عبدالله أوجلان
- القضية الكردية تتعقد بالتزامن مع الذكرى العشرين لاعتقال أوجلان
- صحيفة ألمانية تكشف لماذا انقلبت أنقرة على الأكراد فى 2015؟
- أردوغان استعان بداعش لإشعال المعركة مع «العمل الكردستانى»
سيرة كتبتها صحيفة "دى تسايت" الألمانية المرموقة، بينما ترجمها "مبتدا" نصًا، مع بعض من التصرف الضرورى، فيما أنها تفضح كيف لجأت السلطة فى أنقرة، وتحت حكم نظام إخوانى الهوى، لأن تضحى بسلام مواطنى بلادها لأجل مواصلة الحرب والقمع والتشبث بالسلطة ومحاولات التوسع الخارجى.
تقول فصول الرواية الخاصة بأقوى سجين ومعارض فى تركيا، كما تنقلها النافذة الإخبارية الشهيرة فى بلد أنجيلا ميركل:
"ثلاثة رجال ملثمون، وأقنعة سوداء تغطى رؤوسهم، يجلسون فى طائرة صغيرة بينما تتصادم أسنانهم طربًا وفرحًا بالصيد الثمين.. بالكاد تُسمع فى الخلفية المحركات الطافحة.. فمن هؤلاء؟"
الرجال هم عملاء تابعون للاستخبارات التركية.. وصيدهم: رجل آخر مكبل، حشر فى مقعد وسطهم. هو سجينهم.
بعد دقائق أزال عملاء الاستخبارات العصابة من فوق عينيه. لكن ظلت اليدان مكبلتان بالأصفاد، والجسد تم تحزيمه بشريطين، لحظات وكشف الرجل الغامض عن نفسه.
كان يمكنك ساعتها أن يُرى شعره الداكن، حواجبه السوداء العريضة، شاربه الكثيف.. كان ينظر إلى الكاميرا بثبات.. إنه عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستانى "PKK" الكردى المحظورة (فى تركيا وعدد من البلدان الغربية).

لقد تم اصطياده للتو من قبل عملاء أتراك فى كينيا. المشهد داخل الطائرة لا يزال فى الذاكرة.. جرى اعتقاله فى 15 فبراير 1999. فى ذلك اليوم تم تسجيل أحد أهم اللحظات فى تاريخ تركيا الحديث.
"هل أنت بخير؟"، يسأل أحد عملاء الاستخبارات أوجلان، بينما يتم تصوير المحادثة داخل الطائرة.. يتابع: "هل يجب أن نجلب لك شيئًا، هل يجب أن نمسح عينيك بالماء؟".. على ما يبدو، تريد الاستخبارات إظهار أن السجين لم يتعرض لسوء المعاملة.
احتاج أوجلان للحظة صمت قبل الرد، ثم قال: "أنا أعرض خدماتى.. أنا أحب الشعب التركى والكردى.. وسأساعد إذا ما أتيحت لى فرصة"، هكذا، وقبل عشرين عاماً، لاحت فى الأفق نقطة تحول محتملة فى صراع الدولة التركية مع حزب العمال الكردستانى.. نقطة تحول للسلام.
كان الأكراد يشعرون بالتمييز ضدهم من جانب الدولة التركية، وكانوا غير معترف بهم كجماعة عرقية، ومن ثم ظل الصراع لأجل الحصول على مكانتهم الطبيعية كأحد سمات الحياة فى تركيا على مدى عقود، وربما منذ تأسيس الدولة فى العام 1923.
ومنذ العام 1984، قاتل حزب العمال الكردستانى مع أوجلان ضد الدولة التركية لإعلان كردستان المستقلة.. فى ذلك الوقت، قدم أعضاء الحزب أنفسهم إلى العالم الخارجى كمقاتلين من أجل الحرية.. لكن بشكل خاص فى تركيا، كان حزب العمال الكردستانى قاسيًا.. حتى الأكراد، ممن بدا أنهم أقرب إلى الدولة التركية من التنظيمات الكردية المتشددة، أعدمهم حزب العمال الكردستانى.
فى وقت لاحق، وبعد عمليات الحصار على الطرق السريعة، وعمليات الحرق العمد واحتجاز الرهائن فى الخارج، كان لزامًا على ألمانيا (ودول عدة حول العالم) تصنيفه كمنظمة إرهابية.
