البث المباشر الراديو 9090
أردوغان
خسر رجب طيب أردوغان انتخابات البلدية لصالح المعارضة فى أنقرة، بكل ثقلها ورمزيتها السياسية ومركزيتها كمقر للسلطة فى تركيا الأتاتوركية، فيما تبددت سيطرته كذلك على مدينة الميناء الاقتصادى الأهم فى البلاد، أزمير.

هزيمة موجعة لأردوغان بأنقرة وإسطنبول والمدن الكبرى على يد المعارضة

الانتخابات البلدية تحولت لاستفتاء شعبى تركى أقر بتراجع شعبية أردوغان

صعود نجم سياسى جديد فى سماء إسطنبول يسير على خطى أتاتورك

أما فى إسطنبول، قلب تركيا الثقافى والاقتصادى والمالى النابض، معقل السياسة ومطبخ الحكم الحقيقى لحزب العدالة والتنمية، فالصفعة قوية.. المعارضة تقطع باقتناص الجائزة الكبرى، بينما رجال أردوغان يستميتون فى الادعاء أنها لا تزال بحوزتهم ولو بفارق ضئيل للغاية.

لجنة الانتخابات لم تجد مفرًا من إعلان تقدم المعارضة فى إسطنبول، مرجئة الإفصاح الرسمى عن الفائز، العدالة والتنمية أم حزب الشعب الجمهورى اليمينى المحافظ إلى حين البت فى ما يزيد عن 80 صندوقًا محل طعون وتشكك بعد منتصف يوم الثلاثاء.الانتخابات التركية

وحتى لو احتفظ أردوغان بإسطنبول، فالحقيقية التى لا لبث فيها، أن كلمة السر فى حكمة الممتد لنحو ربع قرن قد انفرطت من بين يديه، ولم تعد مطلقة الولاء له، بل باتت تداعب آخرين، وربما تصبح فى غضون ساعات طوع أمرهم.

أردوغان تعرض بالفعل لضربة قاسية فى الانتخابات المحلية التى جرى التنافس فيها على 3225 بلدية، خصوصًا فى المدن الكبرى، ويكفى هنا الإشارة إلى أن ربع سكان تركيا يتمركزون فى أنقرة وإسطنبول وأزمير، قد أداروا ظهرهم له.

البلاد ستواجه أيامًا عصيبة، فالباشا العثمانى الجديد لا يقبل الهزيمة بسهولة.. سيفعل ما بوسعه لتقييد كل الخصوم ولو كانوا منتصرين بإرادة الشعب، ولا يزال يكابر ويدعى فوزه بعموم الانتخابات المحلية بنحو 51% من الأصوات، ولا يزال يقول إن العدالة والتنمية فى المقدمة، لا يزال يزعم أن حملة التخويف والتضييق التى مارسها على الأكراد والمعارضة قبل الانتخابات بحثًا عن شعبيته المتآكلة، قد أثمرت.الانتخابات التركية

لقد استخدم أردوغان كل الوسائل، وحتى القذرة منها، لاختطاف الانتخابات البلدية لصالحه، حتى أنه غازل المتدينين بإمكانية تحويل إيا صوفيا من متحف إلى مسجد، بينما أعلن بالتوازى مع ذلك الانقلاب على القيم الأوروبية التى كان يدعيها قديمًا بإمكانية العدول عن إلغاء عقوبة الإعدام.

أتراه أفلح فى استعادة الشعبية، واقتناص انتخابات اعتبرها هو وبنفسه استفتاءً على حكمه؟ لا يبدو أنه قد نال مبتغاة، والعكس هو الصحيح، إذ أن الانتخابات أفرزت زعيمًا مستقبليًا جديدًا، هو أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهورى لرئاسة بلدية إسطنبول.

يقول الصحفى تورغوت أوغلو، المدير الإقليمى لصحيفة "الزمان تركيا" بالشرق الأوسط، إن بلاده شهدت "ولادة قائد سياسى جديد هو رئيس بلدية إسطنبول المنتخب أكرم إمام أوغلو (هزم مرشح حزب العدالة والتنمية، رئيس الوزراء التركى السابق، بن على يلدريم)، تذكروا هذا الاسم جيدًا، اعتقد سيكون له مستقبل سياسى مهم فى تركيا.. رجل من عائلة يمينية محافظة ينتمى لحزب أتاتورك، أثار إعجاب الجميع بأخلاقه العالية وصبره وحنكته السياسية".بن على يلدريم

على الأرجح، لن يتركه أردوغان خشية صعود نجمه أكثر فأكثر، والمحصلة أن تركيا تدخل رسميًا حقبة جديدة من القلق والتوتر والتشاحن السياسى الحامى.

لقد حاول أردوغان تغيير المزاج العام التركى المنقلب عليه قبل الانتخابات المحلية، حيث لجأ لفقه الحشد الإخوانى التقليدى، وكان يسير نحو 8 مظاهرات تأييد فى اليوم الوحد فى مختلف ميادين المنافسة.

