل تلك الأزمة، أفاد دكتور على محروس، مقرر اللجنة العليا لزراعة الأعضاء، أن الحل الوحيد هو التبرع بعد الوفاة، بعد ثبوت الوفاة إكلينيكياً، وقال: "نسعى للتوعية فى المدارس والمساجد والكنائس بثقافة التبرع، وتعمل اللجنة للانتهاء من معايير ثبوت الوفاة، واستقرت على تحديدها بوفاة "جذع المخ"، وفقاً لمعايير أوروبية وأمريكية، والتبرع سيكون بمحض إرادة المواطن قبل وفاته، وثبوت الوفاة سيكون عبر لجان طبية متخصصة، وسيتم التعاون مع رجال الدين سواء فى المساجد أو الكنائس والوسائل الإعلامية، لإدراج ثقافة التبرع بالأعضاء فى المناهج الدراسية".

تعديل القانون
واقترحت النائبة شيرين فراج، تعديل قانون الأعضاء البشرية، نظرًا لوجود عوار تشريعى فى القانون، وكشفت أنه يتعارض مع دستور 2014، حيث أن المادة 60 و61 تنص على أن التبرع لا بد أن يكون موثق من الشخص نفسه، ولا بد أن يتم إلغاء القانون القديم وعمل قانون موحد لزراعة الأعضاء والأنسجة، وأن يكون التبرع بموجب وثيقة موثقة، على أن يتضمن القانون وجود ثبوت يقينى للوفاة قبل أخذ الأعضاء.
كما طالب النائب محمد العمارى، رئيس لجنة الشؤون الصحية، بتعديل قانون زراعة الأعضاء للسماح بنقلها من المتوفين إكلينيكياً، لإتاحة الفرصة لمرضى آخرين للاستفادة من أعضائهم، وإنقاذهم من الموت.
فيما رفض البعض تعديل القانون، وقالت الدكتورة سعاد صالح، رئيس قسم الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية فى جامعة الأزهر، إنه لا يجوز شرعاً تعريف الموت الحقيقى بخروج الروح من الجسد، أما الموت الإكلينيكى والموت الدماغى فلا يعتبر حقيقياً، بل هو إغماءة طويلة.