البث المباشر الراديو 9090
ريتشاردونى
لا يمكن النظر إلى مئوية الجامعة الأمريكية بالقاهرة، دون التوقف أمام مواكبة الاحتفال بها لتجديد الثقة فى رئيسها الحالى، سفير واشنطن الأسبق لدى مصر، فرانسيس ريتشاردونى.

استمرار ريتشارد دونى فى رئاستها يثير المخاوف بشأن أهداف تخريبية تجاه مصر

مواقف الجامعة تجاه السلطة أقرب لحزب معارض لا يستضيف إلا المناوئين أو الإخوان

على مدار قرن من الزمان اختلف الكثير عليها.. هل تخرب المجتمع المصرى أم تساعد فى تنويره؟

ويجلس ريتشارد دونى فى موقعه منذ العام 2016، بيد أن ثورة غضب عارمة تعرض لها فى الآونة الأخيرة من الأكاديميين والأساتذة فى الجامعة، نظرًا لما اعتبروه مهامًا غير قانونية يمارسها الدبلوماسى الأمريكى السابق داخل أروقة الجامعة.

وكشفت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرًا، أن أكاديميين عدة وجهوا اعتراضات ومناشدات إلى مجلس الأمناء بنيويورك لأجل تغيير ريتشارد دونى، فيما ركزت اعتراضاتهم على "تدنى معنويات الموظفين بسبب أسلوب إدارته ومظالم تتعلق بالعقود واتهامات بتمييز غير قانونى"، أضف إلى ذلك اعتراض الأساتذة على الخط السياسى الذى ينتهجه رئيس الجامعة الأمريكية، ليحولها فى رأيهم إلى فرع من السفارة الأمريكية بالقاهرة يتبنى مواقفها وسياساتها ورأيها.

على هذا النحو بدا قرار مجلس أوصياء الجامعة بتجديد الثقة فى ريتشارد دونى والصادر اليوم 11 فبراير أقرب إلى تحدٍ للجميع، حيث جاء فيه نصًا: "أن مجلس الأوصياء هو الجهة العليا المنوط بها مسؤولية إدارة الجامعة وصنع القرار، وهو الجهة المؤتمنة على ذلك، ونحن نضطلع بهذه المهمة الرئيسية على أكمل وجه، ومن ثم يجدد المجلس تأكيده بالإجماع على ثقته المستمرة ودعمه التام لكل من رئيس الجامعة فرانسيس ريتشارد دونى، وإدارة الجامعة، إذ يثنى المجلس على قيادة رئيس الجامعة وقراراته، والتى نراها جوهرية للنجاح الحالى والمستقبلى للجامعة".

وبعيدًا عن الصراع الداخلى فى الجامعة مع ريتشارد دونى، فالأخير معروف بأنه سفير ودبلوماسى سابق بعقلية رجل استخبارات، فيما يتم وصفه بأنه صانع الثورات.

رئيس الجامعة الأمريكية مع بومبيو

وبالنسبة للحالة المصرية، شغل الأخير منصب سفير واشنطن فى القاهرة من 2005 إلى 2008، حيث يعود إليه الفضل فى منح التمويلات السخية للمنظمات الحقوقية، ومنها ما يصر على خلط العمل الحقوقى بالتدخل فى الشأن المصرى.

كما كان عراب النفخ فى التأثير الإخوانى فى البلاد، ومن تقدم للتواصل مع الجماعة علنية، معتبرًا بالتأكيد أن لقاءاته بأعضاء الجماعة تمثل سياسة واشنطن تجاه مصر.

كان ينتهج سياسات غريبة ومريبة فى ذات الوقت طيلة وجوده بالقاهرة، كالحرص على التحرك فى الموالد والمناسبات الصوفية، فضلًا عن الاجتماع برجال أعمال من طبقات مغايرة، مثل هؤلاء الذين تتركز أعمالهم فى مناطق شبرا والسبتية والأقاليم، كما فتح أبواب السفارة الأمريكية لموظفين غير متخرجين من الجامعة الأمريكية، وعدد من الجامعات المصرية.

وبدت سياساته داخل السفارة غير منطقية لدرجة دفعت عددا غير قليل من الموظفين الكبار إلى تقديم استقالتهم.

فى حقبة وجوده بمصر، تصاعدت شعارات الفوضى الخلاقة، كما بدا أنه يعارض أى دور حيوى للمؤسسة العسكرية فى الداخل المصرى، وساهم فى دعم فرضية أن جماعات الإسلام السياسى جديرة بتولى مسؤوليات الحكم بديلًا عن الأنظمة المدنية الأخرى.

كما كان عرابًا لما يمكن أن يطلق عليه الحالة السياسية الاجتماعية بمصر، وكان مهمومًا بفتح الطريق أمام ظهور مجموعات لها مطالب ملتبسة لدى الدولة، كالبهائيين وغيرهم.

وبعيدًا عما يثار عن أدواره المشبوهة فى العراق وتركيا وأفغانستان، فإن الرجل يظل مثيرًا للجدل والغموض فى آن واحد أينما حل، وعلى ذلك فإن وجوده على رأس مؤسسة تعليمية هى الأشهر فى الوطن العربى ومصر، إنما يثير كثيرًا من علامات الاستفهام.

اقرأ أيضًا:

وللجامعة الأمريكية باع طويل فى مصر على مدار قرن من الزمان، ويدين لها كثيرون، كونها منحتهم تعليمًا رائدًا أهلَهم لتولى مهام ذات ثقل فى الدولة وفى المؤسسات الاقتصادية المهمة داخليًا وخارجيًا.

حيث تشير بطاقتها التعريفية الرسمية للجامعة إلى أنها "تأسست عام 1919، من قبل فريق أمريكى يهدف إلى خدمة التعليم والمجتمع فى منطقة الشرق الأوسط، والتحقت أول طالبة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1928 حيث كانت الدراسة قبل ذلك مقصورة على الطلاب الذكور فقط، وذلك قبل 40 عامًا من اتخاذ جامعة برينستون وييل، ضمن جامعات أخرى بالولايات المتحدة الأمريكية، نفس الخطوة".

وأيضا فى تعريفها "هى جامعة مصرية، مستقلة، غير هادفة للربح، ومتعددة الثقافات والتخصصات، وتعتبر واحدة من أكبر الجامعات التى توفر تعليما متميزا باللغة الإنجليزية، ويوجد لها مجلس للأوصياء وبعض المكاتب الإدارية فى نيويورك".

ريتشارد دونى

كان الرئيس الأول لها هو تشارلز واتسون الذى ظل رئيسًا لها لمدة 25 عامًا، والذى ولد بالقاهرة عام 1873، وتقدم الجامعة تعليمًا قائمًا على النهج الليبرالى المعتمد على التفكير النقدى والتحليلى لطلاب البكالوريوس والدراسات العليا، وبرامج مهنية، بالإضافة إلى برامج التعليم المستمر".

"يتوافد طلاب الجامعة الأمريكية من أكثر من 50 دولة حول العالم، ويأتى أعضاء هيئة تدريس الجامعة، والأساتذة غير المتفرغين، والأساتذة الزائرين من بلدان عدة، وتتضمن القائمة أكاديميين، ومهنيين، ودبلوماسيين، وصحفيين، وكُتاب وآخرين من الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وبلدان أخرى من سائر أنحاء العالم، حيث أن تعدد الثقافات يضمن إثراء التجربة التعليمية للطلاب ويتيح الفرص للتواصل بين مختلف الخلفيات الثقافية، وتعد جميع البرامج الدراسية بالجامعة معتمدة من قبل لجنة الدول المتوسطة للتعليم العالى، والهيئة المصرية العامة لتأكيد الجودة واعتماد التعليم، ومن جهات الاعتماد الأمريكية، بالإضافة إلى أن البرامج الأكاديمية التى تقدمها الجامعة معتمدة اعتمادا خاصا من منظمات مهنية أخرى معترف بها عالميًا".

"وفى عام 2018، تصدرت الجامعة المركز الأول فى مصر والمركز الثالث فى إفريقيا طبقًا لتصنيف كيو إس العالمى للجامعات، والذى أعدته شركة (كواكواريلى سيموندس البريطانية والمختصة بالتعليم الجامعى)، وذلك فى التقرير الصادر لعام 2015 - 2016، كما احتلت المركز 345 عالميًا"

"ويعد القصر الذى يطل على ميدان التحرير أقدم مبنى بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث قام الخديوى إسماعيل بتشييده عام 1870 كمنزل لكاتم أسراره ووزير التعليم آنذاك، أحمد خيرى باشا، الذى سُمى البناء باسمه، وبعد وفاة خيرى باشا، تم بيع القصر لرجل الأعمال اليونانى نستور جناكليس وأصبح مصنعا للسجائر لفترة وجيزة استخدمه جناكليس فى إنتاج وتعبئة منتجات "تبغ هلمار" التى اشتهر بها.

ثم عاد القصر إلى جذوره التعليمية عام 1908 حينما قامت الجامعة المصرية بتأجيره، وسُميت بعد ذلك بجامعة الملك فؤاد، ثم أصبحت جامعة القاهرة، وظل القصر مقرا للجامعة المصرية حتى ابتاعه تشارلز واتسون، الرئيس المؤسس للجامعة الأمريكية بالقاهرة، فى عام 1919.

قصر خيرى باشا

يشتهر القصر بطرازه المعمارى الرائع، كما يحمل فى طياته تاريخ طويل وغنى خاص به، فهو ركن أساسى فى تاريخ الجامعة، حيث يربط مجتمع الجامعة بالماضى الثقافى والتعليمى لمصر.

وقبل سنوات، انتقلت الجامعة الأمريكية إلى مقرها الجديد بالقاهرة الجديدة، بينما لا تزال تحتفظ بمقرها التاريخى فى التحرير، فيما تخرج منها ومن فروعها 40 ألفًا فى قرن من الزمان.

وعمومًا، كان لافتًا وخصوصا فى العقود الثلاثة الماضية، أن الجامعة تحاول أن تتداخل سياسيًا واجتماعيًا فى الحياة اليومية لمصر بشكل فج، ومن ثم بدا أن مواقفها تجاه السلطة أقرب لحزب معارض، لا تستضيف فى ندواتها إلا المعارضين أو الإخوان أو النشطاء الصداميين.

وكانت البوابة الإعلامية السويسرية العريقة، سويس انفوا، أجرت بحثًا استقصائيًا قبل 10 سنوات، أى فى ذكرى مرور 90 عامًا على تأسيس الجامعة، جاء فيه أن المصريين مختلفون على دور الجامعة الأمريكية فى البلاد، فمنهم من يعتبرها مؤسسة استخباراتية تسعى لتخريب المجتمع، ومنهم من يعتبرها مجرد واجهة تنويرية تعليمية، لكن هناك بعض المآخذ اتفق عليها كثيرون، منها وكما جاء على لسان أحمد إمام، أخصائى معلومات سابق بالجامعة الأمريكية بالقاهرة أن "مشكلة الجامعة فى الإدارة، أنها لا تتعامل مع المجتمع المصرى بطريقة واحدة وعادلة، وإنما تفضِّـل فئات على أخرى".

كما نُقل البحث عن الإعلامية الدكتورة ليلى بيومى، المهتمة بمتابعة ملف الجامعة الأمريكية بالقاهرة، بأن الأخيرة مؤسّـسة بحثية تقوم بمتابعة ورصد الظواهر الحياتية للمجتمع المصرى من خلال البحوث والدِّراسات والزيارات الميدانية واستطلاعات الرأى، التى تجريها للوصول إلى نتائج حقيقية لمعرفة توجّهات المجتمع المصرى، وذلك كله لخدمة صانِع القرار فى الولايات المتحدة، هذا بالإضافة إلى استخدامها فى تشويه صورة مصر بالخارج".

وأضافت "المتابع لشؤون الجامعة يكتشف أنها تسعى لإغراق الشباب المصرى فى دوّامة التغريب من خلال المناهج التى تُدرسها وأسلوب الحياة والنّمط المعيشى الذى تدعمه، وذلك وِفقا للنموذج الغربى، البعيد عن قِيمنا ومبادئنا".

وترى الإعلامية ليلى بيومى أن الجامعة لها أنشطة مُريبة كـ"التبشير وغسل عقول الشباب المصرى وجعله أمريكيًا"، وتابعت: "فى اعتقادى الشخصى، أن مصر لم تُجنٍ شيئا إيجابيا من الجامعة طوال عمرها، وإنما تأثّرت تأثيرًا سلبِيًا، حيث خسِرت الكثير من صفوة أبنائها ممّن تمّ تغريبهم عن وطنهم".

بينما قال الدكتور عماد حسين، الحاصل على درجة الدكتوراه بدرجة امتياز فى موضوع (الجامعة الأمريكية فى القاهرة 1919 – 1967): "هذا هو المفهوم الأمريكى للقوة الناعمة، الذى اعتمدته المخابرات الأمريكية".

ويعرّف حسين مفهوم القوّة الناعمة، بأنه "نشر النموذج الأمريكى داخل الثقافات المختلفة، بحيث تتبنّاه المجتمعات بشكل كبير، فلا تكون هناك حاجة لاستخدام القوّة الخشنة أو المفرِطة أو ما يُطلق عليه القوّة العسكرية".الجامعة الأمريكية

وفى كتابها القيم، "الجامعة الأمريكية بالقاهرة.. دراسة وثائقية منذ النشأة حتى 1980"، ترى الباحثة الدكتورة سهير حسين البيلى، أن التوجه الرئيسى للجامعة الأمريكية منذ نشأتها كان هو التوجه الدينى، وقد أوضحت إحدى وثائق الجامعة أن الهدف هو ضمان الشخصية المسيحية للجامعة وتنمية الولاء المسيحى لدى المدرسين والطلاب.

وعن العلاقة بين الأهداف المعلنة للجامعة والممارسات الداخلية فى المدة من 1920 حتى عام 1956، تشير المؤلفة إلى أن الوجهة التبشيرية خلال هذه المدة ظلت هى المحور الذى تدور حوله بقية الأهداف المعلنة من إعداد النخبة، ونشر الثقافة الأمريكية، وخدمة المجتمع المصرى.

وتابعت "الهدف الدينى كان أن تمثل الجامعة قمة الهرم التعليمى التبشيرى فى وادى النيل، وأن تقوم بتقديم دروس لطلاب المرحلة الجامعية ودراسة مهنية لكل من المسلمين والمسيحيين فى مصر والأراضى المجاورة، وكانت هذه الدروس تشمل تعليم الإنجيل وعلومه، وإعداد النخبة الحاكمة وفقا للمبادئ المسيحية وقد طورت الجامعة عل هذا الأساس ما تمارسه من وسائل لتحقيق أهدافها وذلك من خلال الاجتماع الدينى، المحاضرات العامة، المناهج الدراسية، اختيار أعضاء هيئة التدريس، وأنشطة الجامعة الأخرى".

يمكن القول "إن الجامعة قامت بدور خطير فى كشف دقائق الأمور والمشكلات الاجتماعية فى مصر ودول الشرق الأوسط، بحيث تستطيع أمريكا من خلاله بسط الهيمنة الثقافية على المجتمع المصرى".

ومما سبق نستطيع أن نلمس الأهداف الحقيقة للجامعة، وهى السعى لتنصير المجتمع المصرى، وإيجاد تبعية ثقافية أيضاً، وقد جاءت التبعية فى إطار الجانب الدينى"، بحسب الباحثة.

وقد حاولت الجامعة فى الحقبة الناصرية وفى عهد الرئيس الراحل أنور السادات، أن تتوائم مع السلطة، ولا تفصح عن نواياها سياسيًا أو اجتماعيًا، مكتفية بإعداد نخبة تدين لها بالولاء، إلا أنه فى الأخير افتضح أمرها - حسب مؤلفة الكتاب- واتضح أنه بفضل ما تقدمه من القيم والثقافة الأمريكية تمثل هذه الجامعة أحد آليات الهيمنة الأمريكية والتبعية، وخصوصا فى عصر العولمة التى تسعى فيه أمريكا للسيطرة على العالم، وذلك لكون خريجى هذه المؤسسة روادًا لهذا المجتمع وطليعة هذا العصر بما يحملونه من قيم وثقافة الدولة المسيطرة عالميًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً