البث المباشر الراديو 9090
خوان جوايدو ونيكولاس مادورو
الموت هذه المرة اسمه "كولكتيفوز"، والضحايا من فنزويلا، غير أن جمهور المشاهدين "المجتمع الدولى"، ليسوا أبرياء، الكل مشارك إما بالتواطؤ الفج أو الصمت الجبان، وإما بحسابات التاجر الانتهازى.

- خليفة "شافيز" يصطاد المعارضين والمتظاهرين بميليشيات إجرامية مسلحة تقود دراجات نارية

- الشرطة تعتمد على عصابات "كولكتيفوز" فى عمليات القمع والقتل.. وعناصرها مجهولون "ملثمون"

- "كولكتيفوز" يتاجرون بالمخدرات وينشطون بالسوق السوداء.. وإيران تمتلك طبعة "شرق أوسطية"


فى لحظة ذروة مأساوية يمكن للمرء أن يشتم وبوضوح تام رائحة الموت وهى تقترب منه بتصميم وثبات كبيرين مخترقة كل سحب الدخان الأسود المتصاعد جراء احتراق إطارات السيارات فضلًا عن الغازات المسيلة للدموع.

هكذا اعتادت مشاهد الانتفاض الشعبى على تجليات خاصة جدًا، فاحتفالات النصر القريب أو نشوة الخروج من قمقم الكبت، لطالما اقترنت بإجرام أسود يخطف القلوب ويقطع الأنفاس ويسلب الأرواح من جانب عصا السلطة العمياء.

وفنزويلا ليست حالة خاصة، وما يجرى هناك حاليًا ما هو إلا حلقة جديدة فى مسلسل تمرد حالم يتنقل على مدار العقد الأخير من منطقة إلى أخرى غير مبالٍ إلا برومانسية تحرر الأوطان ولو تحقق ذلك على جثث أبرياء ساذجين.

فى فنزويلا تترجل رسل الموت المجرمة فوق دراجات نارية، يقودها مقنعون مجهولون موالون للسلطة، فيما أنهم يتحركون كأسراب "بوم" متشنجة لتفريق المتظاهرين الناقمين على سلطة "الترهيب والتخويف".

جلادو الشوارع فى فنزويلا بدأوا حفلات الدماء، وفى المقابل، لا يزال المجتمع الدولى ينظر فى حساباته وموازين القوى فيه.

مظاهرات فنزويلا

واشنطن تضرب بعنف نكاية فى أحد أكبر الشوكات الاشتراكية فى حديقتها الخلفية عداءً لها، بينما روسيا لا تزال تصر على تأييد ما تبقى من رفقاء لينين وأطلال الاتحاد السوفيتى القديم.

الصراع الدولى سيحتدم، ورغم كل شئ، سيصل الكبار فى الأخير إلى اتفاق ما لن يقوم إلا على المصلحة فيما ستظل أكليشيهات وشعارات "دعم رغبات الشعوب وإرادتها" مجرد كلام للاستهلاك الإعلامى وكروت ضغط مجانية فى لعبة سياسية غير شريفة، بيد أن المسحولين على يد عصابات الدراجات النارية فى فنزويلا سيبقون وحدهم فى وجه المجهول، أو إن تحرينا الدقة فى انتظار موت غير حتمى، لكنه على الأقل متوقع.

وتضغط واشنطن بشتى السبل لانتزاع قرار دولى يسقط الشرعية عن الرئيس الفنزويلى الحالى، نيكولاس مادورو، ومن ثم منحها لزعيم المعارضة ورئيس برلمان البلاد، خوان جوايدو، الذى أعلن نفسه الأسبوع الماضى رئيسًا بالوكالة للدولة اللاتينية الغنية بالنفط.

وعلى مدار الساعات القليلة الماضية، تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من كسب مزيدًا من النقاط فى شباك مادورو، تارة بحشد مجلس الأمن خلف وجهة نظرها رغم كل المعارضة الروسية، وتارة أخرى بضم مؤيدين جدد لمساعيها تغيير وجه السلطة فى بلد شافيز.

وكانت ألمانيا وإسبانيا وفرنسا أخر المنضمين إلى قائمة المتوعدين لمادورو عبر "مهلة الأيام الثمانية"، والتى منحوها له لإجراء انتخابات رئاسية جدية حرة ونزيهة، وإلا فإن "الشركاء الأوروبيين" سيضطرون للاعتراف بجوايدو رئيسًا شرعيًا للبلاد ولو مؤقتًا إلى حين إتمام عملية ديمقراطية جديدة شفافة.

تلك هى قواعد اللعبة السياسية، أما على الأرض فالجرائم ترتكب علنًا، حيث كشفت صحيفة "بيلد" الألمانية فى تحقيق مصور لها عن عصابات أو ميليشيات إجرامية مؤيدة للرئيس الحالى مادورو، تجوب عناصرها شوارع العاصمة كاراكاس مستقلة دراجات نارية فيما أن غالبيتها من الملثمين، لاختراق صفوف المتظاهرين المعارضين للسلطة ومحاولة تفرقتهم بالعنف والترهيب وأحيانًا بقتل بعضهم.