كما حشد ساسة ومسؤولين كبار للتنافس على مقاعد محلية صغيرة.. يلدريم قبل وهو رئيس وزراء سابق، أن يتنافس على مقعد رئيس بلدية، ولو كانت بحجم وأهمية إسطنبول، لكنها أوامر الباشا.

الآن أردك الحقيقة: لم يكن ذلك كافيًا فى العديد من المدن. ورغم محاولاته المستميتة للتماسك، والإيحاء بالخروج منتصرًا كعادته، إلا أن الهالات السوداء تحت عينيه تفضحان مرارة الدرس القاسى الذى لقنه له الناخب التركى.

يقول مناصروه، يكفينا أن العالم سيشهد بنزاهة الانتخابات والعملية الديمقراطية فى تركيا ولو جاء ذلك على حسابنا.. لديهم كثير من الحق.. لكنه الحق الذى لا يخلو تمامًا من باطل، فصحيح أن نزاهة الصناديق تبدو واضحة، إلا أن الأجواء المحيطة بالتنافس مع المعارضة كانت غاية فى السوء والتضييق والملاحقات.

بعض مجاذيبه القدماء يقولون الآن إنه يدفع ثمن "العنجهية والغرور والإصرار على إبعاد الساسة الكبار وذوى الشعبية من داوائر الحكم والقرار فى حزبه وحكومته".

هو الآن يدفع ثمن سياسته المستبدة، وعلى ما يبدو أنه لم يكن يتحسب يومًا لهزيمة مؤلمة، حتى أنه تبرع ومن دون أن يطلب منه أحد لأن يدعى قبيل الانتخابات أن الأخيرة أقرب إلى استطلاع شعبى عن شرعية حكومته، طالما تحدث فى الأسابيع الأخيرة عن "سؤال البقاء والثقة".. فهل نالهما فى النهاية؟ بدا التصويت وكأنه يحجب الثقة عنه.أردوغان

فى أنقرة، يحكم الإسلاميون "الإخوان" منذ التسعينيات.. الآن، يجب على أردوغان أن يستسلم لحقيقة مرة أنه سقط فى العاصمة التركية على يد سياسى مخضرم، هو منصور يافاش، أحد أبرز قادة حزب الشعب الجمهورى (CHP).

كان يافاش مدعيًا عسكريًا، وهو يعتبر قوميًا محافظًا، ومن دون شك سيجعل الحياة أصعب بكثير على أردوغان ورجاله فى السنوات القادمة.

لقد قاد أردوغان بنفسه الحملة الانتخابية التى فاقت جميع الحملات السابقة المماثلة فى العداء والعدوانية: شوه خصومه وصنفهم كإرهابيين وهدد بعدم الاعتراف بنتيجة الانتخابات لو جاءت على عكس هواه. كان خوفه من الهزيمة كبيرًا لدرجة أنه لم يخجل من استخدام مشاهد دموية من مذبحة المسجدين فى نيوزيلندا لمداعبة أصوات الناخبين.

ورغم التفوق المالى واللوجستى والإعلامى، ورغم المضايقات الهائلة ضد المعارضة، لم يتمكن أردوغان من تأمين المدن الكبيرة لحزبه. "هذا يدل على مدى عمق إحباط الشعب من حكومته"، حسب مجلة "دير شبيجل" الألمانية.

ما لا يعرفه كثيرون، أن أردوغان جاء يومًا إلى السلطة لأنه وعد الناخبين بمستقبل أفضل.. لكن البلاد تمر الآن بأسوأ أزمة اقتصادية منذ عام 2001، فقد تقلص الناتج المحلى الإجمالى التركى بنسبة 3% تقريبًا فى الربع الرابع من عام 2018، ورغم أن الليرة تعافت قليلاً بعد انهيارات الصيف الماضى، إلا أن معدل التضخم لا يزال مرتفعًا بنسبة 20%.. كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية، ولا سيما التى تؤثر بشكل مباشر على المواطنين ذوى الدخل المنخفض.أردوغان

أردوغان يلوم التدخلات الأجنبية، ويحملها مسؤولية البؤس الاقتصادى الذى يعيشه، وقال مؤخرًا: "لقد بدأوا لعب مباراة مع تركيا" غير أن نتائج ماراثون الأحد أظهر جليًا أن عدد أقل من الأتراك باتوا مستعدين الآن لمتابعة نظريات المؤامرة.

من المحتمل ألا تؤدى نتائج الانتخابات إلى تهدئة البلاد، ويقول كمال كيليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهورى، تعليقًا على الصراع المحتدم فى إسطنبول: "لن ينام أحد خلال الـ 48 ساعة القادمة".. لكن على الأرجح فإن نظرته قاصرة بعض الشىء، فزلزال الأحد يؤشر وبوضوح، إلى أن إسطنبول وتركيا ستواجهان أيامًا وأسابيع قادمة مرهقة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز