البث المباشر الراديو 9090
ترامب وبوليسى
«خسارة مالية فادحة وصراعات داخلية وشعبية على المحك».. هذا أقل ما يمكن أن يوصف به الإغلاق الحكومى الأطول فى تاريخ الولايات المتحدة، والذى هدد الأمريكان بالتجويع والتشرد، فلم يكن الإغلاق هذه المرة إلا اختبارًا للأقوى بين الديمقراطيين المسيطرين على الكونجرس، والجمهوريين المسيطرين على إدارة البيت الأبيض برئاسة دونالد ترامب.

ومنذ 22 ديسمبر الماضى، بدأ الإغلاق الجزئى للحكومة الأمريكية  ليتجاوز الشهر، ويصبح الإغلاق الأطول فى تاريخ الولايات المتحدة، وسط حالة جمود فى المواقف أدت لإغلاق المتاحف والحدائق، وبقى على أثرها مئات الآلاف من موظفى الحكومة الأمريكية فى منازلهم بلا عمل، أو فى عملهم بلا رواتب! ومحور الخلاف كان إصرار ترامب على بناء الجدار الحدودى مع المكسيك، وإصرار الديمقراطيين على رفضهم للجدار.

ترامب يتراجع تحت ضغوط الخسارة والشعبية

وبدا فى يوم الجمعة الماضى أول بشائر إنفراج الأزمة، إذ توصل الجمهوريون والديمقراطيون إلى اتفاق ينهى الإغلاق الحكومى بشكل مؤقت، حيث اضطر الرئيس الأمريكى تحت ضغط الخسارة المالية وتهديد شعبيته إلى التراجع عن موقفه بشأن التمويل الفورى لبناء الجدار الحدودى مع المكسيك.

ومن حديقة الورود بالبيت الأبيض أعلن ترامب عن اتفاق الحزبين، لتؤكد الإدارة الأمريكية فيما بعد توقيعه لنص الاتفاق لإعادة الحياة إلى الحكومة ومؤسسات الإدارة الأمريكية، الأمر الذى يسمح بتعليق مؤقت للخلاف السياسى وإنهاء أزمة الملاحة الجوية وكذلك أزمة 800 ألف موظف فيدرالى عانوا الحرمان من رواتبهم قبل أيام من عطلات أعياد الميلاد.

إغلاق الحكومة الأمريكية

«ستاندرد آند بورز»: خسارة 6 مليارات دولار

 التقارير الاقتصادية أكدت خسارة مالية فادحة تعرضت لها الولايات المتحدة جراء الإغلاق، إذ أكدت وكالة "ستاندرد آند بورز" للتصنيفات الائتمانية العالمية، الجمعة الماضى، أن الاقتصاد الأمريكى خسر مالا يقل عن 6 مليارات دولار خلال الإغلاق الجزئى للحكومة الاتحادية بسبب توقف العمال عن الانتاج والنشاط الاقتصادى المهدر.

ويعتبر المبلغ الذى أوردته الوكالة الائتمانية أكبر من المبلغ المطلوب لتمويل الجدار الحدودى 5.7 مليار دولار، ما يؤكد أنها أزمة استعراض عضلات وصراع سياسى بين الجمهوريين والديمقراطيين.

الإغلاق الحكومى وتشريد الموظفين

الديمقراطيون يستعرضون عضلاتهم

كان تراجع ترامب حافزًا لخروج السيناتور الأمريكى تشاك تشومر، وهو زعيم الديمقراطيين فى الكونجرس، قائلاً: "نأمل أن يكون ترامب قد تعلم الدرس"، هذا بعدما وافق مجلس الشيوخ على الاتفاق بالإجماع.

ومن الواضح أن تراجع ترامب عن موقفه جاء فى وقت بات تأثير الإغلاق الحكومى وكلفته المالية على الموظفين والاقتصاد الوطنى، أمرًا جليًا أمام الإدارة وصانعى القرار فى واشنطن، إلا أنه مؤشر لا يمكن تجاهله عن هزيمة ترامب على يد عدوته السياسية الديمقراطية رئيسة مجلس النواب.