حتى تفاصيل اعتقال أوجلان فى عام 1999 أظهرت التعقيد الدولى والدبلوماسى فى التعامل مع المنظمة السرية (الحزب)، مما يجعل حل قضيتها أكثر صعوبة اليوم.
فى البداية، أجبرت سوريا أوجلان على الفرار من سهل البقاع اللبنانى، حيث كان يقبع هناك منذ فترة طويلة.. عندما وصل إلى اليونان، أرادت الأخيرة التخلص من رئيس حزب العمال الكردستانى بأسرع وقت ممكن، حتى لا تقع مع جارتها (تركيا).. ومن ثم واصل أوجلان السفر إلى إيطاليا، ليتم وضعه تحت الإقامة الجبرية على خلفية إصدار ألمانيا مذكرة توقيف دولية ضده.
سرعان ما نشرت صور لفيلا فى ضواحى روما على التلفزيون التركى، سُمح لأوجلان لاتخاذها كمنزل له. كانت تركيا غاضبة، وكان الوضع (الأمني على الأرجح) فى ألمانيا شديد الانفجار، ولهذا السبب ربما تنازلت الحكومة الفيدرالية (فى برلين) عن ضرورة نقل (الكردى المطارد) إلى أنقرة.
ثم أفرجت إيطاليا عن أوجلان، وحررته من الإقامة الجبرية، فهرب إلى كينيا، وألقى القبض عليه فى نهاية الأمر من قبل عملاء الاستخبارات التركية بعد مغادرة السفارة اليونانية، ومنذ ذلك الحين يقبع أوجلان فى سجن جزيرة إمرالى (جنوبى بحر مرمرة) وهو معزول تماماً.
ولمدة 20 عامًا مرت على اعتقال أوجلان، لا توجد صور أو مقاطع فيديو تتعلق به، هذا ليس بسبب 50 كيلومترا تفصل بين أسطنبول وسجن بحر مرمرة، لكن العدالة التركية لا تعترف بالزيارات إلا فى حالات استثنائية.
محامو أوجلان رأوه آخر مرة فى عام 2011، ونادراً ما تتم الموافقة على الطلبات المقدمة من أفراد العائلة فى هذا الشأن، لكن فى الآونة الأخيرة زاره شقيقه، محمد أوجلان، وكان ذلك فى يناير 2019، وقبلها كان عام 2016.
"بدا على ما يرام"، يقول محمد أوجلان عن شقيقه، وذلك وسط أنباء عن اعتقاله لعدة سنوات فى الحبس الانفرادى.
ولأن تركيا لم تعد تمارس عقوبة الإعدام، فقد حُكم على أوجلان بالسجن مدى الحياة. لا توجد صور أو فيديوهات له. الدولة تفعل ما بوسعها لجعله غير مرئى، لكنها لم تنجح، فطالما احتل وجه أوجلان الأعلام والرايات فى الاحتجاجات الكردية، وفى مؤتمرات المنظمات التابعة لحزب العمال الكردستانى البالغ من العمر 70 عاما تقريبا لا يزال يعبد باعتباره بطلا، وعلى الرغم من أن أوجلان لم يعد رسميًا زعيم التنظيم المسلح، إلا أنه لا يزال زعيمه بشكل غير رسمى. ومثلما لم يختف أوجلان، لم تنته المعركة مع اعتقاله.
على الرغم من أن اعتقال أوجلان قد ضرب حزب العمال الكردستانى، فإنه لا يزال نشطًا اليوم.. لقد نفذ العديد من الهجمات الإرهابية القاتلة فى تركيا فى السنوات الأخيرة. ما يقدر بنحو 40 ألف شخص لقوا حتفهم على كلا الجانبين منذ بدء الصراع.
لقد كانت هناك محاولة لعملية سلام، كما كانت هناك هدنات.. كل ذلك أظهر أن أوجلان لا يزال يحتفظ بأهمية، وقد أكدت دعواته للسلام التى أعلنها النواب الأكراد فى مناسبات عدة، أن العنف قد انخفض بالفعل وبوضوح بين عامى 2009 و2015.
فى ذلك الوقت، اعتقد كثيرون أن السلام يمكن أن يدوم. لكن إلى جانب أوجلان كان هناك ياور آخر، رجب طيب أردوغان، رئيس الوزراء قبلًا، ورئيس تركيا اليوم، فبدأت عملية سلام.

