اليوم العالمى للمرأة
ويحمل الاحتفال هذا العام شعار "فكروا بالمساواة، وبناء ذكاء، وابتكار من أجل التغيير"، مُركزًا على التأكيد على ضرورة استنباط طرق ابتكارية تمكن المجتمعات من النهوض بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، لا سيما فى مجالات نظم الحماية الاجتماعية وإمكانية الحصول على الخدمات العامة والبنية التحتية المستدامة، إذ تعتبر الحلول الإبداعية التى تغير من مسارات العمل التقليدية محورية لإزالة الحواجز وضمان عدم التمييز.

وتركز احتفالات دول العالم فى اليوم العالمى للمرأة على الاحترام العام الذى يكنه المجتمع للمرأة ولإنجازاتها الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية، إذ تعد هذه المناسبة فرصة للتأمل وتقييم التقدم المحرز للنهوض بالمرأة، والدعوة لتسريع الجهود الشجاعة التى تبذلها عوام النساء وما يضطلعن به من أدوار استثنائية فى صنع تاريخ بلدانهن ومجتمعاتهن.
ويستهدف الشعار الذى يحمله الاحتفال هذا العام التحفيز والتعجيل بتنفيذ جدول أعمال استراتيجية 2030، وبناء زخم لتنفيذ الأهداف الإنمائية العالمية، مع التركيز على الهدفين الرابع والخامس الخاصين بضمان التعليم الجيد والمنصف والشامل للجميع تنفيذا فعالًا، وبالمساواة بين الجنسين.

والأهداف الرئيسية لاستراتيجية 2030 فى هذا الصدد، تتمثل فى ضمان تمتع الجميع "البنات والبنين والفتيات والفتيان"، بتعليم مجانى منصف وجيد، وضمان إتاحة الفرصة لجميع البنات والبنين للحصول على نوعية جيدة من الرعاية فى مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم قبل سن التعليم الابتدائى، والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات فى كل مكان، ومناهضة كل أشكال العنف ضد المرأة، والقضاء على جميع الممارسات الضارة.
كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أقرت فى عام 1975، الاحتفال باليوم العالمى للمرأة فى 8 مارس من كل عام، وهو فرصة متاحة للتأمل فى التقدم المحرز والدعوة للتغيير وتسريع الجهود الشجاعة التى تبذلها عوام النساء وما يضطلعن به من أدوار استثنائية فى صنع تاريخ بلدانهن ومجتمعاتهن، وكان ميثاق الأمم المتحدة الذى وقع فى عام 1945 قد تضمن أول اتفاقية دولية تؤكد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.

ومنذ هذا القرار ، ساعدت الأمم المتحدة فى تأطير إرث تاريخى للخطط العامة والمعايير والبرامج والأهداف المتفق عليها دوليا لتحسين وضع المرأة فى كل أنحاء العالم، وعززت وكالاتها الفنية مشاركة المرأة بوصفها شريك مساو للرجل فى تحقيق التنمية المستدامة والسلام الأمن واحترام حقوق الإنسان احترامًا كاملًا، وبقى تمكين المرأة فى مركز القلب من جهود الأمم المتحدة لمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى كل أنحاء العالم.
وتاريخيًا جاء هذا الاحتفال كثمرة لما شهدته شوارع مدينة نيويورك فى 8 مارس عام 1908، من خروج الآلاف من عاملات النسيج للتظاهر، ليس ضد ظروف العمل فقط، بل وللمطالبة أيضًا بتخفيض ساعات العمل، ووقف تشغيل الأطفال وتمتع النساء بحق الاقتراع، وحملت المتظاهرات قطعا من الخبز اليابس وباقات من الورود كشعار لتلك المسيرة الاحتجاجية، و هكذا بدأ اختيار التاريخ يوم 8 مارس من كل سنة يومًا للاحتفال بالمرأة على مستوى العالم، وفى عام 1910 طرحت السياسية اليسارية من الحزب الديمقراطى الاجتماعى الألمانى، كلارا زتكن، فكرة الاحتفال بيوم المرأة العالمى واقترحت أن تختار كل دولة يومًا محددًا من كل عام للاحتفال بيوم المرأة على أن يتم فيه طرح مطالبات النساء فى كل دولة.

وعندما تحتفل النساء حول العالم "بيوم المرأة" بإقامة الفعاليات والأنشطة المتنوعة فإن ذلك يساهم فى استمرار لفت أنظار العالم تجاه الممارسات غير العادلة بحق النساء، ويساعد على تسليط الضوء على القضايا الهامة التى تشغل اهتمام النساء، بالإضافة إلى ذلك فإن اليوم العالمى للمرأة هو يوم للاحتفال وتكريم النساء الأكثر تأثيرًا واللاتى استطعن تجاوز المصاعب وتحقيق إنجازات عظيمة.
وتختلف طقوس الاحتفال فى دول العالم باليوم العالمى للمرأة بحسب ثقافة الدول والمجتمعات، ولكن عادة لا تخلو أجواء الاحتفالات من الإشادة بأدوار المرأة وتقديرها بمختلف المجالات فى المجتمع.
وفى مصر يدشن اليوم العالمى للمرأة احتفالات شهر مارس بالمرأة المصرية، ويوافق يوم 12 مارس هذا العام الذكرى الـ65 عاما على أول إضراب عن الطعام قامت بها سيدات مصريات، إذ اعتصمت الكاتبة الثائرة درية شفيق بمقر نقابة الصحفيين مع مجموعة من زميلاتها، طالبن حينئذ بحقوق المرأة الدستورية كاملة غير منقوصة، وبضرورة تمثيل المرأة فى الجمعية التأسيسية، وإتاحة الفرصة أمامها لمناقشة الدستور الذى سيحكم البلاد، وقد أثار هذا الحدث جدلًا وضجة إعلامية محلية عربية وعالمية آنذاك، لعدم اعتياد المجتمع على هذا النوع من الاعتراض، فما كان من الحكومة المصرية التى وجدت نفسها فى موقف حرج أمام العالم، إلا أن تدعو المعتصمات إلى كتابة مذكرة تتضمن مطالبهن والاستجابة لها.

وفى 16 مارس، تحتفل مصر "بعيد المرأة المصرية" الذى يوافق ذكرى مناسبة وطنية، إذ يمثل ذكرى خروج المرأة المصرية تتقدمها هدى شعراوى فى مظاهرة لأول مرة للمشاركة فى ثورة 1919، ومقاومة للاحتلال البريطانى، إذ لم يكن خروج النساء فى هذا اليوم للمطالبة بامتيازات لهن، وإنما كان خروجهن للمطالبة باستقلال الوطن وحريته، وقد سقطت أول شهيدة مصرية فى هذه المظاهرة وهى شفيقه محمد.
وفى ذات اليوم وبعد مرور 4 سنوات شكلت هدى شعراوى الاتحاد النسائى المصرى، للمطالبة بالاستقلال وإلغاء الامتيازات الأجنبية وتكافؤ الفرص بين الجنسين، وفى 16مارس من عام 1956 حصلت المرأة المصرية على حق الانتخاب والترشيح، وهى بعض المطالب التى طالما ناضلت المرأة المصرية من أجلها والتى تحققت بالفعل فى عام 1956، وفى عام 1995 اختار المجلس القومى للمرأة يوم 16 مارس يومًا للمرأة المصرية وتم الاحتفال به رسميًا لأول مرة عام 1996.

وفى 21 مارس من كل عام تحتفل مصر بعيد الأم الذى يسلط الضوء على عطاء الأم المصرية، والجانب الإنسانى لها ودورها الفطرى، فالمرأة كأم مستعدة للتضحية من أجل أولادها بنفسها وبكل غال ونفيس لإسعادهم وإتمام دورها على أكمل وجه.
وتحل مناسبة اليوم العالمى للمرأة على المرأة العربية هذا العام، فى ظل اتساع نطاق المأساة الإنسانية التى تشهدها المرأة العربية جراء الصراعات التى اندلعت فى أكثر من بلد عربى، وبات الأمن القومى فى بعض دول المنطقة فى حالة تهديد عام لها ولأسرتها، وذلك أخذا فى الاعتبار المعنى الواسع للأمن الذى لا يقتصر على الأبعاد العسكرية فحسب، بل امتد ليشمل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، واضطرار الملايين إلى ترك ديارهم فارين من مناطق الخطر والقتل والتنكيل والانتهاك إلى مناطق أكثر أمنا، وشكلت النساء الغالبية العظمى من هؤلاء الفارين الذين أضحوا يواجهون صعوبات شتى فى المناطق التى نزحوا إليها.
وعلى المستوى العالمى، مازالت المطالبة بحقوق المرأة، وإشكالية عدم المساواة التاريخية والهيكلية، التى سمحت بتفشى القمع والتمييز بينها وبين الرجل قائمة فى الكثير من دول العالم، كما أنها من أعظم التحديات المطروحة فى مجال حقوق الإنسان فى عالمنا المعاصر، ومن العقبات الجسيمة التى ما زالت ماثلة فى موازين القوى التى يقوم عليها التمييز والاستغلال.