الرئيس عبدالفتاح السيسى فى نموذج محاكاة الاتحاد الإفريقى
أبرز التحديات التى تواجه القارة السمراء
أولويات الرئاسة المصرية خلال رئاسة الاتحاد الإفريقى
صراع النفوذ « الصينى - الأمريكى- الروسى» على القارة الإفريقية
بعد سنوات من الجفاء، عادت مصر إلى محيطها الإفريقى، من خلال رسم صفحة جديدة من إرادة المصير والمستقبل المشترك، حيث أخدت العلاقات "المصرية -الإفريقية" منحى جديدا، بعدما نجح الرئيس عبد الفتاح السيسى، فى استعادة مكانة مصر بين دول القارة السمراء.
هذه المكانة جعلت مصر تتبوأ مقعد رئاسة الاتحاد الإفريقى، خصوصاً بعدما حدد بشكل لا يقبل الشك قولاً وفعلاً أولويات وأهداف السياسة الخارجية لمصر والموقع المتميز للدائرة الإفريقية فى القلب منها.

تحديات مشتركة
ولعل المفارقة أن التحديات المشتركة بين مصر وإفريقيا، رغم اختلاف طبيعتها بحكم تغير الأزمنة، كانت السبب وراء عودة مصر إلى محيطها الإفريقى بعد ثورة 30 يونيو، فنظراً للنجاح الذى حقته مصر فى مواجهة الإرهاب، كان لا بد أن تمد القاهرة يدها مرة أخرى للقارة السمراء.
وتعتزم مصر أثناء رئاستها للاتحاد الإفريقى، التركيز على عدد من الأولويات الرئيسية التى تنطلق من أجندة عمل الاتحاد 2063.
أولويات الرئاسة المصرية ستركز على محور التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال السعى لتوفير فرص العمل الكريم، وتعظيم العائد من الشباب الإفريقى، وتطوير منظومة التصنيع الإفريقية، وسلاسل القيمة المضافة الإقليمية، وتطوير المنظومة الزراعية الإفريقية والتوسع فى مشروعات الثروة السمكية، بما يسهم فى تحقيق الأمن الغذائى.
كما ستعمل مصر، خلال رئاستها للاتحاد، على دفع الجهود المبذولة لمنع النزاعات والوقاية منها والوساطة فى النزاعات، بالإضافة إلى إطلاق منتدى رفيع المستوى "منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة".
أما فيما يخص الإرهاب، لم تكتف مصر بالجهود الداخلية التى تبذلها لمكافحة الإرهاب، بل تمتد لتشمل عمقها الإفريقى ومحيطها الإقليمى، لمواجهة الإرهاب وتنسيق التعاون بين الدول الأعضاء فى القضايا محل الاهتمام المشترك، وتعزيز العلاقات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
فى الوقت نفسه ستضع الرئاسة المصرية فى صدارة أولوياتها تعزيز التعاون بين الاتحاد الإفريقى وشركاء التنمية والسلام الدوليين والإقليميين والمحليين.
علاقات ثنائية وتعاون مشترك
جميع هذه الأولويات تؤكد أن الأهمية التاريخية والاستراتيجية لعلاقات مصر الإفريقية، واعتزاز القاهرة بانتمائها للقارة السمراء، ليس بالشىء الجديد، إذ حرصت مصر من قبل على قطع أشواط أبعد فيما يخص الانفتاح على دول القارة المختلفة، وتدشين مسارات متوازية من العلاقات الثنائية والتعاون المشترك.
ولعل أبرز أوجه هذا التعاون، إعلان وزارة الدفاع فى وقت سابق، الانتهاء من بناء "المركز الإقليمى لمكافحة الإرهاب لدول الساحل والصحراء"، إذ تم تزويده بجميع التجهيزات السمعية والبصرية، وأحدث الحواسيب الآلية، بما يحقق تنسيق التعاون بين الدول الأعضاء فى القضايا محل الاهتمام المشترك، وفى مقدمتها التصدى للإرهاب، وتعزيز العلاقات الأمنية والاقتصادية والسياسية.

يعد المركز الإقليمى لمكافحة الإرهاب لتجمع الساحل والصحراء، خطوة قديمة حيث إنه تأسس فى فبراير عام 1998 لبناء آلية للتعاون الإقليمى بين دول شمال إفريقيا والدول الإفريقية جنوب الصحراء، وقد شاركت مصر فى قمة تأسيسه بصفة مراقب، قبل أن يتم الاعتراف بتجمع "س ص" كتجمع اقتصادى إقليمى فى يوليو عام 2000 بدولة توجو.
وفى عام 2001 حصلت مصر على العضوية الكاملة بالتجمع، واستمر التعاون بين الدول الأعضاء، حتى عام 2011، حيث تأثرت فعاليات التجمع بأحداث عام 2011 التى شهدتها دول شمال إفريقيا، وتوقفت نهائياً، قبل أن تعقد قمة استثنائية فى العاصمة التشادية فى فبراير عام 2013.
وسعت مصر إلى إعادة التجمع من جديد، من خلال تفعيل آلية الاجتماع الدورى باجتماع وزراء دفاع دول التجمع عام 2016 بشرم الشيخ، وقد فرضت الأحداث الحالية ضرورة التعاون والتنسيق بين دول التجمع فى مجالى الأمن والدفاع، ليعاود التجمع أعماله من جديد فى ظل التنافسات الدولية.

صراع النفوذ
وتعد القارة الإفريقية إحدى المناطق التى عرفت عدة تنافسات دولية لأجل الاستحواذ على نصيب وافر من ثرواتها المعدنية الثرية، ومن بين تلك الدول التي تتنافس على القارة الإفريقية روسيا والصين، هذان العملاقان اللذان يتحركان بسرعة صوب القارة الإفريقية، للحصول على ثروات القارة السمراء ومواردها، ولا سيما النفط الذى يعد فى المستقبل بديلًا عن نفط الشرق الأوسط.
كما تواصل الصين وروسيا توسيع دائرة نفوذهما، وتعزيز وجودهما فى جميع أنحاء إفريقيا، على أمل التفوق على الولايات المتحدة، وهو تحرك يخشاه المسؤولون الأمريكيون، ويصفونه بأنه جزء من جهد كبير من كلتا الدولتين لإعادة تشكيل النظام العالمى.
ومما يعقد الأمور بالنسبة للولايات المتحدة حرص الصين على الحفاظ على وجود بحرى فى غرب المحيط الهندى بدعوى حماية سفنها التجارية من القرصنة، ومشاركتها المتنامية فى بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام فى إفريقيا.

كذلك تنظر الولايات المتحدة إلى القاعدة العسكرية الصينية فى ميناء جيبوتى، والتى افتتحت فى أغسطس عام 2017، على أنها تهديد للأنشطة العسكرية الأمريكية، وأن إمكانية إدارة الصين لهذا الميناء مقابل ديون مستحقة لها لدى الحكومة الجيبوتية بقيمة 1.5 مليار دولار قد تحد من قدرة الأمريكيين على استخدام الميناء، خاصة أن جيبوتى هى الدولة الوحيدة فى إفريقيا التى تستضيف قوات دائمة من الجيش الأمريكى منذ عام 2003.
والواقع أنه بعد مسلسل الفشل فى السياسة الأمريكية لوقف تمدد الصين وترسيخ تواجدها فى إفريقيا، وبعد التداعيات السلبية لبذاءات ترامب وما أثارته من ردود فعل عالمية واسعة اتهمته بالعنصرية، استشعرت إدارته الحاجة إلى إيفاد أحد كبار مسؤوليها لتهدئة خواطر الأفارقة. ومن هنا، جاءت جولة ريكس تيلرسون، وزير الخارجية السابق، فى القارة فى مارس الماضى.

جميع هذه التنافسات تؤكد أن إفريقيا أصبحت واحدة من مناطق العالم التى تحظى باهتمام بليغ، بسبب غنى تربتها، ومن هنا فإن العالم ذا النظام المتعدد الأقطاب اليوم ينافس بعضه بعضًا للاستحواذ على أجود المناطق وأهمها جيوسياسيا، وإن التنافس "الروسى– الصينى - الأمريكى" على قارة إفريقيا جعل من هذه الأخيرة محط أنظار مختلف أقطاب العالم، الأمر الذى يؤكد أهمية الدور المصرى فى رئاسة الاتحاد الإفريقى لحل جميع تلك التحديات التى تواجه القارة بأكملها.
يذكر أن مصر ستتسلم رئاسة الاتحاد الإفريقى لعام 2019، خلال أعمال القمة الإفريقية المقبلة، بمقر الاتحاد فى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وذلك بدءاً من يوم 10 فبراير الجارى.