وكانت هناك اجتماعات حتى بين المخابرات التركية وممثلى حزب العمال الكردستانى، حتى مع أوجلان كانت ربما هناك مفاوضات.
لفترة من الوقت، تحدث الرئيس أردوغان إلى المجتمع المدنى الكردى فى شرق تركيا، ووعد بمزيد من العدالة والازدهار بالنسبة لهم.
فى الواقع، وفى بعض الأحيان، تم ضخ الكثير من الأموال فى المناطق الكردية منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة فى عام 2002، كما حصل الحزب على أصوات عدة من بين العديد من الأكراد الأتراك ممن لم يتعاطفوا مع حزب العمال الكردستانى.
وبعد؟.. عقب سنوات من السلام كان التحول فى صيف 2015 أكثر مرارة، وأعلن أردوغان أن عملية السلام مع حزب العمال الكردستانى فشلت.
سبق ذلك حوادث ترتبط بقتل ضباط الشرطة التركية، وزعم أردوغان أن أعضاء حزب العمال الكردستانى نفذوا ذلك بالتعاون مع داعش.
فى المقابل اتهم حزب العمال الكردستانى الحكومة بالتقاعس عن مجابهة داعش، بينما كان المتشددون الإسلاميون فى سوريا والعراق يهاجمون القرى الكردية.
فى ذلك الصيف، حصل حزب العدالة والتنمية الذى يتزعمه أردوغان على أكبر عدد من الأصوات فى الانتخابات البرلمانية، لكنه فقد الأغلبية المطلقة.
وفى شرق البلاد، زادت المواجهات بين حزب العمال الكردستانى والدولة، وغيّر رجال العصابات (ميليشيات الحزب) تكتيكاتهم وانتقلوا إلى مدن منعزلة، وردت الحكومة بالشرطة والجنود والدبابات. كانت أحياء كاملة مدمرة.
ويتهم منتقدون أردوغان بالتخلى عن عمد عن عملية السلام مع الأكراد، لأن الناخبين فى زمن الحرب يفضلون حكومة قاسية مع حزب العمال الكردستانى. وإذا كان الأمر كذلك، فيبدو (نظريًا) أردوغان على حق، فقد فاز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية المطلقة فى الانتخابات الجديدة،
وأصبحت قضية حزب العمال الكردستانى كذلك مشكلة بالنسبة لبرلين (على وجه التحديد)، ومرارًا وتكرارًا اتهم الرئيس أردوغان الحكومة الاتحادية بأنها "ميناء آمن" لحزب العمال الكردستانى.
وينشط حزب العمال الكردستانى فى ألمانيا، وتبذل الحكومة الاتحادية كل جهد ممكن لمواجهة الأمر بحسم.
وأعلنت برلين مرارًا أن "آلاف القضايا الألمانية" تلاحق أنصار حزب العمال الكردستانى. لكن بالنسبة لمعظمهم فالأمر يدور حول الجرائم الفردية.. ومن ثم لم تتم مقاضاة المسؤولين الكبار إلا فى نحو 100 حالة، وغالباً ما يكون ذلك بأحكام تتراوح بين عامين وأربعة أعوام.

فى عام 2017، ربحت المنظمة السرية (الحزب) 14 مليون يورو فى ألمانيا. بينما تقطع هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية الألمانية) "بأنها لا تزال أقوى المنظمات الأجنبية المتطرفة وأكثرها فاعلية فى البلاد".
لذا فإن تاريخ حزب العمال الكردستانى لم ينته بعد 20 سنة من هذا الاعتقال الذى جرى فى كينيا، لا فى ألمانيا ولا حتى فى تركيا. ولا يزال عبد الله أوجلان فى سجنه بجزيرة إمرالى يتدخل بشكل غير مباشر.
وتزامنت الذكرى العشرون لاعتقاله مع اليوم رقم 100 من ذلك الإضراب عن الطعام الذى تنفذه النائبة عن حزب الحرية الديمقراطى ليلى جوفين.
تحتجّ السياسية الكردية على حبس أوجلان الانفرادى. وقد تم نقلها إلى وحدة العناية المركزة يوم الأربعاء. وبعدها بيومين، أى الجمعة 15 فبراير الجارى، وفى الذكرى السنوية (العشرين) لاعتقال أوجلان، منعت الشرطة الوصول إلى منزل جوفين فى ديار بكر، حيث كانت مسيرات تضامن مؤيدة لها تطمح فى الوصول إليها.