زعيمة الأقلية نانسى بيلوسى

شعبية الرئيس الأمريكى على المحك

لطالما دأبت الصحف الأمريكية على انتقاد الرئيس ترامب، لاسيما ذات التوجه الديمقراطى المعادى للجمهوريين، إلا أن الرئيس الأمريكى كان يعول دائمًا على المواطن الأمريكى ومتابعيه الذين يتجاوزن الملايين على "تويتر"، إلا أن الإغلاق الحكومى بات تهديدًا حقيقياً لما يعول عليه ترامب، إذ عانى الموظفون الفدراليون مثل موظفى المتاحف وبحارة خفر السواحل الأميركى، الحرمان من رواتبهم، حتى أن المعاناة امتدت لتطول عناصر أجهزة الاستخبارات الذين يحرسون البيت الأبيض الذين قاموا بمهامهم دون رات، وكذلك العاملين بالدبلوماسية الأمريكية حول العالم أو داخل البلاد.

ليس هذا فقط،  فقد ظهر تأثير الإغلاق الحكومى واضحًا على المطارات التى تغيب عدد لا بأس به من موظفيها الأمنيين التابعين للإدارة الفيدرالية عن العمل، سواءً بداعى المرض أو بداعى عدم وجود رواتب، ما أدى إلى تباطؤ العمليات الإجمالية.

وزاول موظفو المراقبة الجوية عملهم بدون تلقى رواتب وفى مطار نيوآرك ليبرتى الدولى المزدحم حيث أدت مشكلات متعلقة بنقص الموظفين إلى تأخير رحلات، ما أثار مخاوف من تراجع النقل الجوى الأمريكي.. كل هذا كان بمثابة عوامل ضغط على ترامب الذى باتت شعبيته فى خطر.

ترامب في مناقشات الإغلاق الحكومي

منافس الرئاسة المحتمل: ترامب "فاشل"

ويبدو أن أزمة الرئيس الأمريكى كانت قد تخطت حدود الصراع الداخلى بين الديمقراطيين والجمهوريين، إذ وصفه مايكل بلومبرج، رئيس بلدية نيويورك السابق وهو مرشح محتمل للانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020، بأنه رئيس "فاشل".

وفى كلمة أمام رواد أعمال من الحزب الديمقراطى، قال الملياردير بلومبرج: "أعتقد أنه من الواضح أن هذا الرئيس لا يمكن مساعدته فى هذه المرحلة، وأن الإسناد الذى يحاول موظفوه تقديمه فى المكتب البيضاوى لا يجدى نفعا".

وقال بلومبرج (76 عاما)، الذى تولى رئاسة نيويورك ثلاث فترات: "الرئيس يرسب فقط فى كل امتحان".

مايكل بلومبرج

حلول مؤقتة وأزمة عالقة

وبالرغم من تراجع الرئيس بإعلان موافقته على إعادة فتح الإدارات الحكومية دون الحصول على مبلغ 5.7 مليار دولار لتمويل بناء الجدار الحدودى، إلا أن تهديدات معاودة الإغلاق الحكومى بسبب الأزمة نفسها مازالت قائمة، وربما بإغلاق جديد أو إعلان الطوارئ فى حال عدم التوصل لاختراق فى مشروعه الأهم فى الاسابيع الثلاثة المقبلة، لاسيما وأنه جزء من حملته الانتخابية بالأساس.

هذا ما تؤكده تصريحات ترامب، إذ قال: "بعد قليل سأوقع قانونا بفتح حكومتنا"، مضيفًا: "فى الأيام الـ21 المقبلة أتوقع أن يعمل الديموقراطيون والجمهوريون بحسن نية".

وفى الوقت ذاته، حذر الرئيس الأمريكى من أنه "فى حال عدم التوصل لاتفاق عادل فى الكونجرس، إما ستغلق الحكومة مجددا فى 15 فبراير أو سأستخدم السلطات الممنوحة لى بموجب قوانين ودستور الولايات المتحدة للتصدى لهذه الأزمة".

وأكد: "فى الواقع ليس لدينا خيار سوى بناء جدار قوى أو سياج فولاذى"، ما يعنى أن أمريكا تنتظر إغلاقًا حكوميًا جديدًا فى 15 فبراير المقبل. 

تأثير الإغلاق الحكومى فى أمريكا يطال دبلوماسيتها
تابعوا مبتدا على جوجل نيوز