وتتسلح تلك العصابات المعروفة محليًا باسم "كولكتيفوز" بجنازير حديدية ومطارق صلب، وربما أسلحة بيضاء ونارية.

وتظهر الصور أن كل فردين من أولئك الـ"كولكتيفوز"، يستقلان دراجة نارية واحدة، أحدهما للقيادة والآخر يتولى مهام ترهيب المعارضين والمتظاهرين باستخدام الأسلحة المتاحة فى يديه.

وبدأت ظاهرة ميليشيات الدراجات النارية فى فنزويلا فى عهد سلف مادورو الراحل، هوجو شافيز، واقتصرت للوهلة الأولى على مؤديه اليسارين والاشتراكيين المتطرفين ممن يرتدون القمصان الحمراء ويشاركون أنصاره تظاهراتهم فى الشوارع والميادين، بزعم "حماية أهداف الثورة والإرث الاشتراكى".

ثم أصبح جناح من هؤلاء فى مواسم الانتخابات والاستحقاقات الديمقراطى أقرب لـ"مقاولى أنفار" مسؤولين عن جلب مواطنين مؤيدين للإدلاء بأصواتهم فى صناديق الاقتراع، كل عنصر مسؤول عن جلب 10 مواطنين على الأقل.

قبل أن يتطور الأمر، ويتحول نفر غير قليل من الـ"كولكتيفوز" إلى عناصر إجرامية مدربة ومنظمة وتخضع للحماية، بينما تتولى أعمال البلطجة والتخويف، فيما مُنح بعضهم المهام شديدة الخطورة كترهيب الصحفيين والنشطاء الحقوقيين والمعارضين السياسيين والطلاب الجامعيين والاعتداء عليهم بالضرب والإهانة، وربما قتلهم.

مظاهرات فنزويلا

في العام 2017 قتلت الطالبة بالا راميرز، خلال مشاركتها فى مظاهرة شعبية، بينما كانت تتحدث فى هاتفها المحمول إلى والدتها قائلة "كولكتيفوز يطلقون النار علينا".

وتشير تقارير حقوقية محلية ودولية إلى أن مؤسسات السلطة الأمنية وبخاصة في جهازى الشرطة والاستخبارات مسؤولة فى المقام الأول عن عمليات القتل خارج إطار القانون فى صفوف المعارضين، غير أن "كولكتيفوز" وحدهم مسؤولون عن اغتيال وقتل 131 شخصًا على الأقل بين عامى 2014 و2017.

وتعتمد الشرطة على "كولكتيفوز" كحلفاء يمكن أن تُوكل إليهم الأعمال القذرة ضد المعارضين فى الشوارع، وذلك تفاديًا لأن يتهم أحد السلطة بممارسة جريمة القمع علنًا.

المثير، أن الشرطة فى فنزويلا اكتسبت بعض المهارات من "كولكتيفوز"، وأبرزها فكرة أن يستقل عنصرين من الأمن دراجة نارية واحدة، ليتولى أحدهما القيادة فى حين يقوم الآخر بمطاردة المتظاهرين بالصواعق الكهربائية والهراوات وقنابل الغاز والرصاص المطاطى.

وتعددت صور إجرام ميليشيات "كولكتيفوز" لتشمل كذلك الاتجار فى المخدرات وتخزين الأغذية وبيعها فى السوق السوداء، علاوة على صفقات الأسلحة والاتجار فى السيارات المسروقة.

ضحية كولكتيفوز

وتعانى فنزويلا الغنية بالنفط والموارد من نقص حاد فى العملة الصعبة، ما دفع البلاد إلى أزمات إنسانية خانقة، كان أبرزها نقص الأدوية والمواد الغذائية، الأمر الذى وسع من فرص السوق السوداء، وبالضرورة من انخراط مزيد من "كولكتيفوز" فى عجلة عصابات الإجرام المنظمة.

وعمومًا فإن "كولكتيفوز" لا تقل إجرامًا عن السلطة العسكرية "الجيش" المؤيد لمادورو، فكلاهما لا يهتم بتغيير رأس الحكم، لأنهما يستفيدان من النظام القائم، فى حين أن الناس يتضورون جوعًا أو يفرون من البلاد بأعداد كبيرة، إذ غادر ثلاثة ملايين شخص بالفعل بلدًا مزدهرًا غنيًا بالنفط، لكنه غنيًا أيضًا بالجنون فى بعض الأحيان.

كولكتيفوز

ولا تبدو ظاهرة "كولكتيفوز" بجديدة، وهى شائعة فى الشرق الأوسط، وللعجب أن نظام الملالى فى إيران، الصديق الحميم لنظام مادورو فى فنزويلا، سبق أن استخدم ذات الآلية فى قمع مختلف الاحتجاجات الشعبية التى انفجرت من وقت إلى آخر فى بلاد النيروز خلال العشرية الأخيرة.

وهو أسلوب شائع كذلك لدى حزب الله، وأحيانًا تم استخدامه فى غزة خلال المواجهات مع قوات الاحتلال.

وبعيدًا عن كل ذلك، فلا ريب أن "كولكتيفوز" أيًا كانت صورهم سيتواجدون طيلة الوقت فى عمق المشهد، طالما بقى القمع وسيلة سهلة لحكم الشعوب.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز