العلم
أمور ثلاثة أوضحت الفارق، ولو كان بعضها يبدو بسيطاً، فالأمر الأول هو المواطنة، فلا تحتاج الذاكرة للإرهاق حتى نتذكر أزمة المواطنة قبل 30 يونيو وبعدها.
الوضع كان شائكا، والكراهية بين عنصرى الأمة، المسلم والمسيحى، كانت فى ازدياد، رغم التعامل معها بمنطق المجالس العرفية و"قعدات العرب" التى لا تحل معها جذور المشكلة، بل تظل النار تحت الرماد.
ظهر ذلك فى كثير من الأحداث، ربما التى اندلعت فى السبعينات، أو ما عرف وقتها بأحداث الزاوية الحمراء، والتى فشلت الدولة فى احتوائها فتفاقمت أكثر.
فى الثمانينات والتسعينات كانت الأحداث أكثر عنفًا وطائفية، وتمثل ذلك فى عدد من الأحداث التى اجتاحت محافظات الصعيد وبعد المناطق النائية فى محافظة الجيزة.
ومع ازدياد التمدد المتطرف وكثرة العمليات الإرهابية التى قصدت ضرب العلاقة بين الطرفين فى تلك الفترة، كانت الطائفية تزداد، حتى جاء تفجير كنيسة القديسين قبل أيام من ثورة يناير، إذ ربما كانت هذه الحادثة هى الفارقة فى التاريخ المصرى الحديث، والتى كادت أن تقسم البلد إلى نصفين.

الإخوان يسيئون للعلم
قامت ثورة يناير وطالبت بالمواطنة وبالعدالة، إلا أن ظروف الدولة لم تكن مهيأة لتطبيقها، نتيجة الانفلات الحادث فى شوارع الوطن، وارتباك مؤسسات الدولة، لكن بعد 30 يونيو كانت إرادة تأسيس المواطنة موجودة.
حاول الإرهابيون مدفوعين بقوة الشر أن يبقوا على صناعة حالة احتقان بين المسلمين والمسيحيين، فنثروا التفجيرات، وحاولوا إشعال الفتن، لكن الدولة ومؤسساتها كانت لهم بالمرصاد.
كانت لهم كالقابض على الجمر، الذى لا يبخل بالمجهود من أجل الحفاظ على الدولة وقوتها المستمدة من قوة الشعب ووحدته.
فى مؤتمر ميونخ عرض الرئيس السيسى تجربة مصر فى تعزيز مبدأ المواطنة بين المصريين جميعا، باختلاف أديانهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم، تلك التجربة التى ساهمت بقوة فى وحدة النسيج المصرى الذى يحقق نجاحات كبيرة فى مواجهة الإرهاب.
المواطنة صارت أحد المبادئ التى قويت من خلالها الدولة، وكما قال الرئيس فى إحدى مؤتمراته فإن المسلم والمسيحى يسيران إلى جوار بعضهما البعض، فلا تستطيع أن تميز بين هذا وذاك.

الأمر الثانى، أو الاختلاف الثانى هو قوة وإرادة الدولة واستقلال قرارها، ظلت مصر خلال فترة طويلة للغاية تتحرك وفق توازنات إقليمية وعالمية، فى الخمسينات الستينات كان التوجه إلى شرق العالم، ممثلا فى قوة السوفييت، بعدها كانت مصر أميل للمعسكر الغربى، ممثلا فى أمريكا.
أما بعد 30 يونيو، فليس هناك أفضلية لتوجه عن آخر، أقام الرئيس السيسى علاقات مع النقيضين، مع الأمريكان والروس، عامل الأوروبيين بالند، وأوضح لهم خطأ وجهة نظرهم فى عدد من الأمور والمفاهيم.
اهتم كثيراً بالعمق الخليجى والإفريقى على السواء، وشارك فى أهم المحافل والمؤتمرات العالمية، وتحدث إلى كل الشعوب بقوة وفهم.
مؤتمر ميونخ للأمن كان الأخير الذى يشارك فيه الرئيس، وكانت كلمته فى الجلسة الرئيسية قوية وواضحة، تحمل قوة الحجة، توافق وتناسب مصر الجديدة.
الاختلاف الثالث، قد يكون بسيطًا، وهو العلم المصرى، فالثابت أنه صار ذو قوة ودافعية أكثر مما سبق، أعادت دولة 30 يونيو الاعتبار للعلم وللسلام الوطنى، فصار يتردد فى كل مكان تقريبا، وفى مباريات كرة القدم والفعاليات الثقافية والمستشفيات، صار العلم أعلى المؤسسات والهيئات أكثر سطوعًا ونظافة بعد أن كان مهلهلاً غير معتنى به فى السابق.
قوة العلم من قوة الدولة وقوة وصلابة مواطنيه، وهو ما نراه حالياً، دون شك ودون ريب.