البث المباشر الراديو 9090
الرئيس الأمريكى دونالد ترامب
على عجل، يجمع الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، أوراق واشنطن المبعثرة فى ملفات عدة ملتهبة حول العالم. 

صفقة "الدوحة" بين أمريكا والحركة المتشددة هزيمة كبيرة لواشنطن بأفغانستان
روسيا وباكستان وإيران يتصارعون على "الفراغ الأمريكى المتوقع" بعد الانسحاب
975 مليار دولار أنفقتها واشنطن للقضاء على طالبان والمحصلة الأخيرة صفر كبير

ومع انتصاف مدة ولايته بدأ أكثر حرصًا على منح الناخبين الأمريكان ما يمكن أن يصفه بالإنجازات الخارجية التى قد تعيينه فى رحلة البحث عن تجديد رئاسته بعد عامين، وأهمها سحب قوات بلاده المبعثرة فى أجزاء شتى من العالم، وخصوصًا فى سوريا وأفغانستان، والأهم إغلاق صنبور النفقات الرهيبة التى تتكبدها واشنطن جراء مهامها العسكرية البعيدة عن الحدود.

القوات الأمريكية فى سوريا

 

فى مطلع عام 2002، أطلق الرئيس الأمريكى الأسبق، جورج دبليو بوش الحرب الصليبية المقدسة على الإسلاميين المتطرفين بقيادة تنظيمى القاعدة وطالبان فى أفغانستان، والآن وفى بداية العام 2019، تتبدل الأحوال ليجلس الأمريكان على طاولة مفاوضات واحدة مع طالبان ذاتها.

وعمومًا، تبدو بنية طالبان التنظيمية الآن مختلفة بلا شك، أصبحت أكثر تشجيعًا على مد جسور الحوار معها،  بل أن بعضًا من قادتها صاروا أكثر تسامحًا من الناحية الإيديولوجية تجاه شرعية التعليم وحقوق المرأة بل وعدم التعميم فى حرمة بعض من الفنون.

فى حين أن تصميم الحركة على محلية نشاطها فقط، وتوديع تراث الجهاد البعيد إن جاز التعبير، بل وفصل نفسها كثيرًا عن ربيبها تنظيم القاعدة، وكذا العمل الجاد لأجل الالتحام بالعملية السياسية فى البلاد، إنما قد ساهم فى ذلك المشهد العجيب، حيث تبحث الحركة فرص السلام مع عدوتها الأكبر واشنطن.

أعضاء حركة طالبان - أرشيفية

 

الأدهى، أن حسابات التفاوض ونتائجه المتوقعة، إنما تصب أكثر فى مصلحة طالبان لا واشنطن، الأخيرة تبدو وكأنها تخلت عن كل كبريائها لتهرب بجلدها من المستنقع الوعر.

ووصفت صحيفة "دى تسايت" الألمانية العريقة، الاتفاق المبرم مؤخرًا بين واشنطن وحركة طالبان فى العاصمة القطرية الدوحة لإنهاء17 عامًا من الحرب فى أفغانستان، بأنه "سلام مر"، وأقرب إلى أن يكون استسلامًا من جانب إدارة ترامب.

وتنص مسودة الاتفاق بين الطرفين على "انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان فى غضون 18 شهرا"، مع وضع "ضمانات بعدم استخدام تنظيمى القاعدة والدولة الإسلامية للبلاد كقاعدة للإرهاب".

وأكدت طالبان أنها ستنجز قريبًا جدولًا زمنيًا لوقف إطلاق النار فى أفغانستان، وكشفت كذلك طلب واشنطن أن تجلس الحركة مع الحكومة الأفغانية لأجل الترتيب للتفاهم حول السلطة وشؤون الحكم فيما بينهما.

وقالت "دى تسايت" فى مقال تحليلى مطول نشرته فى عددها الأسبوعى الأخير، إنه وبعد كل تلك السنوات من القتال الدامى، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تخلى الساحة للمتشددين ممن انتفضت يومًا لمحاربتها.

