الاتحاد الإفريقى - صورة أرشيفية
تلك الاستراتيجية تطلبت المزيد من الجهد والتضحية، مثلما تطلبت نظرة بانورامية واسعة شاملة للمتغيرات التى تحدث على الساحتين الإقليمية والدولية. ولأن القائمين على صنع القرار الآن على درجة عالية من الإلمام بما هو حادث فى العالم، فإنه كان من الطبيعى أن تنظر مصر إلى إفريقيا بنظرة مغايرة عن التى كانت تنظر لها الحكومات السابقة.
والنظرة المقصودة هى نظرة التنمية المتبادلة. انطلقت مصر فى ذلك وقد اتخذت مبدأ تكافؤ الفرص، فالدولة المصرية لديها العديد من المشروعات الاستثمارية والأيدى العاملة الخبيرة إضافة إلى رجال أعمال كثر، فيما تمتلك القارة السمراء أيضا استثمارات ومشروعات تحتاج إلى خبرتنا الواسعة فى تنفيذها، ولعل السد التنزانى الذى وقعت شركة "المقاولون العرب" عقد إنشائه خير دليل على ذلك.
مصر قامت بإبرام عقود عديدة من أجل تعزيز الشراكة الاقتصادية مع جميع الدول الإفريقية، وقد هدفت السياسة المصرية إلى زيادة استثماراتها فى القارة ولتدعيم التعاون الاقتصادى فى المجالات وثيقة الصلة بالتنمية، فوفقاً لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى ديسمير 2018، ارتفع إجمالى التبادل التجارى بين مصر ودول إفريقيا إلى 4.2 مليار دولار خلال الثمانية أشهر الأولى من عام 2018، مقابل 3.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2017، بزيادة بلغت قيمتها 777.4 مليون دولار.
وتسعى القاهرة إلى زيادة استثماراتها فى دول القارة لتصل إلى أكثر من 10.2 مليار دولار، وذلك عبر تقديم برامج طموحة تستهدف تحقيق الإصلاح الاقتصادى لتحسين مناخ الأعمال والاستثمار وإزالة العقبات التى تعوق عمل القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب.

كما اتخذت مصر العديد من الآليات لتعزيز حجم التجارة البينية مع دول القارة ومنها، تدشين استراتيجية تنمية الصادرات المصرية للقارة الإفريقية، خلال الفترة من 2018 حتى 2020، إضافة إلى العديد من الخطوات لتنفيذ مشروعات مشتركة بين الدول الإفريقية خصوصاً بمجالات البنية الأساسية والطاقة الجديدة والمتجددة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
دور بارز آخر لعبته القاهرة فى دعم اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية القارية، وهو ما يمثل دليلاً على الرؤية المستقبلية التى تتبناها مصر، خصوصاً أنها تفتح الباب أمام تأسيس سوق إفريقية مشتركة يمكن من خلالها تبادل السلع والخدمات، وكذلك انتقال رؤوس الأموال ورجال الأعمال والفنيين والمتخصصين بين الدول الموقعة على الاتفاقية لتسهيل نقل المعرفة التقنية والخدمات المتعلقة بالتجارة فى عدد من مجالات القطاعات الحيوية، وهو ما يساهم بصورة كبيرة فى تعزيز التنمية الصناعية وتطوير البنية التحتية بحيث تكون دول القارة مؤهلة لجذب الاستثمارات.
كما تشارك مصر كذلك فى عدد كبير من التكتلات الاقتصادية مع العديد من دول القارة السمراء ومن بينها "الكوميسا"، وتكتل "الساحل والصحراء"، وتكتل "السيماك"، و"الإيموا"، و"الإيكواس"، وتجمع "السادك".
أما مبادرة "نيباد" والخاصة بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالقارة، فمصر أيضاً أحد أضلاعها المهمة للغاية إلى جوار الجزائر ونيجيريا وجنوب إفريقيا والسنغال، واعتمدتها منظمة الوحدة الإفريقية فى يوليو 2001، وقد تم إدماج "نيباد" فى أجهزة الاتحاد الإفريقى بموجب قرار قمة الاتحاد الإفريقى فى أديس أبابا فى فبراير 2010 كهيئة فنية تابعة للاتحاد الإفريقى.

بينما تمثل أجندة 2063 إطاراً استراتيجياً للتحول الاجتماعى- الاقتصادى بالقارة خلال الـ50 عامًا، حيث تتبنى رؤية جديدة للتنمية، تعزز من قدرة الأفارقة على استخدام الموارد المتوافرة بشكل كامل وفعال لتنميتها، وتتضمن مبادرة الـ50 عامًا العديد من الأهداف، إلا أن الهدف الرئيسى هو أن تنعم إفريقيا بالسلام تحت قيادة قواها الوطنية.
انتماء مصر لمحيطها الإفريقى، يتجاوز الأبعاد الجغرافية والتاريخية التقليدية، حيث يعد هذا الانتماء مكونًا رئيسياً من مكونات الهوية المصرية على مر العصور، ولذلك فإن يد التنمية الممدودة من مصر لكل شعوب القارة ليست على سبيل الرفاهية أو المساعدة، بل هى أصل من أصول الشخصية المصرية.