سيرة حب
والتاريخ مادة ونص، ليس جامداً بل متحركاً، يستطيع المبدع أن يراه، كلٌ بقدر رؤيته وثقافته واجتهاده، وإلمامه بتفاصيل الحدث محل التناول، وكذلك ما هو على تخومه وحدوده من أحداث أخرى تتعلق بطبيعة الزمن الذى وقع فيه الحدث، سواءً كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، إلى آخره، وهذا ما يفسر نجاح عمل ما، مرئى كان أو مسموع أو مقروء، يتناول حدثاً تاريخياً، مقابل فشل آخر، يتناول نفس الحدث.
وبالتالى كان تقديم عمل فنى يتناول حياة الموسيقار الكبير الراحل بليغ حمدى أمر شديد الصعوبة، ويحتوى على مغامرة كبيرة، لعدد من الاعتبارات، أولها أنها سابقة أولى، أن يتم تناول حياة ملحن "صِرف" فى عمل إبداعى، حيث سبقه سيد درويش فى أعمال عدة، لكن الأخير كان مطرباً.

وثانيها الفشل المتكرر لإخراج مسلسل يتناول قصة حياته خلال الفترة الأخيرة، وثالثها كون بليغ شخصية جدلية بامتياز، لا سيما فى بعض الأحداث التى جرت فى حياته، وقصص الحب والغيرة التى عاشها، وآخر تلك الاعتبارات هذا الكم الهائل من أعماله الناجحة والمشهورة، والتى يصعب على أى مبدع أن يلم بها فى عمله.
هذه الاعتبارات والتحديات كان يعرفها جيداً الناقد والكاتب أيمن الحكيم، لإلمامه الكبير بسير بليغ الخاصة والعامة، فهو قدم من قبل كتاباً بعنوان "بليغ حمدى.. مذكرات شخصية وشهادات مثيرة لرفاق الرحلة"، وهو كذلك من الكتاب القلائل فى زمننا هذا الشغوفين بقصص حياة النجوم المصريين، باعتبارهم جزء لا يتجزأ من قصص تاريخ هذا الوطن.
أعود لأكرر، أن الحكيم كان مقبل على تحدٍ كبير من أجل تقديم عمل إبداعى يتناول سيرة حياة بليغ حمدى، لكن بالفعل خرج العمل إلى النور باسم "سيرة حب"، وبقالب مسرحى.
لماذا سيرة؟
منذ سنتين تقريباً أخرج الروائى طلال فيصل روايته البديعة عن بليغ، نسج خيوط الأحداث الحقيقية بأحداث أخرى من صنع خياله، نجح فى أن يقدم نصاً جيداً يتناول حياة موسيقارنا الكبير، لكنه الأحداث، سواء لحياة بليغ أو لحياة أبطاله المتخيلين، ظلت أقدامها ملامسة للأرض وللواقع المعاش، ولم تتعداها إلى الخيال البعيد، الذى يجعل منها سيرة شعبية عربية.
والسيرة الشعبية العربية فى هذا الشأن، يُدخلها البعض ضمن دائرة التاريخ باعتبارها تراجم لشعوب وأزمنة قديمة.
لكن الناقد والمفكر الكبير فاروق خورشد يُخرجها من هذه الدائرة إلى دائرة أخرى أرحب، وهى دائرة الإبداع، فيقول "السير ليست كلها تسجيلاً لحياة فرد أو لحياة قبيلة أو بلد، بل هى عمل إبداعى يعتمد أساساً على الخيال والصياغة الروائية، وهذا ما يُخرجها من دائرة التأريخ".
وعلى هذا فإن ما قدمه أيمن الحكيم من نص مسرحى شديد الإحكام، بالتعاون مع رؤية مصمم الاستعراضات عادل عبده مخرج العمل، يدخل فى دائرة السير الشعبية، لخروجه من القالب التاريخى المعروف، وكذا من الأحداث الواقعية، إلى ما هو خيالى بعيد، ظهر ذلك فى قصة المحامية المتخيلة التى يقابلها بليغ فى سنوات غربته بباريس، وأيضاً اللوحة الأخيرة التى أطلق عليها الحكيم اسم "محكمة الفن" والتى كان الشهود فيها رفاق الرحلة أم كلثوم "نهلة خليل" وعبدالوهاب "النجم مجدى صبحى الذى أدى الدور ببراعة" وعبدالحليم حافظ "أحمد الأمير" والشيخ سيد النقشبندى "عمرو أصلان" ومحمد رشدى "عماد عبدالمجيد" والأبنودى "ناصر عبدالحفيظ".
الأمر الأخير فى هذا الصدد، اختيار الحكيم "سيرة حب" كاسم للعمل، فهو تحوير بسيط لاسم أغنية أم كلثوم الشهيرة "سيرة الحب"، بحذف (الـ) التعريف، لاعتبارات حقوق الملكية الفكرية، على ما أظن، إلا أن هذا الحذف كان فى صالح الاسم، حيث أن تجهيل لفظة الحب يُفيد الشيوع، فمن يستطيع ألا يحب بليغ حمدى.
الاستعمالات الجديدة للنصوص
استطاع أيمن الحكيم فى مسرحيته "سيرة حب" أن يُخضع النص التاريخى لاستعمالات جديدة، تنزاح بها الاستعمالات القديمة، لقد تعامل مع سيرة بليغ حمدى باعتبارها نصاً له خصوصيته ضمن نص تاريخى عام، لذا كان الخط الرئيسى فى العمل هو أزمة بليغ حمدى التى وقع فيها نتيجة انتحار إحدى السيدات فى شقته. وعلى هامش هذا الخط أحداث أخرى، منها علاقته بوردة الجزائرية، وحكاية تأخره عن حفل زفافهما، وكذلك مقابلته لعبدالوهاب لخطبة ابنته إش إش "رشا سامى العدل" التى لم تتم، وأيضاً لقائه بحليم والأبنودى، بعد هزيمة 67، وظروف إخراج أغنية "عدى النهار".

فى السيرة الشعبية هناك بطل رئيسى وهناك أبطال ثانويون، وهذا ما تحقق فى المسرحية، فالبطل الرئيسى هو بليغ حمدى "وجسده إيهاب فهمى"، وعدد آخر من النجوم، الذين داروا فى فلك الشخصية الرئيسية ليقدموا لوحة استعراضية شديدة الرقى والجمال، ويعيدوا على مسامع كل الذين حضروا إلى العرض أعمالاً غنائية لم تغب لحظة عن آذانهم.
لعب الحكيم جيداً على خط ثنائية بليغ المقربة إلى قلبه، الموسيقى والوطن، تكررت الثنائية على لسان فهمى كثيراً، وبطريقة تميل إلى المباشرة أحياناً، اختيار الأغنيات أيضاً كان متقناً للغاية، ومعبراً تماماً عن أحداث المسرحية، مع استثناءات قليلة بالطبع، كأغنية أحمد عدوية التى غناها رفيق رحلته "عزيز".

لم تكن المسرحية لتخرج بهذه الصورة لولا صوت مروة ناجى "والتى جسدت شخصية المحامية حِنة"، فهو أحد أهم عوامل نجاح العرض بكل تأكيد.
أدت مروة ببراعة شديدة كثير من أغنيات المسرحية، لكنها تفوقت للغاية فى أغنية البداية "سيرة الحب" لأم كلثوم، وأغنية النهاية "حكايتى مع الزمان" لوردة.
أداء مروة التمثيلى أيضاً كان عنصراً مهما للغاية، خصوصاً فى بعض اللمحات الكوميدية التى قدمتها مع أحمد الدمرداش "سعيد" زوجها، حيث كانا يقضيان شهر العسل فى باريس، عندما قابلا بليغ حمدى يتجول فى شوارعها فى مشهد البداية.