حركة طالبان بافغانستان

 

وأشارت الصحيفة إلى رجاحة مخاوف مستشارون وجنرالات أمريكيين من انسحاب واشنطن على هذا النحو، فى ظل التشكك الكبير فى قدرة طالبان على منع انطلاق عمليات إرهابية من داخل الأراضى الأفغانية.

وحذر الخبراء من أن الانسحاب الفورى للقوات الأمريكية قد يؤدى إلى التجهيز لاعتداءات ضد الولايات المتحدة نفسها فى أقل من عامين.

كما أن الجماعات الإرهابية مثل تنظيم القاعدة والفرع المحلى لما يسمى "الدولة الإسلامية - داعش" و"ولاية خرسان" يمكن أن تصبح أقوى، لذلك يدعم الخبراء العسكريون الأمريكيون فكرة بقاء وحدة من وحدات مكافحة الإرهاب على الأقل فى البلاد.

وبموجب الصفقة الجديدة، لن تصبح حركة طالبان وعلى الأرجح محظورة دولياً بعد الآن، ومع ذلك وحسب "دى تسايت"، لا توجد إجابة على أسئلة صعبة وأهمها، ماذا ينبغى فعله مع الآلاف من مقاتلى طالبان؟.

ومن شأن الاتفاق مع طالبان، وكما يريد الأميركيون، أن تقل مطالبة أعضائها بالسلطة مع ميل إلى التعايش مع الحكومة الحالية فى كابول.

غير أن "دى تسايت" تشكك فى واقعية الفرضية السابقة، "يقال إن بعض أفراد طالبان أصبحوا أكثر اعتدالا وتحملوا عزف الموسيقى وبعض التعليم للفتيات، لكن العديد من جماعات طالبان انضمت إلى "الدولة الإسلامية" فى السنوات الأخيرة".

وتابعت الصحيفة الألمانية: "من المرجح أن تؤدى زيادة قوة طالبان إلى انهيار تدريجى للحكومة"، كما أن الانسحاب الأمريكى سيترك وراءه فراغًا فى السلطة تحتاجه قوى إقليمية مثل إيران وباكستان وروسيا.

سيكافحون جميعاً لتحقيق توازنات جديدة، وتجنيد أذرع وميليشيات وأمراء حرب "ماليين" لصالحهم، وقبل هذا وذاك دعم مجموعات مختلفة من طالبان، الأمر الذى سيهدد باندلاع حرب جديدة، ومن ثم حركة نزوح جديدة "لاجئين" يمكن أن تصل بسرعة إلى أوروبا.

ترامب وطالبان

 

وترى "دى تسايت" أن ترامب لا يريد إلا الانسحاب من أفغانستان كما وعد فى حملته الانتخابية، وذلك بغض النظر عما ستؤول إليه الأمور فيما بعد: "إذا حدثت صراعات جديدة أو انتهاكات لحقوق الإنسان فى أعقاب انسحاب القوات الأمريكية، فلن ينزعج ترامب: فقد وعد الرئيس بإنهاء التدخل الأمريكى، لا بإقرار السلام الدائم أو الديمقراطية الليبرالية فى أفغانستان".

وتشير "دى تسايت" إلى تكلفة الحرب الباهظة فى أفغانستان، والتى استغرقت أكثر من 6000 يوم، وشاركت فيها ما يقرب من 50 دولة، وفى المقابل سقط أكثر من 150 ألف قتيل، إضافة إلى 2500 آخرين من جانب قوات التحالف المناهض لطالبان، فى حين تكبدت الولايات المتحدة تكلفة مادية وصلت إلى 975 مليار دولار فى 17 عامًا. 

وفى الأخير توجز "دى تسايت" النتائج النهائية للحرب فى شبه إقرار منها بهزيمة واشنطن فى أفغانستان قائلة: "لقد أعيد تعريف المهمة العسكرية مرارا وتكرارا،  ما بدأ كجزء من الحرب العالمية على الإرهاب وكمشروع تحول ديمقراطى هبط فى النهاية إلى مجرد بعثة لتحقيق الاستقرار.

فيما عثر الإرهابيون على ملاذات آمنة أخرى فى العراق وسوريا، وبالكاد تحقيق الاستقرار لمئات الآلاف من اللاجئين الذين غادروا البلاد.

 

 

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز